بدلًا من الإجابة، لم يُسمع سوى صوت أنفاسٍ خافتة. فتناوبت روزيتا إيفلبري النظر بين الكتاب الذي تحمله وبين إيميليا. كان كتاب الحكايات الذي توقفت عن قراءته بالأمس.
حتى هذا الصباح، كانت إيميليا تقول إنها متشوقة لمعرفة ما سيحدث لاحقًا، وتنتظر الليل بفارغ الصبر. وكانت دائمًا تردد أن أسعد لحظاتها هي حين تقرأ مع روزيتا.
حين فكرت بالأمر، أدركت أن هذا لم يحدث من قبل.
لم يمضِ وقت طويل منذ ارتدت إيميليا منامتها واستلقت، ومع ذلك كان صوت تنفسها المنتظم يعلو بهدوء. أطلقت روزيتا ضحكةً خافتة.
“يبدو أن قضاء الوقت مع إيرينا كان ممتعًا أكثر مما توقعتُ؟ لا ينبغي أن تكون الصديقة أهم من أمكِ بعدُ.”
قطبت روزيتا طرف أنفها. وما إن خطرت ببالها مراهقة إيميليا التي لم تأتِ بعد، حتى شعرت بوخزةٍ مفاجئة في قلبها.
“ابنتي لن تفعل ذلك أبدًا!”
تمتمت لنفسها، ثم نظرت إلى إيميليا بهدوء.
تذكرت وجه إيرينا وهي تمسك بيد ماركيزة لوستر وتلقي التحية. أمالت روزيتا رأسها قليلًا. على عكس إشراقة إيميليا التي لا تنطفئ، كان وجه إيرينا مشدودًا ومتحفظًا.
وبما أنهما ستدرسان معًا مستقبلًا بناءً على اقتراح ماركيزة لوستر، وجدت روزيتا نفسها تراقب إيرينا بعناية غير معتادة.
“هل أبالغ في التفكير؟”
استحضرت ملامح إيرينا التي أقلقتها دون سبب واضح، ثم مررت يدها على خد إيميليا.
“همم.”
بمجرد أن لمستها، تململت إيميليا في نومها واستدارت متذمرة.
“يبدو أن ابنتي متعبة جدًا بعد لقائها بصديقتها أخيرًا.”
أزاحت خصلات شعرها برفق، ثم طبعت قبلةً حذرة على جبينها. وبعد أن أحكمت الغطاء، خرجت من الغرفة.
“ما هذا؟”
ما إن أغلقت الباب واستدارت حتى سمعت صوت آرون بيورن، فانتفضت ونظرت إليه بدهشة.
“تعود متأخرًا كثيرًا هذه الأيام.”
قالتها بنبرة عتابٍ خفيف، فابتسم آرون ابتسامةً باهتة. من شفتيه الجافتين وخط فكه البارز، بدا واضحًا أن ما يمر به ليس سهلًا عليه كما هو عليها.
“آسف. أودّ العودة باكرًا، لكن المفاوضات مع المملكة لا تحرز أي تقدم.”
عند ذكر المملكة، تجمد وجه روزيتا.
اقترب آرون منها بعدما لاحظ تغير ملامحها.
“…….”
“يبدو أنني قلت ما لا ينبغي.”
هزّت روزيتا رأسها، لكنها لم تستطع إخفاء الظل الذي خيّم على وجهها. وبينما كانت غارقة في أفكارها، اقترب آرون أكثر.
ثم—
هوى رأسه فجأة على كتفها.
“أنا متعب حتى الموت.”
تجمدت روزيتا من فعلته المفاجئة وعضّت شفتها بصمت. كلما لامست خصلات شعره الأشقر الناعمة خدها، شعرت بوخزةٍ خفيفة في صدرها الأيسر.
“…آرون.”
“نعم.”
أجاب وهو لا يزال مائل الرأس نحوها. ومع اقتراب أنفاسه من عنقها الأبيض، انتفض جلدها بقشعريرة خفيفة.
