توقفت روزيتا إيفلبري، التي كانت شبه راكضة، عند صرخة إيميليا الحادة، ثم أخذت تنظر حولها. راحت عيناها الخضراوان تمسحان المكان بقلق.
وخلال انشغال روزيتا بتفقد ما حولها، كانت إيميليا منحنية عند خصرها تلهث بقوة. مسحت العرق المتصبب من جبينها بيدها، ثم رفعت وجهها الذي احمرّ من شدة التعب.
“هيا بنا.”
ما إن تأكدت روزيتا من أن إيميليا التقطت أنفاسها حتى أسرعت في خطواتها، ومضت ممسكة بيد إيميليا دون أن تلتفت إلى الخلف.
كانت عربة العائلة في الاتجاه المعاكس تمامًا للطريق الذي تسلكه روزيتا، لكن إيميليا ظلت تتبعها بصمت، وقد أطبقت شفتيها بإحكام.
لم تكن تدري أهما تركضان أم تمشيان، لكن يد روزيتا التي تشد على يدها بدت يائسة على نحو غريب، فلم تستطع إيميليا أن تتوقف.
كان الحذاء الجديد الذي أرسله لها جدها لم يَلِن بعد على قدميها، فبدأ كعبها يؤلمها، لكنها تحملت بصبر. ومع مرور الوقت، لم تعد قادرة على كبح المرارة التي تفجرت في صدرها.
كان وجه روزيتا، المتجهم وهي تمضي إلى الأمام دون أن تنبس ببنت شفة، غريبًا عليها.
كانت تلك أول مرة تشعر فيها إيميليا أن وجه أمها مخيف.
“هق… هق.”
توقفت روزيتا، التي كانت تمشي محدّقة إلى الأمام وهي تمسك بيد إيميليا، ثم أنزلت نظرها إلى الأسفل.
“إيميليا؟”
“هق… هق. أمي، قدمي تؤلمني. كنت أحاول أن أتبعك جيدًا دون أن أزعجك.”
كانت إيميليا تعض على شفتيها بقوة محاولة كتم بكائها المتفجر، وهي تجرّ قدمها متعثرة.
“إيميليا!”
عند دموع إيميليا، استعادت روزيتا وعيها أخيرًا وجلست قرفصاء. كان الدم يلوّن الحذاء الجديد بلون أحمر فاقع.
أغمضت روزيتا عينيها ثم فتحتهما. عندها فقط أدركت بوضوح ما الذي ارتكبته.
“أنا آسفة، أمي.”
عن أي شيء كانت تعتذر؟
نظرت روزيتا إلى إيميليا. الشخص الذي أخطأ ولم يلتفت إلى الطفلة كان روزيتا نفسها. ومع ذلك، كانت إيميليا هي من تعتذر لها.
“لا، يا إيميليا. الشخص الذي يجب أن يعتذر هو أمك.”
“هق… هق.”
“آسفة. هل تألمتِ كثيرًا؟ أمك تفاجأت بأمرٍ ما، فلم أنتبه لكِ. أنا آسفة حقًا.”
وبينما كانت روزيتا تربت على رأس إيميليا، توقفت نظراتها عند شعر ابنتها الوردي.
كان شعر ماريان باللون الوردي ذاته، مطابقًا تمامًا للون شعر إيميليا. في يوم لقائهما الأول في المقهى، كانت ماريان تضع قبعة، فلم تنتبه روزيتا لذلك آنذاك.
وبقي تعبير زوجة المركيز لوستر، الذي رأته حين ظهرت ماريان، عالقًا في صدرها كالرواسب الثقيلة.
[‘قيل إن الحب الأول للدوق قد عاد.’]
الكلمات التي سمعتها من زوجة المركيز لوستر في يوم المهرجان الرياضي ظلت تعصف بعقلها. وعندما واجهت ماريان اليوم، أدركت روزيتا أن تلك المرأة هي الحب الأول لدوق بيورن.
لم يكن أحد بحاجة إلى إخبارها؛ لم يكن عقلها من استوعب الأمر، بل قلبها.
“…أمي؟”
نادتها إيميليا بحذر وهي ترى أمها شاردة.
‘لم أرد أن أريكِ إياها. ربما تكون هي أمكِ الحقيقية.’
مسحت روزيتا العرق عن جبين إيميليا، ثم أمالت ظهرها نحو ابنتها.
“سأحملكِ على ظهري.”
“ماذا؟”
جلست روزيتا القرفصاء أمام إيميليا، وأدارت رأسها تحثها بلطف.
“هيا، اصعدي على ظهري، يا إيميليا.”
مدّت إيميليا يديها نحو الظهر الصغير أمامها، ثم ترددت وسحبتهما مرارًا. لو كان آرون بيورن لكان الأمر مختلفًا، لكن ظهر روزيتا بدا صغيرًا وناحلًا حتى في نظر إيميليا.
“إيميليا، أمك تشعر بالحر! دعينا نذهب بسرعة ونأكل الثلج المحلّى!”
كان صوت روزيتا، الذي قبل قليل أخاف قلب إيميليا بجموده، قد عاد فجأة حيويًا ومبالغًا فيه.
“وماذا لو سقطتِ يا أمي لأنني ثقيلة؟”
كانت إيميليا تتوق بشدة لأن تُحمل، لكنها لم تجرؤ على الصعود، فاكتفت بالوقوف في حيرة.
“أمكِ قوية جدًا!”
رفعت روزيتا ذراعيها واستعرضت قوتها بطريقة غير مقنعة. ورغم ترددها، لم تستطع إيميليا أن تضيّع هذه الفرصة، فلفّت ذراعيها بحذر حول عنق أمها.
التعليقات لهذا الفصل " 64"