كان ذلك التلامس الأول بينها وبين الدوق. كفّه الكبيرة الصلبة أحاطت بيدها الصغيرة الرقيقة، ورغم أنها لم تكن إلا برهةً خاطفة، إلا أن تشيريشي شعرت بتيارٍ كهرومغناطيسي يسري في عروقها جراء ذلك التلامس.
“شكرًا لك.”
قالتها وجنتاها تشتعلانِ حمرة.
“لا داعي للشكر.”
جاء صوته رقيقًا على غير العادة. كانت تشيريشي في السابق تظن أن النبيلات اللواتي يقعن في غرام ماكسيميليان في الرواية الأصلية ساذجات، لكنها الآن، وبعد أن سكنت هذا الجسد، أدركت أن الموقف ليس بتلك السهولة. لم تكن تدري إن كان يتصنع اللطف ليغوي النساء أم أن الرقيّ سجيةٌ متأصلة فيه، لكنَّ قلوبهنّ كانت تقرع كالطبول أمام أبسط لفتاته.
‘تماسكي يا فتاة!’
أدارت وجهها بعيدًا كي لا تلتقي عيناها بعينيه، بينما كانت يدها التي أمسكها لا تزال تنبض بالحرارة.
“هنا المنصة.”
تنحى ماكسيميليان قليلًا، فانداحَ أمام ناظري تشيريشي بحرٌ شاسعٌ لا يحده بصر.
“وااااه!”
أفلتت منها صرخة إعجاب تلقائية. كانت تظن أنها شبعت من رؤية البحر في قصر الدوق، لكنها كانت مخطئة. هذا المشهد حمل شجنًا وجمالًا من نوعٍ آخر؛ ربما لأنها نالته بعد عناء تسلقٍ شاق.
تقدمت نحو حافة المنصة. إن كان البحر أمام قصر الدوق يبدو كحديقةٍ خلفيةٍ منسقةٍ ومترفة، فإن البحر هنا، من فوق هذه المنصة، كان يبدو وحشيًا، بكرًا، وفي متناول اليد. كان يفيض بجمالٍ بريٍّ جامح. زاد من روعة المشهد موقع المنصة المعلق فوق جرفٍ شاهق، مما أعطاها إحساسًا بأنها تطفو فوق اللُّجّة دون حاجةٍ لسفينة.
أمسكت بالحاجز بحذر وانحنت بجسدها للأمام تستطلع الأعماق. كانت الأمواج ترتطم بالصخور مخلفةً رغوةً بيضاء، بينما بدا لون المياه داكنًا لدرجة السواد في الأعماق. انحنت أكثر لتستكشف التفاصيل، وفي تلك اللحظة صرخ ماكسيميليان:
“خطر!”
في رمشة عين، ترنّح جسد تشيريشي، فإذا بها تجد نفسها مستندةً إلى صدر ماكسيميليان.
[وسيمٌ لدرجةٍ لا تُصدق!]
تردد صدى صوتها في أذني ماكسيميليان. بالطبع، كان ثغرها مطبقًا تمامًا، فأدرك فورًا أن ما سمعه لم يكن إلا صوت قلبها. بدأت الحرارة تغزو وجه الدوق هو الآخر.
[جسدُه صلبٌ جدًا.. هذا البنيان لا يُبنى في عامٍ أو عامين.]
انتشرت السخونة من وجهه إلى كامل جسده، فبادر بإبعاد تشيريشي عنه بسرعة.
“احم.. احم. هل أنتِ بخير؟”
سعل متظاهرًا بالهدوء وأشاح بوجهه بعيدًا ليتجنب نظراتها.
“آه، نعم. شكرًا لك.”
أمسك ماكسيميليان بالحاجز السليم تمامًا وهزّه بعنف وهو يتمتم: “يجب أن آمر بتشديد إجراءات السلامة هنا.” لم يكن الحاجز يشكو من شيء، بل كانت “السلامة” قد فُقدت في أعماق الدوق نفسه.
[وسيمٌ لدرجةٍ لا تُصدق!]
[جسدُه صلبٌ جدًا.. هذا البنيان لا يُبنى في عامٍ أو عامين.]
