كان النزل الذي أرشدتهم إليه ليرا يقع في طرف القرية. ولعلّ ذلك هو السبب في أنّهم استطاعوا استئجار غرفة بثلاثة أسرّة بسعر أرخص ممّا توقّعوا. بل وكانت في أعلى طابق، لذا كانت أهدأ من سائر الغرف، والمنظر من النافذة جميلًا كذلك.
وبينما كان تومي غارقًا في تأمّل المشهد خارج النافذة، انشغلت إيميليا بحساب أجرة الغرفة مع ليرا.
“تفضّلي.”
“يا لها من آنسة صغيرة دقيقة في الحساب.”
أخذت ليرا المال الذي كان مخبّأً في الجوارب طوال اليوم دون اكتراث، وأثنت على إيميليا.
“هذا واجب لا بدّ من أدائه، لا أكثر.”
قالت إيميليا وهي ترمق تومي بطرف عينها. فمنذ قليل وهو يبدو في حال غير جيّدة، وذلك أقلقها. كان وجهه شاحبًا كصفحة بيضاء وهو يحدّق في الشفق الأحمر خلف النافذة.
“تومي، هل أنت بخير؟”
“إنه دوار العربة. لا بأس.”
كان صوته خاليًا من أي حيويّة، فانعقد جبين إيميليا. لم تكن ترغب في البقاء في البيت، لكنها لم تملك الشجاعة لتخرج وحدها. وحين سمعت من إيرينا شائعةً عن أمّها البيولوجية، كان أوّل من خطر ببالها، على نحوٍ غريب، هو تومي.
‘بسببي أنا…’
شعرت بالذنب لأنها ألحّت عليه باسم الصداقة أن يرافقها.
“ما رأيكما أن نتناول العشاء أولًا؟”
صفّقت ليرا بيديها محاولةً تغيير الأجواء حين رأت ملامح الصغار قد خيّم عليها الحزن.
قرقرة.
ما إن أنهت كلامها حتى دوّى صوت معدة إيميليا. فهي في الحقيقة لم تأكل جيدًا منذ مساء الأمس.
“لا حاجة للذهاب بعيدًا، حساء البطاطس وفطيرة اللحم في مطعم الطابق الأول هنا رائعان!”
نهض تومي مترنّحًا من مكانه. كانت يده التي تزيح خصلات شعره المبلّلة بالعرق البارد بطيئة. لم تبدُ ليرا شخصًا سيئًا، لكنه لم يستطع أن يترك إيميليا معها وحدهما.
فما دام قد رافقها في هروبها، فقد اعتبر نفسه وليّ أمرها.
‘تُرى، هل لا يزال الزميل فوبيل لا يعلم باختفاء إيميليا؟’
وهو يهبط الدرج ااخشبي الذي يصدر صريراً، تذكّر الوشاح الوردي الذي تعمّد ربطه في العربة. أزعجه أنه نسي أخذه وسط الاضطراب.
“يبدو أنك قليل الكلام يا تومي.”
“ليس الأمر كذلك، إنما الدوار أشدّ مما ظننت.”
جلس تومي ملاصقًا لإيميليا بحذرٍ خفيّ من ليرا. وكان أستاذه، الذي جاء به دوق بيورن بصعوبة، قد قال إن المانا لديه ما تزال غير مكتملة؛ وإن المانا الضخمة مقارنةً بوعائه الصغير تكاد تلتهم جسده.
ولذلك كان عليه أن يتدرّب يوميًا على ضبط المانا تحت إشراف أستاذه. فالمانا شديدة الحساسية ومتقلّبة، تتغيّر كل يوم، ومعها تتغيّر طريقة الإرشاد.
‘غيبت يومًا واحدًا فحسب…’
حتى إنه لم يستطع أن يفتح عينيه من شدّة الصداع النابض.
وبينما كان ينتظر الطعام بعينين شاردتين، اقتربت ليرا فجأة وأدخلت وجهها أمامه.
