‘أخيرًا سنذهب! شاطئ الأحلام الذي طالما تمنيت رؤيته!’
تبعت ماكسيميليان بقلبٍ يخفقُ حماسةً، وهما يعودانِ أدراجهما من حيث أتيا.
‘قدماي تؤلمانني.’
كان ذلك ضريبة السير الطويل. في الأحوال العادية، لكانت قد تذمرت، لكنها الآن تتشبثُ بأملٍ واحدٍ هو رؤية ميستيكو الوشيكة؛ لذا واصلت السير خلفه بإصرار. وحين وصلا إلى نقطة الانطلاق، كانت عربة الدوق الخاصة بانتظارهما. يا لها من عربةٍ فخمةٍ تخطفُ الألباب كلما رآها المرءُ من جديد.
‘آه، هل سأريحُ قدميَّ قليلًا الآن؟’
ابتسمتْ وهي تخفي ألمها.
“تفضلي بالركوب.”
فتحَ الدوقُ باب العربة لها.
‘أخيرًا!’
برقت عيناها بلمعةِ النصر.
***
بكل لياقة، ساعدَ ماكسيميليان تشيريشي على صعود العربة أولًا. وكما توقع، انزوت فور دخولها في المقعد الأخير الأبعد عن الصدارة. لو كان ماكسيميليان السابق، لكان قد جلس بجوارها، لكنه لم يفعل هذه المرة؛ فبما أنه قرر خداعها بـميستيكو المزيفة، لم يَعُد يرى داعيًا لاستراق السمع إلى خفايا صدرها.
“لنعد إلى قصر الدوق.”
تحركت العربةُ مع أمره. وعلى عكس رحلة المجيء، بدأت تشيريشي تغطُّ في نعاسٍ عميق؛ فقد كان هذا أول مجهودٍ بدنيٍّ حقيقيٍّ تبذله منذ انتقالها لهذا العالم. لكن المعضلة حدثت بعد قليل.
[يا له من بخل! كان عليه أن يُطعمَني هوت دوغ من الاستراحة على الأقل بدل جرّي هكذا.. في المرّة القادمة سنتوقّف لشراء وجبات خفيفة، مفهوم؟ نونا ستهتم بك.]
كان يمكنه تجاهل الأمر، لكن تلك الكلمات التي جالت في خاطرها علقت في ذهن ماكسيميليان كالشوكة تحت الأظفر. وبينما كان يرقبُ الطريق من النافذة، بدأ التوترُ يتسللُ إليه مع اقترابِ استراحة الطريق.
‘إنها نائمة، هل أتجاوزها؟ .. لا، ماذا لو استيقظت في القصر وبدأت بالتذمر في سرّها من جديد؟’
رغم أن حالتهما الآن – بعد غداءٍ دسم – تختلف تمامًا عن جوع الصباح، إلا أن ماكسيميليان لم يلحظ ذلك. جفَّ ريقه مع ظهور معالم الاستراحة؛ ولم يفهم سرَّ ارتباكه هذا أمام رغباتها الخفية.
في تلك اللحظة، تململت تشيريشي وبدا أنها على وشك الاستيقاظ. ذُعر الدوق وأعطى إشارةً مفاجئة للحوذي بالتوقف. توقفت العربةُ ببطء عند ميناء نيوستل، وهو معلمٌ شهيرٌ آخر في نوطوباي، ومنه تنطلق السفنُ نحو “جزيرة نوت نوت”.
كانت الجزيرة وجهةً سياحية صاعدة، والميناءُ يُعدُّ من أكثر الأماكن حيويةً هناك. لم يتوقف ماكسيميليان إلا لسببٍ واحد: أن يُطعم تشيريشي ذلك الـ “هوت دوغ”. فبالقرب من الميناء، توجد مقاهٍ تقدم وجباتٍ خفيفة للمسافرين، وأشهرها محلٌّ ذائعُ الصيت بوجباته. استيقظت تشيريشي فور توقف العربة.
“أوصلنا بهذه السرعة؟”
نظرت حولها بذهول، تارةً لداخل العربة وتارةً لما وراء النافذة.
“توقفنا قليلًا لنتناول وجبةً خفيفة قبل المتابعة.”