كان صوت تشيريشي يتردد في رأسه كأنه أسطوانة لا تتوقف. صبغت الحمرةُ وجه ماكسيميليان خجلًا. لقد اعتاد على سماع المديح والثناء والهيام من عددٍ لا يُحصى من النبيلات، لكنَّ صوتَ قلب تشيريشي كان مختلفًا بشكلٍ غريب. لم يستطع نسيان عينيها الواسعتين وهي في حضنه؛ ذلك الوجه البريء الذي يوحي بأنها زهرةٌ لا تعرف عن العالم شيئًا، بينما تُضمر في قلبها أفكارًا جريئة كهذه! كان الأمر صدمةً حقيقية له.
بدأ ماكسيميليان يشك فيما إذا كان ما سمعه هو حقًا “صوت الحقيقة”. طوال حياته لم يشكَّ في قدراته الخارقة، ولم يراوده ريبٌ في أن أصوات القلوب لا تكذب، لكن ظهور تشيريشي ليلشتاين زلزل معتقداته من جذورها.
نظر إليها بعينين حائرتين، فوجدها قد نسيته تمامًا وانطلقت نحو زاويةٍ أخرى من المنصة لتتأمل البحر. لم يكن هذا تصرف امرأةٍ كانت قبل ثوانٍ تُمجد وسامته وبنيانه في سرّها.
‘أكانت تكذب؟’
راقب ظهرها وهو يشعر بالريبة في قدرته مجددًا. لكن العجيب أنه حتى لو كان ثناؤها كذبًا، فقد وجد نفسه يتوق لسماعه مرةً أخرى. أراد أن يتأكد، وغياب اليقين جعل ذلك المديح الوحيد الذي سمعه كقطرة مطرٍ في صحراء قاحلة، زادته عطشًا بدل أن ترويه.
أما تشيريشي، فقد ابتعدت عنه قدر الإمكان تحاول تهدئة نبضات قلبها الثائرة؛ فقد كادت أن تقع في فخ جاذبيته الطاغية.
‘يا له من رجلٍ خطر.’
مسحت على صدرها لتهدئة روعها، ثم فكرت وهي ترنو للبحر:
‘إلى متى سنبقى هنا؟’
بدأت تشعر بالقلق حول موعد العودة، وخشت أن يكون طمعها في رؤية ميستيكو قد أخرجها عن المسار الصحيح.
‘سأنتظر فرصةً مناسبة لأسأله متى سيريني ذلك المكان.’
انتهت جولتها في المنصة، ولم يبقَ أمامها إلا ميستيكو. رسمت ابتسامةً مصطنعة على وجهها واقتربت من الدوق.
***
في تلك الأثناء، كانت الآنسة ليليان، ابنة الكونت، تذرع ردهة قصر الدوق جيئةً وذهابًا وهي في كامل أناقتها. كانت تمسك بسلةٍ صغيرة تحتوي على مقوياتٍ خاصة لاستعادة النشاط. فمشهد ماكسيميليان في حفلة البارحة لم يغب عن بالها؛ كان وجهه شاحبًا كالقماش، وغادر الحفل مبكرًا مما أثار قلقها. ظنت أنه مريض، فجاءت في اليوم التالي محملةً بتلك المقويات.
كانت ليليان من سكان العاصمة، لكنها جاءت للجنوب بحجة الاستجمام. في الحقيقة، لقد وقعت في حب ماكسيميليان منذ رأتْه في موسم الحفلات، فادعت المرض لتنتقل للجنوب بحثًا عن أي فرصةٍ للقائه. اختارت هذا الوقت المتأخر من الظهيرة ظنًا منها أن الدوق سيكون قد أنهى مهامه الصباحية وعاد لقصره.
تلاعبت بخصلات شعرها الذهبية المربوطة بعناية ودخلت مقهى الطابق الأول برفقة خادمتها. جلست بوقارٍ ترتب ثوبها وتنتظر قدوم الدوق، لكن الخادمة عادت بخبرٍ صاعق:
“الدوق ليس في القصر.”
“ماذا؟”
تبخرت الابتسامة الرقيقة وحلّ مكانها الوجوم.
‘هذا غير ممكن!’