“يبدو أن الدوار شديد حقًا. إن لم تمانع، أأساعدك قليلًا؟”
“نعم؟”
“إن أذنت لي، أودّ أن أساعدك، يا تومي.”
عند طلبها المهذّب، هزّ تومي رأسه دون وعي. وما إن صدر الإذن حتى لامست يدها جبينه.
“آه…”
تنفّس تومي بعمق كأنه يطلق نفسًا حبسَه طويلًا. انبعثت حرارة ثقيلة.
“عليك أن تشعر بها ببطء، يا تومي.”
كأن ماءً باردًا كالثلج انساب في جسده. تفرّقت الحرارة التي كانت تغلي فيه كبركان، متّبعةً مجرى الماء الذي أطلقته ليرا.
أغمض تومي عينيه، وضبط المانا كما علّمه أستاذه.
“ببطء أكثر يا تومي. لا تستعجل، فالوقت متّسع.”
صوت ليرا هدّأ المانا التي كانت على وشك الانفلات. وعلى غير العادة، أنصت تومي لصوتها وهو يحرّك المانا ببطء، كأنه يزحف.
“هوو…”
ما إن رفعت ليرا يدها حتى فتح عينيه.
“تومي، هل أنت بخير؟”
“نعم!”
حينها فقط سمع ضجيج الناس من حوله. لم يتغيّر شيء؛ فالمطاعم الرخيصة ذات الطعام اللذيذ تعجّ دائمًا بالزبائن. إنما كان هو في حال سيئة إلى حدّ لم يسمع معه حتى الضوضاء.
“إيميليا، أكنتِ تنتظرين دون أن تأكلي؟”
كان الطعام قد وُضع على الطاولة أثناء تنظيمه للمانا. رأى إيميليا تمسك بطنها الجائعة دون أن تمسّ شيئًا.
“أنا جائع يا ليرا.”
قال تومي بدلًا منها.
“حسنًا، فلنأكل أولًا!”
وكما قالت ليرا، كان حساء البطاطس دافئًا شهيًّا، وفطيرة اللحم غزيرة العصارة. ولم يشعر تومي بالحياة تعود إليه إلا بعد أن أنهى وعاء الحساء.
حينها نظرت إيميليا إلى ليرا التي تأكل بأناقة.
“هل لديكِ ما تودّين قوله؟”
“إن لم يزعجك، أودّ أن أسمع المزيد عن قصتك يا ليرا.”
قالت ذلك مستحضرة حديث العربة.
“عن أمي الثالثة؟”
“نعم.”
كانت يد إيميليا تحت الطاولة مشدودة بقوة. لاحظ تومي قبضتها، فقسّم لها قطعة من فطيرة اللحم.
“كلي! في الأوقات العصيبة لا شيء أنفع من اللحم!”
“حسنًا!”
كان اقتسام اللحم أبلغ من كلمات التشجيع الفارغة، فرفعت شوكتها بعزم.
“أمي الثالثة…”
حدّقت ليرا قليلًا خارج النافذة، وبدت غارقة في التفكير.
“…ليرا، إن كان الأمر مؤلمًا فلا حاجة لأن تخبرينا.”
ابتسمت ليرا برفق وهي تنظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم.
“إيميليا، أنتِ ناضجة حقًا.”
“….”
“لقد طلبت مني أمي الثالثة أن أكون ابنتها.”
“ماذا؟”
نظرت إيميليا إليها بدهشة.
“هي من قالت لي إنني جميلة، أنا القذرة السوقية التي لا تفارق الشتائم لسانها.”
“….”
“علّمتني أن العائلة لا تُبنى بالدم وحده.”
“….”
“حتى بعد أن ماتت ابنتها بدلًا عني.”
سقطت الشوكة من يد إيميليا.
“يا إلهي، لعلّكِ ما زلتِ صغيرة على سماع مثل هذا.”
“لا، أنا آسفة يا ليرا. لا بدّ أن رواية الأمر كانت شاقّة عليك.”
لوّحت إيميليا بيديها وقد تلاشى عنها ذلك الاتزان.
“الآن فقط تبدين في سنّك.”
