‘يا لَه من عناء، كان بِمقدورِهما القيام برحلتهما الخاصة، فلماذا يُصرّانِ على مُلاحقتي كظِلي..’
طقطقت بلسانِها وهي تنهالُ باللّعنات على يرينا وموريس؛ فقد جلبَا البلاء لأنفسِهما، كانا هما والشقاء لا يفترقان. قررتْ حينها أن تُطيّر التذكرتين اللتين بقبضتِهما، تمامًا كما فعلتْ بقبعةِ يرينا قبل قليل.
‘أعتذرُ منكما، لكن ليس هذه المرة.’
كان عليها أن تُجاري مِزاج الدوق، وشعرتْ أن التصاق يرينا وموريس بهما سيجعلُ الموقف فوق طاقتِها. ركزتْ ذِهنها بأسفٍ عميق، ثم جعلت تذكرتَي العبور في يدِ يرينا وموريس تفرّانِ مع الرّيح. ومن بعيد، رأتْهما يهرولانِ بذعرٍ في الاتجاه المعاكس للسفينة، محاولينِ اللّحاق بالتذكرتين اللتين أفلتتا منهما قُبيل صعودِهما.
‘يا إلهي، هل أبعدتُهما أكثر مما ينبغي؟’
بدت يرينا وكأنها التقطتْ تذكرتَها بالفعل، فلم يجدِ الأمرُ نفعًا إلا باستخدامِ التحريك الذهني مرةً أخرى لتلقي بهما بعيدًا جدًا.
ورغم المسافة، أبصرتْ وجه يرينا المحتقن بالدّم وهي تصبُّ جام غضبِها على موريس، الذي كان يُعنَّف دون أن يدريَ للخطأ سببًا، بل إنه تعثر وسقط أرضًا وهو يركض لاهثًا خلف التذاكر. وفي تلك الأثناء، بدأ موظفُ فحص التذاكر، الذي كان يرقبُ ركضَهما العبثي بأسى، برفعِ المرساة. انطلقت الصافرةُ مُعلنةً الإبحار، وكانت آخرُ صورةٍ لمحتْها هي يرينا تضربُ ظهر موريس بغيظٍ وهي تقفزُ في مكانِها غضبًا، قبل أن تشيحَ ببصرِها عنهما. حينها، رأت الدوق ماكسيميليان يقتربُ منها حاملًا كأسين من المشروب.
“هل تشعرين بالتّعب؟”
كان شفقٌ ذهبيٌّ ينهمرُ من خلفِ قامتِه، وبدتْ هالتُه البرتقالية تلك ساحرةً لدرجةِ أن ثغرَها انفرجَ قليلًا دون إرادة.
بدا مظهرُ الدوق غير واقعي على الإطلاق؛ لولا انشغالُها بالسّياحة، لكان من الطبيعي جدًا أن تقع في غرامِ هذا الرجل في تِلك اللحظة. استعادت رُشدَها فور شعورِها ببرودةِ الكأس التي قدّمها لها.
“آه! نعم، أشعرُ ببعضِ الإرهاق.”
“يوجد في جزيرة نوت نوت ينابيعُ ساخنة مُمتازة، ستكونُ جيدةً لتبديد تعبِك.”
“حَسناً.”
أنهى ماكسيميليان حديثَه واستدار ليرمقَ البحر بنظراتِه. اختلست تشيريشي النظرَ إلى ملامحِ وجهه الجانبية؛ شعره الذهبي الذي تُداعبه الرّياح، وبشرته النُّحاسية، كانا يتناغمانِ مع بحرِ الشفق كلوحةٍ واحدة.
‘هذا الأنفُ المرتفع.. سأحتاجُ لثلاثةِ أيام بلياليها لمجردِ تسلّقِ قِمتِه.’
فكرتْ هكذا وهي تتأملُ شموخ أنفِه رغماً عنها.
