“إذًا… تلك الطفلة التي تُدعى إيميليا هي حقًا ابنة ليدي أورليان؟”
همست سيدةٌ نبيلة وهي تميل بجسدها إلى الأمام ممسكةً بفنجان الشاي. كانت عيناها تتحركان يمينًا ويسارًا بسرعة، وكأنها تخشى أن يلتقط الآخرون همساتها.
“وإلا فلماذا تكلّفت دوقة بيورن، روزيتا إيفلبري، عناء الذهاب إلى قصر أورليان لمقابلة ليدي أورليان؟”
عند كلماتها، أومأ الجميع موافقين.
“مهما يكن، فالأم الحقيقية تبقى أفضل للطفلة من زوجة الأب، أليس كذلك؟”
وسط أولئك الذين يتسابقون لإضافة تعليقٍ آخر، كانت الوحيدة الصامتة على نحوٍ لافت هي ماركيزة لوستر.
“ألا توافقين الرأي يا ماركيزة؟”
عند سؤال السيدة، ألقت ماركيزة لوستر نظرة خاطفة عبر النافذة نحو إيرينا، التي كانت منهمكة في درس الرسم.
كانت ابنةً طموحةً إلى أقصى حد، متقدة الحماسة في كل ما تفعله. باختصار، طفلة لا يُندم على الاستثمار فيها.
ومع اقتراب التحاقها بالأكاديمية في العام المقبل، بقيت إيرينا في العاصمة خلال صيفها الحار لتتابع دروسًا تمهيدية.
“ما رأيكنّ أن تغلقن أفواهكنّ قليلًا؟”
“ماذا؟!”
ساد الصمت فورًا بين المتحمسات للثرثرة، يتبادلن النظرات بحذر. فماركيزة لوستر كانت بمثابة القائدة في هذا الجمع.
هي من استقدمت المدرّسات الأكفّاء ووضعت المنهاج. ومن لا تحظى برضاها لا مكان لها بينهنّ. وكذلك كان الأمر مع الأطفال.
كان الأطفال يُصنفون في مجموعات بناءً على مكانة والديهم.
ومن تقع خارج رضا ماركيزة لوستر، قد تُستبعد من الدروس بدءًا من الغد.
“يبدو أن مزاجك ليس على ما يرام اليوم يا ماركيزة. هوهوهو.”
ضحكت السيدة التي بدأت الحديث ضحكةً متكلّفة وهي تشيح بوجهها. فالموضوع يتعلّق بدوقة بيورن نفسها.
‘أي نغمة يجب أن أساير الآن؟’
تمتمت في سرّها وهي تحرّك شفتيها، فضحك الأخريات بارتباك.
كان انقلاب موقف ماركيزة لوستر—التي كانت أشدّهن إظهارًا للعداء تجاه روزيتا—صدمةً حتى لمن اعتدن مرافقتها.
“دعونا لا نزجّ بأطفالنا في الأمر.”
“عفوًا؟”
“لو ظهرت فجأة عشيقةُ زوجك يومًا وقالت: ‘هذا مكاني، تنحّي جانبًا’، هل ستبقين صامتة؟”
“ماذا؟! يا إلهي، لم أتخيل شيئًا كهذا قط!”
ارتجفت السيدة من مجرّد الفكرة، فابتسمت ماركيزة لوستر بسخرية.
“نعم. ما تعيشه دوقة بيورن الآن هو تمامًا ما تستنكرينه. أمرٌ لم يخطر ببالها كامرأة، وكزوجة، وكأم.”
احمرّت وجوه السيدات اللواتي كنّ يتنافسن في انتقاد روزيتا، وأطلقن سعالًا جافًا خفيفًا. بدا أنهن أدركن متأخراتٍ مدى انحدار حديثهن.
‘مستوى متدنٍ حقًا.’
عقدت ماركيزة لوستر حاجبيها، ثم ما إن رأت إيرينا تخرج بعد انتهاء درس الرسم، حتى نهضت من مكانها دون تردّد.
“ألن تبقي قليلًا يا ماركيزة؟ إنه وقت الغداء، فلنتناول الطعام معًا ونتحدث أكثر.”
كانت إحدى السيدات—التي سمعت إشاعة عن تواصل ماركيزة لوستر مع معلمة رياضيات شهيرة—تحاول استبقائها. فالجلوس إلى جانب إيرينا المتفوّقة دائمًا أمرٌ مهم، ومعلومات ماركيزة لوستر قيّمة للغاية.
توقفت ماركيزة لوستر عند سؤال إيرينا ونظرت إليها. كان وجهها الصغير ممتلئًا بالحيرة.
“ألا ترغبين في الذهاب؟”
مالت إيرينا رأسها.
“بصراحة… لا أعرف.”
هزّت ماركيزة لوستر كتفيها.