ابتلعت ريقها. والحرارة التي اندفعت إلى وجهها رغمًا عنها أربكتها.
“لـ… لديّ ما أريد قوله!”
كان الليل عميقًا.
نسيم الليل المتسلل بين خيوط ضوء القمر الطويلة كان دافئًا، يحمل حرارةً تشبه تلك التي في أنفاس آرون وهو ينظر إليها.
“ما الذي تريدين قوله؟”
“نعم!”
أمال رأسه يمينًا ويسارًا وهو يتأملها.
“ما رأيكِ أن أغير ملابسي أولاً ثم نتحدث؟”
“حسنًا!”
كان هدف روزيتا الهروب من هذا الموقف المربك، فهزّت رأسها بحماس.
دار آرون وهو يفرك مؤخرة عنقه. وما إن اختفى حتى أطلقت روزيتا زفرةً كانت تحبسها.
“هل أتظاهر بالنوم مثل إيميليا؟”
وقفت وحدها في الممر تحدّق في الباب الذي دخل منه، ولا تزال رائحة عطره عالقة في الهواء. دون أن تشعر، أخذت تستنشقها بخفة، ثم غطّت وجهها وخفضت رأسها.
“لا بد أنني جننت!”
أسرعت إلى غرفتها وألقت بنفسها على السرير. دفنت وجهها في الوسادة، وظلت توبخ نفسها طويلًا قبل أن ترفع رأسها.
“روزيتا إيفلبري.”
نظرت إلى يديها. لقد اعتادت هذا الجسد الآن، لكن كان هناك وقت كانت تفزع فيه كلما نظرت إلى المرآة.
“أظنني أفهم الآن لماذا أحببتِه إلى هذا الحد.”
“أحببتِ من؟”
“آه!”
نهضت فزعة. كان آرون يقف مستندًا إلى الجدار بهدوء، والماء يقطر من غُرّته.
‘أمرّ الوقت بهذه السرعة؟’
دارت عيناها بارتباك.
“ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
سألته وهي ترى أنه اقتحم جناحها الخاص.
“قلتِ إننا سنتحدث بعد أن أغير ملابسي. ألم يكن لديكِ ما تقولينه لي؟”
“آه…”
“طرقت الباب أيضًا. يبدو أنكِ لم تسمعي.”
“صحيح.”
التقط كتاب الحكايات الساقط على الأرض كما لو كان في غرفته. يبدو أنه سقط حين ألقت بنفسها على السرير خجلًا.
“لم أكن أعلم أنكِ تحبين هذا النوع من الكتب.”
“كنت أقرأه لإيميليا وخرجتُ به دون أن أنتبه.”
“همم. ليست قصة إل، إذًا.”
إل، التي ترتدي فساتين مكشوفة الكتفين في الشتاء وأحذية فرو في الصيف، كانت تثير استياء آرون الشديد، إذ يرى أنها تؤثر كثيرًا على ذوق ابنتهما.
“الأطفال يتغيرون كل يوم.”
قالتها وهي تتجه نحو غرفة الجلوس الصغيرة الملحقة بغرفتها، تفكر إن كان هناك شاي مناسب للإرهاق.
لكن الاعتناء به دون أن يبدو ذلك واضحًا لم يكن بالأمر السهل.
“لا يوجد.”
“ماذا؟”
كان يقرأ كتاب إيميليا بفتور، ثم التفت إليها. عضّت شفتها حين أدركت أنه التقط تمتمتها اللاواعية.
“لا شيء.”
كان يمكنها ببساطة أن تطلب من الخادمة. لكنها اختارت أن تفعل ذلك بنفسها، وكأن قلبها انجذب إلى هذا الزائر الليلي غير المدعو.
وضعت الشاي أمامه وألقت نظرةً خفية عليه. عندها فقط استطاعت أن تنظر إليه جيدًا.
“تسك.”
التفت إليها متفاجئًا بصوت تأففها.
“كيف يمكن لرجلٌ بالغ أن يتجول بشعرٍ مبلل هكذا؟ حتى لو كان الصيف.”