راجعت جدول أعمال الدوق في ذهنها؛ لم تكن لديه مهام رسمية سوى تفقّد الفرسان صباحًا، وكان من المفترض أن يكون هنا الآن.. إلا إذا كان هناك خطأٌ في التقارير التي تشتريها يوميًا من “نقابة المعلومات” بمبالغ طائلة.
“ألم يخبروكِ أين هو؟”
“قيل لي إنه ذهب إلى (منتزه رينتشر) برفقة ضيوف الأمس.”
“ضيوف الأمس؟”
قفزت عائلة ليلشتاين إلى مخيلتها فورًا. وبما أن نقابة المعلومات لم تكن تعلم بهذا، فلا بد أنها رحلةٌ لم تكن مجدولة.
“هل ذهب مع عائلة ليلشتاين بأكملها؟” سألت وعيناها الزرقاوان تملؤهما الريبة.
“نعم، هذا ما يبدو.”
كان هناك فرقٌ بسيط بين كلمة ضيف التي قالتها الخادمة وعائلة التي قالتها ليليان، لكن الأخيرة لم تتخيل قط أن الدوق قد يخرج مع “آنسة واحدة” بمفردها.
“هيمم، لا بأس إذن. لنعد إلى الفيلا.”
نهضت ليليان بملامح ممتعضة. وفي طريق العودة بالعربة، فكرت في عائلة ليلشتاين. كانت تذكر روزالين ليلشتاين من حفلات العاصمة، لكن تشيريش التي رأتها بالأمس كانت وجهًا غريبًا عليها، مما أثار انزعاجها.
‘لماذا ذهبوا إلى منتزه رينتشر فجأة؟’
كان المكان يبعد ساعةً بالعربة. وبما أن عائلة ليلشتاين تحظى بحظوةٍ عند الإمبراطور، فقد خمنت أن ماكسيميليان يحاول كسب ودهم لأسباب سياسية عبر مرافقتهم في جولةٍ سياحية.
‘من المفترض أن يعودوا في المساء’، فكرت ليليان وقررت أن تزور القصر مجددًا غدًا.
***
“معذرةً، أيها الدوق.”
نادت تشيريشي على ماكسيميليان. لقد اكتفت من مناظر المنصة، وحان وقت الحديث عن ميستيكو.
“ماذا هناك؟”
“ذلك المكان الذي وعدتَ برؤيته لعائلتنا.. متى سنذهب؟”
“آه! كنتُ بصدد التوجه إلى هناك الآن.”
“حقًا؟ شكرًا لك.”
رغم أنها لم تنطق اسم ميستيكو صراحة، إلا أن كليهما كانا يعرفان المقصد. كان ماكسيميليان ينوي خداعها برؤية شاطئٍ آخر والادعاء بأنه ميستيكو. فبرغم أنه لم يجد دليلاً على أنها جاسوسة، إلا أنه لم يجد سببًا لإطلاعها على ملكيته الخاصة والمقدسة. كما أن كونها ابنة الماركيز ماركوليشيه – سيد البرج السحري التابع للإمبراطور – كان يثير ريبته.
‘ومن أين لها أن تعرف إن كان هذا هو ميستيكو حقًا أم لا؟ سآخذها إلى مكانٍ هادئ لا يعرفه الناس كثيرًا.’
أراد كسب الوقت عبر هذا التمويه.
‘سأراقب رد فعلها أولاً.’
كان يخطط لاختبار هويتها؛ فإذا كانت حقًا لا صلة لها بالإمبراطور، فلن تدرك أن المكان زائف. فبعد أن تم تطهير ميستيكو، لم يطأه أحدٌ سوى ماكسيميليان نفسه، والإمبراطور والإمبراطورة، وسيد البرج السحري في الجنوب.
جزم ماكسيميليان أنه لا توجد طريقة لتعرف الحقيقة. فإن عادت راضية، فسينتهي شكه كأنه لم يكن. أما إن كشفت الزيف؟ فسيكون ذلك دليلاً قاطعًا على أنها جاسوسة للإمبراطور، وحينها سيتمكن من مواجهته.
وهكذا، قرر ماكسيميليان الاحتفاظ بزمام المبادرة عبر هذا الخداع. أما تشيريشي، التي سمعت موافقته، فقد تنفست الصعداء في سرّها ورسمت ابتسامةً عريضة، محاولةً بصعوبة كبح وجنتيها من القفز فرحًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"