كان قد مضى أسبوع منذ بدأت عطلة إيميليا. وخلال ذلك الوقت، لم تخطُ روزيتا ولا إيميليا خطوة واحدة خارج قصر الدوق. كان تصرّفًا مغايرًا تمامًا لما فعله الجميع، إذ غادروا العاصمة هربًا من حرّ الصيف إلى المصايف أو الإقطاعيات.
“ربما لأن الجو حار.”
مسحت روزيتا العرق البارد المتكوّن على جبين إيميليا، ثم حوّلت نظرها إلى مسألة الحساب التي كانت تحلّها.
رغم إدراكها أن نظرات روزيتا ابتعدت عنها، لم تستطع إيميليا أن تصرف عينيها عنها لبرهة طويلة.
عضّت شفتها. من المؤكد أن أمرًا ما يحدث… أمرًا لا تعرفه.
تحرّكات الخادمات أصبحت أكثر حذرًا، وعدد الفرسان الذين يحرسون القصر من الداخل والخارج ازداد.
ومع رؤيتها لروزيتا تتنهّد أو تحدّق في الفراغ شاردة، كان قلق إيميليا يكبر يومًا بعد يوم. في الأوقات العادية، كانت روزيتا أول من يلحظ تغيّر مزاجها، أما الآن فبدت كأنها فاقدة الروح.
“إيميليا، ما الأمر؟”
لمحت روزيتا نظرة ابنتها التي كانت تفحصها بتمعّن، فمسحت بيدها وجهها الذي ازداد حدّة خلال الأيام الماضية.
كانت تعاني أرقًا بسبب الكوابيس، فلم تنم تقريبًا. رمشت بعينيها الجافتين، وتنهدت دون وعي.
“لم أكن أريد أن أسأل عن مسألة لا أعرفها… بل أردت أن أخبرك أنني انتهيت من الحل.”
على صوت إيميليا الهادئ، تصفّحت روزيتا دفتر التمارين الذي قدّمته لها ابنتها.
يبدو أن ثقتها ازدادت بعد إتقان الجمع ذي الرقم الواحد، فقد أنهت الحل أسرع من الأمس.
“انتهيتِ بالفعل؟ هذا رائع.”
قالت روزيتا دون أن تخفي دهشتها.
ابتسمت ابتسامة متوترة، وأمسكت بالقلم الأحمر وبدأت التصحيح بسرعة. ومع ازدياد عدد الدوائر الحمراء، احمرّت وجنتا إيميليا.
“واو! مئة من مئة.”
ابتسمت إيميليا ابتسامة عريضة.
لم يمضِ سوى أسبوع منذ بدأت تدرس مع روزيتا. وكان التقدّم الذي أحرزته يفوق بكثير ما حققته مع المدرّسين الخصوصيين، الأمر الذي أدهشهما معًا.
“إذًا… سنذهب إلى المعهد الآن؟”
“…ماذا؟”
عند سؤالها، عضّت روزيتا شفتها.
هي من كانت تمسك بيد إيميليا وتذهب بها إلى المعهد يوميًا. أما الآن، فما إن بدأت العطلة حتى منعتها من مغادرة القصر خطوة واحدة. لا بد أن الأمر خانق لها.
“هل تريدين الخروج؟”
ترددت إيميليا قليلًا، ثم هزّت رأسها. ومع كل حركة، تمايلت ضفيرتاها على الجانبين.
بدت كأنها بتلات زهور تتساقط، فلم تستطع روزيتا أن تصرف عينيها عنها.
“ليس لأنني أريد الخروج… لكن لأن لا أحد يخبرني لماذا يجب أن أبقى في البيت، وهذا يحزنني.”
تحرّكت شفتا روزيتا دون صوت، ثم أشاحت بنظرها. لم تتوقّع أن تطرح السؤال بهذه النضج.
فكّرت أنها كانت تحبس إيميليا دون أي تفسير، فاقشعرّ بدنها.
كان كل ما يحدث نتيجة أنانية الكبار… وتضحية أحادية من إيميليا.