قبل أن يرد، غطت رؤيته بمنشفة بيضاء، وبدأت تجفف شعره برفق.
“هل لم تجففه أصلًا؟”
أغلق عينيه على وقع توبيخها، وأرخى رأسه بين يديها دون وعي، حابسًا أنفاسه.
“لا تقل لي إنك نمت؟”
كان جالسًا ساكنًا، والكتاب مفتوح على ركبتيه.
“…….”
تظاهر بالنوم.
“همم.”
كاد يتحرك تحت نظرتها الفاحصة، لكنه تماسَك. غير أن ضغط أصابعها على فروة رأسه اشتدّ.
كاد يئن دون قصد، فاستجمع كل صبره.
“عضلاتك متصلبة جدًا.”
كان صوتها أشبه بضباب الفجر، عابرًا كالنسيم. أحس بشيء يفلت من بين أصابعه، فحرّك يديه دون وعي.
واصلت ضغط فروة رأسه بصمت طويل، كما لو أن هذا كل ما تستطيع فعله لتسانده.
***
“همم…”
استيقظ آرون وهو يتقلب على الأريكة الضيقة، وجسده يصرخ ألمًا. انزلقت البطانية الملونة إلى الأرض حين نهض.
تقدم بحذر. صوت أنفاسٍ ناعمة يتردد في المكان جعله يحبس أنفاسه. اقترب من السرير بخطواتٍ أخف من قطةٍ سارقة.
هل تركته ينام في غرفة الجلوس ليلًا شفقةً عليه؟
لم يستطع فهم قلب روزيتا، لكنه لم يكن منزعجًا. بل شعر وكأنه لم يعد متطفلًا على عالمها، بل أصبح له موضعٌ فيه.
“هذا… يفرحني على نحوٍ ما.”
لم يحاول إخفاء ابتسامته وهو ينظر إليها. شعرها الأحمر المبعثر كبتلات وردة، وعيناها الخضراوان اللتان يستطيع تذكرهما بوضوح حتى وهما مغمضتان.
احمرّ وجهه فجأة.
“ما الذي أفعله الآن؟”
تراجع آرون إلى الوراء وهو يراقب روزيتا وهي تتمدد في فراشها وعيناها لا تزالان مغمضتين. ورغم رؤيته للحاف وهو يتحرك بعشوائية، إلا أنه لم يستطع أن يخطو مبتعداً بسهولة.
لقد كان أمراً غريباً.
وبعد أن هدأ الغطاء الذي كان يتحرك قليلًا، تقدم خطوتين.
“جميلة.”
كانت جميلة وهي نائمة، بوجهها البارز قليلًا فوق الغطاء. شعورٌ مختلف تمامًا عن مراقبة نوم إيميليا.
لم يكن يتخيل أن صوت أنفاس شخصٍ آخر قد يكون مطمئنًا إلى هذا الحد.
“علينا أن نتحدث.”
تذكر ما لم يسمعه الليلة الماضية، فعقد حاجبيه. ثم قرر أن يغادر باكرًا ليعود باكرًا.
أغلق الباب بهدوء، واتجه نحو غرفة إيميليا.
كان الفجر قد أشرق تمامًا حين وصل. تردد قليلًا أمام الغرفة الوردية بالكامل، ثم اقترب من السرير.
“همم؟”
لم يدرك أن هناك خطبًا ما إلا حين لم يرَ خصلات الشعر الوردية. ظنها غارقة تحت الغطاء.
“إيميليا؟”
“…….”
“إيميليا!”
سحب الغطاء، فارتفعت الوسادة في الهواء.
كان السرير فارغًا.
شحبت ملامحه.
“إيميليا!”
أسرع إلى غرفة اللعب، ثم إلى الشرفة. لم تكن هناك.
لم تكن لعبة اختباء.
لم يبقَ سوى سريرٍ باردٍ يخدعه.
“أيها الخادم!”
دوّى صوته المشوه بالغضب، واستيقظ قصر عائلة بيورن على صرخته.
التعليقات لهذا الفصل " 77"