‘يا لِي من حمقاء! كيف لي أن أهيمَ به هكذا؟ يبدو أنني لم أكن مُحقّةً حين كنتُ أسخرُ من نبيلاتِ الرواية.’
ربما كان للجوِّ المحيطِ أثر، لكن جاذبيتَه الطاغية بدت قويةً بشكلٍ استثنائي. ولكي تُخفي اضطرابَ مشاعرِها، استدارتْ هي الأخرى لترنو إلى البحرِ كما فعل.
كان حقًا رجلًا فاتنًا كما تصفُه الإشاعات، وشعرتْ بقلبِها يقرعُ أسرع من المعتاد. لم تدرِ أكان ذلك بسببِ الحماسة للمكان الجديد، أم بسببِ سحرِ ماكسيميليان الذي يفيضُ بجانبِها.
تلاطمتِ الأمواجُ ومضتِ السفينةُ تشقُّ عبابَ الماء بسرعة، بينما تطلعتْ هي إلى الشفقِ القرمزي بامتنان، ظنّةً أن لونَه المتوهج سيُواري حُمرة وجنتيها المشتعلتين.
بحرٌ يغتسلُ بالشفق، وسفينةٌ فاخرة تمخرُ العُباب، ورجلٌ وسيم يقفُ بجانبِها.. لو تجسدتِ الجمالياتُ في صورة، فهل هناك ما هو أروعُ من هذا المَشهد؟
ارتشفْت رشفةً من المشروبِ الذي قدمه لها؛ كان طعمًا لم تذقْه قط في حياتِها السابقة. ففي عالمِها القديم، لم تعرفْ طعمَ الرحلات، بل كانت تقضي وقتَها في ادخارِ المال، ولم تطأ قدماها حانةً لتجربةِ كأسِ (كوكتيل) واحد، لذا لم تدرِ ما نوع هذا الشراب الملون الذي تُمسك به.
‘لا بد أن له اسماً، أليس كذلك؟*
اكتفت بابتسامةٍ باهتة خوفًا من أن يظهرَ جهلُها، وظلت تُراقبُ الأفق.
‘هل يحتوي على الكحول؟’
بضعُ رشفاتٍ فقط كانت كافيةً لتجعلَ قلبَها يخفقُ بحرارةٍ بدأت تسري في وجهِها. تركتِ الكأس نصف فارغة والتفتتْ لتنظرَ حولها؛ كانتِ السفينةُ تضجُّ بالسّياح.
‘هل عادَا بسلام؟’
تذكرت حينها الماركيز ماركوليشيه والماركيزة بيلاتريشيه اللذين عادَا إلى العاصمة. ورغم أنهما ليسا عائلتَها الحقيقية، إلا أن فيضَ مشاعرهما جعلها تشعرُ بالقلقِ عليهما. وفي تلك الأثناء، كانتِ السفينةُ تُبحرُ في هدوء.
‘هل من الصوابِ أن أبتعدَ هكذا؟’
كلما اقتربتْ من جزيرة نوت نوت، شعرتْ أن طريقَ العودة للبيت يزدادُ طولًا، فتسلل القلقُ إليها. الرحلةُ ممتعة بلا شك، لكن مقصدَها النهائي يظلُّ عالمَها الحقيقي، وبوابةُ العودةِ تكمنُ هناك في قصرِ الماركيز بالعاصمة.
‘أتمنى ألا يحدُثَ مكروه.’
تذكرت سريرَها؛ ظنت أن العائلة قد عادت بسلام وأن غرفتَها لا تزالُ كما هي، لكنَّ هواجسَ لا تُفسّر كانت تُساورُها، وعزت ذلك إلى كونِ وجهتِها الحالية هي “جزيرة”.
تذكرت مَشاهد من درامات قديمة كانت تُشاهدها أحياناً؛ جُزرٌ رومانسية، لكنها تتحولُ إلى سجنٍ بمجردِ انقطاعِ رحلاتِ السُّفن.