رغم مجهود التسلق، إلا أن تشيريشي كانت لا تزال تشعر بالشبع من غدائها المفرط؛ لذا استغربت رغبته في الأكل الآن. ظنت أن الدوق هو الجائع، فتبعته خارج العربة دون اعتراض. وبمجرد خروجها، انفتح أمامها مشهدٌ جديد تمامًا.
مقاهٍ تزينُ مداخلها مظلاتٌ ملونة كالمظلات الشاطئية، وسفنٌ راسيةٌ تؤكدُ هوية المكان كميناءٍ حيوي. تبعت الدوق وهي تنظرُ حولها بفضول. ومع أنها شعرت بأسفٍ بسيط لتأخر وصولها إلى ميستيكو، إلا أنها لم تكن في وضعٍ يسمحُ لها بمعارضة رغبة الدوق في الأكل. جلست خلفه على طاولةٍ خارجية، فداهمها إحساسٌ رائع وكأنها سائحةٌ في منتجعٍ فاخر.
“هل تسمحين لي أن أطلبَ لكِ على ذوقي؟”
“نعم، بكل سرور.”
“انتظريني قليلًا.”
نهض ماكسيميليان نحو منصة الطلبات، فبقيت هي ترمقُ قائمة الطعام بعينين تلمعان.
كانت الأصنافُ تبدو شهيةً للغاية، والأجواء هنا بدت أكثر عصريةً وحيويةً من مطعم الغداء، مما أثار اهتمامها. النسيمُ العليل يداعبُ المكان، والناسُ يتحركون بهدوءٍ وسلام. فجأة، طار المنديلُ الموضوعُ على الطاولة بفعل الريح وسقط أرضًا.
‘يا للهول.’
حاولت النهوض لالتقاطه، لكن ألمَ ساقيها أعادها لمقعدها.
‘أتمنى لو يرفعه أحدٌ عني.’
نظرت للمنديل وفكرت: “ليته يطيرُ نحوي فحسب”. في تلك اللحظة، حدث ما لا يُصدق؛ المنديل الذي كان هامسًا على الأرض ارتفع فجأة وكأنه يسبحُ في الهواء، وتحرك نحوها! تجمدت تشيريشي في وضعية نصف الوقوف من فرط الذهول. وبمجرد أن ركزت نظرها عليه، عاد المنديل ليسقط على الأرض مجددًا.
‘ما هذا؟ ما الذي حدث للتو؟’
قرعت طبولُ قلبها في صدرها. جلست بهدوءٍ تام وعاودت النظر للمنديل بشعورٍ غريب.
‘هل يُعقل؟ هل كنتُ أنا من حركتُه؟’
بدا الأمر وكأن المنديل استجاب لمحض إرادتها، لكنه كان تفسيرًا جنونيًا.
‘لحظة! أنا في رواية (رومانسية خيالية)، أليس كذلك؟ وكتاب (الطريق الذهبي) كان يضمُّ قلةً من أصحاب القدرات الخارقة!’
تذكرت أن عالم الرواية يفرضُ على أصحاب القدرات إخفاء مواهبهم. بطل الرواية ماريون كان يمتلكُ قدرة تمييز قدرات الآخرين، وهو ما جعله شخصًا استثنائيًا في عالمٍ يتخفى فيه الخارقون. قفزت كلمة تحريك الأشياء عن بُعد إلى رأسها.
‘مستحيل.. أنا مجرد شخصيةٍ ثانوية!’
لم يكن من المنطقي أن تملك شخصيةٌ هامشية مثلها قدرةً كهذه. لكن ما تفسير ما حدث؟ تذكرت فجأة شذراتٍ من ماضي تشيريشي؛ مواقف تشبه الزلازل كانت تلوم نفسها عليها دائمًا. بدأت قطعُ الأحجية تتجمع؛ هل كانت تلك الزلازل نتاجَ قدرتها الذهنية غير المنضبطة؟
‘هل هذا حقيقي؟’
خفق قلبُها بشدة. قررت اختبار قدرتها مرةً أخرى. كان المنديل لا يزال أرضًا. تطلعت حولها لتتأكد أن لا أحد يراقبها، ثم ركزت وعيها بالكامل على المنديل وأمرته بالتحرك قليلًا. وفعلاً، زحف المنديل في الاتجاه الذي أرادته!
‘يا إلهي! إنه يعمل! مذهل!’
غطت فمها بيدها من شدة المفاجأة.