“في الحقيقة، أنا أيضًا لا أعرف ماذا أفعل. ربما سأندم.”
“ماذا؟”
تنهدت، فمالت إيرينا رأسها أكثر. على عكس الماركيز المتردد، لم تكن زوجته تتراجع عن قرارٍ اتخذته قط. كانت حاسمة، تكره إضاعة الوقت. ومع ذلك، كانت هذه المرة تتعمّد المماطلة والتردد.
“حسنًا… لنذهب أولًا.”
ما إن فُتح باب العربة حتى اتسعت عينا إيرينا. كانت ليلي لوستر متوترةً إلى حدّ أنها لم تلحظ تغير ابنتها.
***
“وصلنا.”
عند كلمات السائق، أطلقت إيرينا زفيرًا كانت تحبسه. كادت تختنق من ثقل تنهدات والدتها، ولم ترغب إلا في مغادرة العربة سريعًا.
لكن حتى بعد الوصول، ظلّت ماركيزة لوستر غارقةً في أفكارها.
طرقٌ خفيف على الباب.
“والدة إيرينا؟”
لم تكن ليلي لوستر وحدها من ارتجفت عند الصوت؛ قفزت إيرينا من مكانها كأرنبٍ مذعور.
“إيرينا، ما هذا التصرّف غير اللائق بسيدة؟”
كانت ملامح التوتر قد اختفت من وجه الماركيزة وهي توبّخ ابنتها. ثم فتحت الباب.
مع صوت فتحه، خفق قلبها بعنف، لكنها تماسكت وأخفت اضطرابها وهي تنزل من العربة.
“مرحبًا بكِ، والدة إيرينا.”
منذ أن تلقت دعوة اللقاء في قصر بيورن، كانت تهزّ رأسها متحسّرةً على سذاجة روزيتا إيفلبري. والآن، برؤيتها تقف بنفسها عند المدخل لاستقبالها، ازداد قلقها.
“مرحبًا! إيرينا، تعالي.”
انحنت إيرينا برقة ممسكة بطرف فستانها.
“تشرفت برؤيتك مجددًا، دوقة بيورن.”
“أهلًا يا إيرينا. مرحبًا بكِ، ماركيزة لوستر.”
حيت إيميليا بدورها بانحناءةٍ خفيفة على طريقة النبلاء.
“شكرًا على دعوتكِ، دوقة بيورن. إنها هدية بسيطة، لكن لم أشأ أن آتي خالية اليدين.”
سلّم السائق سلة زهور كبيرة ملوّنة.
“يا إلهي، لمَ كل هذا العناء؟ كان يكفي حضوركِ.”
دفنت روزيتا وجهها في الزهور تستنشق عبيرها، ثم ناولتها للخادم.
“وهذا أيضًا.”
“آه!”
ظهر الارتباك على وجه روزيتا مع الهدية الثالثة. كأن عربة آل لوستر نُهبت من متجرٍ كامل، إذ لم تتوقف الهدايا عن الظهور. وأخيرًا، وُضعت علبة بسكويت لطيفة في يد إيميليا، فانتهى عرض الهدايا.
“لم أعرف ما الذي قد يعجبكِ، فأحضرتُ أشياء متنوعة.”
قالت ماركيزة لوستر بارتياح. ابتسمت روزيتا ابتسامة متكلفة وهي ترى أيدي الخدم وإيميليا ممتلئة.
“من الأفضل أن يجلس الأطفال في مكانٍ آخر. يبدو أن لدى الماركيزة حديثًا خاصًا معي.”
ارتعشت حاجبا ماركيزة لوستر.
صحيح أن لديها ما تقوله، لكنها لم تكن ترى ضرورة لإبعاد الطفلتين. فهما ما زالتا صغيرتين وقد ترتكبان حماقة بعيدًا عن الأنظار.
ثم إن هذا قصر بيورن.
لم ترغب أن تخطئ إيرينا أمام روزيتا.
“أيها الخادم، من فضلك.”
لم تمهلها روزيتا وقتًا للتفكير؛ فقد أرسلت إيميليا وإيرينا إلى الطابق الثاني برفقة خادمتين. وبينما كانت إيرينا تُقاد بيد إيميليا خارج الغرفة، تحركت شفتا الماركيزة كأنها تودّ تحذيرها.
“هلاّ نذهب نحن أيضًا؟”
اقتربت روزيتا بودّ وتولّت بنفسها إرشاد ضيفتها.
ترددت الماركيزة لحظة، لكن الطفلتين كانتا قد اختفيتا عن نظرها.
“لدينا صالون يُطلّ على حديقة الصيف.”
وبإلحاحٍ رقيق من روزيتا، اضطرت ماركيزة لوستر إلى السير معها.
التعليقات لهذا الفصل " 75"