تذكرت كيف كانت تلك الأعمال تستخدمُ “الجزيرة” كأداةٍ لتقريبِ البطل والبطلة وإشعالِ شرارة الحب بينهما. شعرت بقشعريرةٍ باردة حين رأت أن مسارَها مع الدوق يُشبه تمامًا تلك الحَبكات القديمة.
اختلستِ النظرَ إلى وجهِ ماكسيميليان الجانبي، وفي تلك اللحظة التفتَ هو الآخر، فالتقت أعينُهما. كان رجلًا يُشبه شراب التيكيلا في قوتِه. تذكرت تِلك المشروبات القوية التي لم تذقْها قط وهي تتأملُه. عيناه اللتان تُشبهان لون شراب فانتا كانتا توحيانِ بالانتعاش، لكنهما كانتا تُخفيانِ خلفهما سطوةً تُشبه تأثير الكحول، مما جعلها تشعرُ بخطرٍ غامض. حاولت إخفاء ارتباكِها بابتسامةٍ وقالت:
“المذاقُ رائعٌ حقًا.”
“إنه تيكيلا صنسيت؛ مشروبٌ يليقُ بهذا الوقت تمامًا.”
“آه!”
نظرتْ إلى الكأس في يدِها.
‘إذن هذا هو التيكيلا.’
بعد قليل، بدأ ماكسيميليان يشرحُ أصل هذا المشروب وطريقة صُنعِه، وكان حديثُه منساقاً بعذوبةٍ جعلتها تدركُ أخيرًا لماذا وصفه كاتبُ الرواية بأنه “الرجلُ الفاتن الذي يسلبُ ألباب النساء”.
قُدرتُه على اختيارِ ما يُناسب الجو، وبلاغتُه في الحديث.. كلُّ شيءٍ كان يُوحي بأنها ليستِ المرة الأولى التي يفتنُ فيها امرأة.
‘تماسكي يا فتاة.’
ارتجف جسدُها وهي تُفكرُ في أنها كادت أن تقع في شِباكِه. حاولت تجاهل جاذبيتِه الجامحة وركزتْ بصرَها على البحر؛ كان غُروبُ الشمس خلف الأفق فاتناً للغاية، وآسفها عدمُ وجودِ كاميرا توثقُ اللحظة، فظلت تُحدقُ في الأفق لعلها تحفرُه في ذاكرتِها للأبد. وفي تلك الأثناء، اقتربتِ السفينةُ من الجزيرة، وبدأ الركابُ في التأهب للنزول.
“سنصلُ عما قليل.”
“أجل.”
تطلع ماكسيميليان إلى الجزيرة بنظراتٍ غارقة في الذكريات؛ فقد مرّ وقتٌ طويل منذ زيارته الأخيرة. وبما أن تشيريشي لم تكن تحملُ أمتعة، اكتفت بمراقبةِ حشود الركاب. بدأت السماءُ تكتسي بلونٍ نيليّ، ولم يَعُد من الممكن تسمية هذا الوقت بالظهيرة المتأخرة.
‘لحظة، كيف سنعودُ إلى اليابسة وقد تأخرَ الوقتُ هكذا؟’
بينما كانت تَرى ملامحَ الليل تقترب، تذكرت فجأة كلماتِ الحوذي قبل صعود السُّفينة: [لا تزالُ هناك رحلةٌ أخيرة للسفينة].
‘ماذا؟ هل تعني أن هذه كانتِ الرحلة الأخيرة؟’
داهمها الذعر، ونظرت إلى الدوق بوجهٍ متصلب. أما ماكسيميليان، فاكتفى بابتسامةٍ واثقة وقال:
“تفضلي من هذا الاتجاه.”
“حَسناً.”
تبعتْه في النزولِ من السفينة. لم يكن بِيَدِها حِيلة الآن إلا أن تقتفيَ أثرَه كجروٍ صغير.