“أمي؟”
نادت إيميليا بحذر بعدما رأت روزيتا تتنهّد بصمت. ومع ازدياد ملاحظتها لتغيّرات مزاجها، ابتلعت روزيتا ريقها الجاف.
قبل ثلاثة أيام، لم تتمكن من الوصول إلى نقطة تفاهم مع آرون بيورن.
حين ذكرت الطلاق، انفجر غضبًا بشدّة. كانت تتعامل مع الطلاق كأمر بديهي، لكنها صمتت أمام غضبه.
لم تستطع التقدّم… ولا التراجع.
“آسفة يا إيميليا. رأسي الآن مشوّش جدًا… لا أعرف ماذا أفعل.”
“حسنًا… إذًا سأنتظر.”
“ماذا؟”
“سأنتظر حتى تُحلّ أمورك المعقّدة يا أمي.”
ابتلعت روزيتا ريقها مجددًا أمام الثقة الصافية في عينيها التي تشبهان السماء. اجتاحها شعور بالذنب كالسيل، لأنها تعترض طريقها بينها وبين أمها البيولوجية.
“……”
ابتسمت إيميليا لروزيتا التي لم تستطع قول شيء.
“كل شيء سيتحسن يا أمي. لذا… ابتسمي الآن.”
عند طلبها، صعدت مشاعر جارفة إلى حلق روزيتا.
‘أنتِ حقًا…’
شعرت وكأن الهواء من حولهما توقف. أمام فيض الثقة والحب غير المحدود الذي تمنحه إيميليا، كادت تعجز عن التنفس.
احتضنتها بصمت.
دفنت إيميليا وجهها في صدرها وتمتمت.
“ماذا؟ ماذا قلتِ يا إيميليا؟”
انحنت لتسمعها بالكاد.
“طالما أنا مع أمي… فإيميليا بخير مهما كان.”
تكرار الإجابة أكثر من مرة جعل قلبها يهبط بقوة.
كان حبها الأعمى موجّهًا إلى أم بحد ذاتها… لا إلى روزيتا تحديدًا.
تشوّش بصرها.
أخفت دموعها سريعًا، وضغطت مؤخرة رأس إيميليا عندما شعرت بأنها ستنظر إلى وجهها. لم تُرد أن تراها باكية.
مسحت على شعرها وابتلعت دموعها.
لم تجد حتى وقتًا لتغضب من اليأس المتراكم في صدرها. مهما فكرت، لم تكن تملك الشجاعة لترك إيميليا أو آرون.
المشاعر التي تراكمت يومًا بعد يوم أصبحت جبلًا شاهقًا. حتى لو كان ذلك طمعًا… لم تستطع التخلّي عنهم.
تذكرت حديثها مع آرون في تلك الليلة. غضبه عند ذكر الطلاق منحها طمأنينة غريبة.
عضّت شفتها وهي تمسح على شعر ابنتها.
لا يمكن أن تبقى هكذا.
“إيميليا… ما رأيكِ أن نذهب للتخييم؟”
اختلطت نبرة صوتها ببقايا بكاء، لكن كلمة “تخييم” جعلت إيميليا تقفز حماسًا دون أن تنتبه لمزاجها.
“تخييم؟ إلى أين؟”
ضحكت روزيتا أمام سيل الأسئلة.
قبّلت جبينها ونهضت.
كانت أشعة شمس العصر قد امتدّت طويلًا عبر المكان.
***
—
“كياااا!”
عادت الحيوية إلى القصر مع صدى الضحكات في الحديقة الواسعة. حتى وجوه الخدم المنشغلين بدت مشرقة.
يبدو أن المسبح المؤقت أعجب إيميليا كثيرًا، إذ راحت تركض وتصرخ بحماس.
“وصلوا!”
لوّحت بيديها عندما دخلت العربة من البوابة.
“إيميليا!”
قبل أن تتوقف العربة تمامًا، اندفع تومي خارجها راكضًا.
“تومي، أهلًا بك.”
ابتسمت روزيتا مرحّبة به رغم استدعائه على عجل.