“ماذا؟”
“منذ لقائنا كان في وجهك ظلّ ثقيل.”
“….”
“ظننتُ أنكِ حزينة لمغادرة والديك، لكن يبدو أن الأمر أعمق من ذلك.”
أطرقت إيميليا، وانهمرت دموعها كأن صنبورًا فُتح فجأة، تسقط على ظهر يدها المقبوضة.
ربّت تومي على كتفها بصمت، وغرس شوكة جديدة في فطيرة اللحم.
“كلي. في الأوقات العصيبة اللحم أولًا.”
فتحت فمها فورًا، واختفت قطعة كبيرة في فمها، وامتزج صوت نشيجها بصوت المضغ.
‘أهذه طريقتهم في المواساة؟’
عضّت ليرا شفتيها حتى لا تضحك في موقف جاد كهذا.
أنهت إيميليا حصّتها من الفطيرة وهي تبكي، ومسحت دموعها بظهر يدها، وأنفها محمرّ.
“لقد وعدتُ أمي ألا أجوع مهما كان الأمر مؤلمًا.”
قالت ذلك وكأنها تبرّر.
“أفهم.”
“لم أتناول الفطور أيضًا… وقد أخلفت الوعد مرة، فلا أستطيع أن أخلفه ثانية.”
“لكننا أكلنا خبزًا وحليبًا صباحًا، أليس كذلك؟”
مال تومي رأسه حائرًا.
“كان ذلك وجبة خفيفة! كيف يُسمّى طعامًا بلا لحم؟!”
ارتدّ تومي من حدّتها.
“إذن كان هناك ما يحزنك.”
وُضع أمامهما كوبان من الحليب الدافئ.
“ليرا.”
“نعم؟”
التفتت إليه.
“شكرًا لكِ على مساعدتي.”
لوّحت بيدها.
“بل أنا سعيدة أنني استطعت المساعدة.”
أدرك تومي أن مهارة ليرا تفوق أستاذه الذي جاء به دوق بيورن. فالمانا التي كانت تعصف به هدأت في دقائق، بينما كان الأمر يستغرق نصف يوم عند أستاذه.
“هل لي أن أسأل عن سبب ذهابكِ إلى إيفلبري؟”
“لا أدري. حتى أنا لا أعلم لماذا أذهب.”
ضحكت بخفة، كزهرة حمراء تائهة عن فصلها.
“ليرا.”
“تفضّل.”
“هل يمكنني أن أتبعكِ؟”
“تومي!”
كانت إيميليا الأكثر صدمة.
“تومي، أتعلم ماذا يعني أن تتبعني؟”
هزّ رأسه ببطء.
“لا أعلم… لكن أشعر أن عليّ أن أتبعكِ.”
تنهدت ليرا.
“اتباع ساحرة ترتدي رداءً أحمر يعني التخلي عن أشياء كثيرة، وربما عن كل ما تملك.”
“لا!”
صرخت إيميليا.
“نعم، هذا غير ممكن.”
ابتسمت ليرا ابتسامة بدت كأنها بكاء.
“لنعد إلى الأعلى.”
نهضت دون انتظار جواب، وتبعها الصغيران. أمسكت إيميليا يد تومي بقوة، ونظرت إلى ظهر ليرا بحدّة.
حتى قبل قليل، كانت تنظر إليها بعينين مفعمتين بالمودّة، كأنها وجدت من يشاركها الألم. لكن مودّتها تحوّلت في لحظة إلى غضب.
“لم يكن ينبغي أن أسمح لك بلمس جبينه!”
قالت وهي تتحسّس جبينه.
“ماذا تفعلين يا إيميليا؟”
نفض يدها متضجّرًا.
مع حلول الليل، كثر شاربو الخمر، ولم يعد المكان مناسبًا لطفلين وحدهما.
“هيا بنا.”
نهض تومي.
قالت ليرا إنه سيخسر الكثير إن تبعها، لكن تومي شعر أنها قد تكون معلمته الحقيقية.
التعليقات لهذا الفصل " 81"