‘هل يعني هذا أن تشيريشي الأصلية لم تكن تدرك حقيقة قوتها؟’
وضعت يدها تحت ذقنها تعيد ترتيب ذكريات الجسد. يبدو أن الفتاة كانت تجهل قدرتها، وكانت القوة تنفجر منها فقط في لحظات القلق الشديد؛ مثل لحظة فسخ خطبتها من موريس أو حين يرفضها الخاطبون.
‘لقد كانت تحبسُ نفسها في غرفتها لأنها تخشى كشف أمرها، ولأنها لا تستطيع السيطرة على قوتها!’
الآن فُهم كلُّ شيء.
‘يا للهول! لقد تقمصتُ جسد شخصيةٍ تمتلكُ مثل هذه القوة؟’
نظرت إلى جسدها الرقيق؛ لم تتخيل أبدًا أن يكمن خلف هذا الضعف مثل هذا السر. وحسب ذكرياتها، كانت الزلازل التي تسببها قويةً جدًا، مما يعني أن طاقتها الذهنية هائلة.
‘لو عدتُ بهذه القدرة إلى عالمي الحقيقي، لكان الأمرُ نصرًا عظيمًا!’
تخيلت نفسها تنقلُ الطعام أو تنجزُ المهام دون مجهودٍ برمجيٍّ مضنٍ، ثم ضحكت من سذاجة الفكرة.
‘لا بد أن أرى مشروعي يكتمل في عالمي..’
شعرت أن ماضيها في العمل الشاق أصبح بعيدًا، رغم مرور يومين فقط على انتقالها. بدا لها غريبًا أنها وصلت إلى هذا المكان البعيد في اليوم الثالث.
‘يجب أن أعود لقصر الماركيز سريعًا لعلي أجد طريق العودة لعالمي..’
تساءلت عن حال الماركيز وزوجته؛ ورغم غرابة اهتمامهما المفرط بها، إلا أنها شعرت بالامتنان لهما لأنهما أوصلاها للجنوب. ومع هدوء روعها من اكتشاف قدرتها، بدأ المللُ يتسربُ إليها.
‘ألم ينتهِ بعد؟’
تأخر ماكسيميليان في طلب الوجبة وكأنه لن يعود. تطلعت حولها، فوقعت يدها على كتيبٍ سياحيٍّ موضوعٍ على الطاولة.
لم يكن لديها ما تفعله سوى قراءته لتمضية الوقت. يبدو أن نوطوباي تهتم بالسياحة، فالكتيبات كانت في كل مكان. فتحت الصفحة الأولى، فرأت مشهدًا لجزيرة “نوت نوت”. ومع أنها ملت من رؤية البحر، إلا أن الرسم المتقن للجزيرة جذبها.
<استعد توازنك النفسي والجسدي في جزيرة الشفاء: جزيرة نوت نوت.>
يبدو أن شعار الجزيرة هو الاستشفاء. قلبت الصفحة وهي تشعر بألمٍ في قدميها:
<تخلص من آلام الجسد والروح في جزيرة نوت نوت. مياهنا الكبريتية الخاصة ستمحو آلامك. ألا تود تجربتها؟>
كانت العبارة مغريةً جدًا لحالتها الحالية. في عالمها الحقيقي، لكانت اعتبرت الكلام مجرد دعاية، لكن بعد تأكدها من قدرتها الخارقة، فكرت: “ربما؟”.
<انغمس في مياه الينابيع التي يلفحها نَفَسُ التنين، وستعود إليك قوتك المفقودة.>
‘نَفَسُ التنين؟’
تذكرت التنانين التي تظهر أحيانًا في روايات الخيال.
‘هل توجد تنانين حقيقية هنا؟’
لو كانت في عالمها لضحكت واعتبرتها عملية احتيال، لكن في عالم السحر هذا، بدا الأمرُ محتملًا. في الصفحة التالية، رأت رسمًا يشبه المسابح اللامتناهية؛ بخارٌ يتصاعد وأشخاصٌ يستمتعون بالاستحمام. المشهدُ أراح أعصابها بمجرد النظر إليه، وتمنت لو تغسل عرقها وتريح جسدها المنهك في تلك المياه. في تلك اللحظة، عاد ماكسيميليان حاملاً صينيةً عليها الهوت دوغ وعصير المانجو.
التعليقات لهذا الفصل " 19"