“بما أن الوقتَ قد تأخر، علينا أولاً البحثُ عن نُزل.”
بينما كانت غارقةً في قلقِها، جاءت كلمة “نُزل” من فم ماكسيميليان لتُحول هواجسَها إلى حقيقةٍ واقعة. حدقت فيه بجديةٍ تامة.
“نُزل؟”
“أجل، لم نقم بالحجزِ مسبقاً، لذا علينا تدبير الأمر الآن. لا بأس بتأجيل العشاء قليلًا، أليس كذلك؟”
‘عشاء؟ إن قطعةَ الهوت دوغ التي أكلتُها قبل قليل لا تزالُ عالقةً في حنجرتي!’
شعرت بروحِها تُغادرُ جسدَها وهي تَرى ابتسامةَ الدوق الجذابة.
‘إنه خبير.. خبيرٌ حقاً! ربما خطط لكل هذا منذ كنا في المقهى صباحاً!’
حين تذكرت كيف سارتِ الأمورُ بتلقائيةٍ حتى ركوبِ آخر سفينةٍ والوصولِ إلى الجزيرة عند الغروب، أدركت أنَّ الصدفةَ لا مكانَ لها هنا.
شعرت بذهولٍ لدرجة أن الكلماتِ خانتْها. زيرُ النساء في الجنوب، الرجلُ ذو السمعةِ السيئة في فتنِ النساء.. كيف لم تشكَّ فيه ولو لمرة؟ هل يمكنُ للمرءِ أن يكون بهذا القدر من السذاجة؟ ابتلعت ريقَها بصعوبة وسألت ماكسيميليان بوجل:
“متى تتوفرُ السفينةُ العائدة لليابسة؟”
“إذا كان الطقسُ جيدًا، ستبدأُ الرحلاتُ من الصباح.”
“وماذا تعني بالصباح؟”
“يُمكننا العودةُ غدًا.”
كان وجه ماكسيميليان يفيضُ بالهدوء، فسألتْه بإلحاحٍ أكبر:
“إذن، لن نتمكنَ من مغادرةِ الجزيرة إلا صباحَ الغد؟”
“هذا صحيح.. هل لديكِ عملٌ طارئ؟”
‘عملٌ طارئ..’
لم يكن هناك شيءٌ من هذا القبيل. تهربتْ من نظراتِه وتمتمت:
“لا، لا يوجد شيء.”
لم تجد بُدّاً من الصدق؛ فقد فُرض الأمرُ الواقع، وبات قضاءُ ليلةٍ مع الدوق في هذه الجزيرة حقيقةً لا مفرَّ منها.
“ما دمتِ لستِ مشغولة، فدعينا نتجولُ ببطء غدًا. هذا المكانُ يزخرُ بالمشاهدِ الرائعة، ولا أقول هذا لأنه ضِمن إقليمي…..”
قال ماكسيميليان ذلك وهو يترقبُ رد فعل تشيريشي؛ فقد كان قلقاً من شحوب وجهِها المفاجئ.
‘هل المكانُ لا يروقُ لها؟’
مقارنةً بمركز نوطوباي حيث يقعُ قصرُ الدوق، كانت جزيرة نوت نوت تبدو بسيطةً ومتواضعة. ظن أن استياءَها نابعٌ من بساطةِ مشهدِ الميناء، فوعدَها بتعويضِ ذلك غدًا.
أما تشيريشي، فقد شعرت أن ملامح الدوق تحمل كبرياءَ رجلٍ جُرحت كرامتُه، لكنها لم تكن في واردِ الاهتمام بمزاجِه الآن؛ ففكرةُ أن تضطرَّ لمشاركةِ الدوق في غرفةٍ واحدة قد جعلت عقلَها يشردُ بعيداً في غياهبِ الذهول.
التعليقات لهذا الفصل " 22"