“مرحبًا سيدتي الدوقة! واو! ما كل هذا؟”
اتسعت عينا تومي أمام موقع التخييم المُعد في زاوية الحديقة.
“مرحبًا!”
خرج دانيال فوبيل حاملًا صينية كبيرة عليها فطائر يتصاعد منها البخار.
“أوه!”
بدا أن تومي لم يتوقع وجود ضيوف آخرين قبله، فنظر تومي إلى روزيتا بدهشة.
“ظننت أن الأمر سيكون أمتع إذا اجتمع الجميع.”
“بالطبع! ظننت أنني أول من وصل.”
لعق شفتيه بخيبة.
قال دانيال وهو يضع الفطائر على الطاولة
“مهما حاولت المجيء مبكرًا، فلن تسبقني أبدًا يا تومي.”
“ولماذا؟”
استشاط تومي غضبًا
اقترب دانيال وهمس في أذنه.
لمعت عينا إيميليا وهي تراقبهما.
“سر.”
“آه! هذا تصرف طفولي يا دانيال!”
شدّ تومي قبضتيه وهو يشعر بالغيظ
ضحك دانيال بخبث.
“لا تقلق، لست الأخير.”
عند سماع كلمات دانيال، نظر تومي حوله باحثاً.
“هل سيأتي تيسكا أيضًا؟”
“سأخبر تيسكا أنك لم ترحّب به.”
“آه!”
لوّح تومي بذراعيه مذعورًا.
سألت إيميليا:
“دانيال، ألن تعود إلى بيتك؟”
“لا.”
مالت رأسها باستغراب.
سألها دانيال:
“إيميليا، هل اخترتِ ملابس السباحة بنفسك؟”
أومأت بفخر.
ضحك تومي:
“قبعتك تبدو كأنها ليفة استحمام من بيتنا!”
حدّقت فيه بغضب.
تراجعت روزيتا خطوة، وتبعها دانيال بحكمة.
“أيها الأحمق!”
ملأت إيميليا دلوًا بالماء ورشته نحوه.
“آآه!”
لكن الصرخة خرجت من شخصين.
استدار الجميع.
رفع تيسكا رأسه ببطء، مبللًا كفأر غارق.
قال ببرود:
“يا له من سوء حظ… أسرعت كي لا أكون ضيفًا غير مرغوب فيه، لكن يبدو أنني تأخرت. بما أن الجميع هنا، فلنبدأ اللعبة.”
بدا كأمير تعيس عاد للحياة.
“كياااا!”
“تيسكا، أنت!”
بدأت الصرخات تتعالى في كل مكان، بدءاً من صرخة إيميليا. وعندما رأت رئيسة الخادمات، التي كانت تخرج ببعض الوجبات الخفيفة، أن الحديقة تحولت إلى ساحة فوضى، استدارت وعادت أدراجها بسرعة.
“واااه! إميليا!”
إيميليا، التي كانت مشغولة بالهرب من هجمات تيسكا، التقطت وعاءً كان ملقى على الأرض وبدأت بشن هجومها المضاد.
“أوه!”
تراجعت روزيتا خطوة أخرى إلى الخلف.
وتحت وابل هجمات إميليا العنيفة بالوعاء الخشبي، كان الفتيان الثلاثة يعانون ولا يستطيعون حتى فتح أعينهم بشكل صحيح.
“إيميليا، توقفي!”
“لا يوجد توقف في اللعبة! اعترف بهزيمتك يا تومي!”
قالت إبميليا ذلك بجدية وهي لا تتوقف عن رشق الماء.
“لا يمكنني فعل ذلك!”
ظهر دانيال فجأة وهو يحمل قطعة خشبية تشبه السيف، ولوح بها تجاه تيار الماء المتجه نحوه.
“يا إلهي!”
شهقت روزيتا وهي تغطي فمها بيدها لا شعورياً.
‘لا أعتقد أن مهارات السيف وُجدت لتُستخدم في مثل هذا الموقف!’
تناثرت قطرات الماء الشفافة تحت أشعة شمس الظهيرة الساطعة، وتشكل قوس قزح في لحظة خاطفة.
التعليقات لهذا الفصل " 71"