أطلق آرون بيورن صرخة يأس وهو يمسك أول كشف درجات في حياة إيميليا ويمزّق شعره بيديه. انحنت روزيتا والتقطت كشف الدرجات الذي سقط على الأرض.
“القراءة والكتابة باللغة الإمبراطورية، العدّ، التعامل مع الآلات الموسيقية؟ أليست هذه أمورًا تُدرَّس بعد دخول المدرسة؟”
تصفّحت روزيتا البنود المدرجة في الكشف وعقدت حاجبيها متسائلة.
“هذا ما أقوله! لماذا يختبرون هذه الأشياء في الأكاديمية التمهيدية؟”
بدا أن كلمات روزيتا بعثت الأمل في آرون، فهزّ رأسه موافقًا ورفع ذقنه، بينما كان شعره منفوشًا من كثرة ما شده بيده. تجنّبت روزيتا النظر إليه.
“إيميليا.”
اتسعت عينا إيميليا، وكانت تعضّ دونات مغطاة بالسكر. رغم أن أنين والديها وهما يمسكان كشف درجاتها كان كفيلًا بإسقاط السقف، إلا أنها واصلت الأكل بهدوء تام، ما دلّ على قوّة أعصاب لا يُستهان بها.
“همم… نعم، يا أمي!”
دفعت إيميليا الدونات بالحليب وابتلعتها بصعوبة ثم أجابت.
“هل يعرف باقي الأطفال القراءة والكتابة؟”
“نعم! إيرينا قالت إنها تستطيع كتابة الرسائل.”
“وماذا عن الأرقام؟”
ظهر خط تجعّد على جبين روزيتا.
“إيرينا تعرف الحساب أيضًا! قالت إنها اشترت أشياء من المتجر وحسبت الثمن بنفسها!”
ظهر خطّان على جبين روزيتا.
“و… هل تعزف على آلة موسيقية أيضًا؟”
ارتسم على جبين روزيتا شكل (川) واضح.
“عزفت لنا ألحانًا للأطفال على البيانو والكمان.”
سقط كشف الدرجات من يد روزيتا إلى الأرض. واصلت إيميليا التفاخر بإيرينا، ثم أخذت تلعق السكر عن أصابعها.
“لكن إيميليا، أنتِ تعرفين القراءة، أليس كذلك؟”
نهضت روزيتا من على الأريكة كالصاعقة ونظرت إلى ابنتها. ابتسمت إيميليا ابتسامة عريضة وهي ترى الأمل الأخير يتشبث بقلب أمها المسكينة.
“أستطيع قراءة سيرة الحاكم الموجودة في البيت!”
“ماذا تقصدين؟ إيميليا… لا تقولي لي إنك لا تستطيعين قراءة إلا سيرة الحاكم فقط؟”
هزّت إيميليا رأسها وهي تمسك دوناتين بكلتا يديها، بوجه بريء لا يفهم أين المشكلة.
‘يا إلهي! هذا ليس قراءة، هذا حفظ!’
كانت روزيتا تقرأ لها القصص كل ليلة. وبسبب تكرار القصة نفسها، كانت أحيانًا تتجاوز بعض السطور، فتقوم إيميليا فورًا بالإشارة إلى الكلمات وقراءتها. لكنها لم تكن تقرأ… كانت تحفظ.
وضعت روزيتا يدها على جبينها واستسلمت. جلست الأم والأب جنبًا إلى جنب على الأريكة، شاردين، بينما رفعت إيميليا كتفيها بلا مبالاة، ثم حدّقت في الدوناتين.
الأهم الآن بالنسبة لإيميليا هو: أيهما تأكل؟ دونات الشوكولاتة أم دونات شراب الفراولة؟
ولأنها لا تستطيع أكل الاثنين، عقدت حاجبيها بجدية. كان القرار مصيريًا.
قالت روزيتا، وقد فهمت حيرة ابنتها وحلّت المشكلة فورًا.
“واو! أمي عبقرية!”
‘شكرًا لكِ.’
تنهدت روزيتا وقطعت الدونات التي تركتها إيميليا إلى نصفين بسكين.
“هذا النصف أكبر، أليس كذلك؟”
“إذًا كُلي أنتِ الأكبر.”
ربتت روزيتا على جنب آرون الذي ما زال شاردًا، وقدّمت له دونات محشوة بكريمة الشوكولاتة.
“كُل. أظن أننا كلانا بحاجة إلى شيءٍ حلو الآن.”
في تلك الأثناء، أفرغت إيميليا كوب الحليب دفعة واحدة، ثم انقضّت على دونات الفراولة بعينين تشبهان عينَي مهرٍ بري.
“آم!”
“لذيذة إلى هذا الحد؟”
“نعم! إنها الأفضل!”
كانت تتأرجح قدماها في الهواء وتدندن بسعادة، وتبدو فعلًا في قمة السعادة.
ارتشفت روزيتا رشفة من قهوتها المُرّة ونظرت إلى آرون المنهك.
‘لماذا لا يقول شيئًا؟’
كانت تتوقع توبيخًا، لكنه ظل صامتًا، يمضغ الدونات التي أعطته إياها وكأنها أسوأ طعام في العالم.
“أنا آسفة… كان عليّ أن أهتمّ بإيميليا أكثر.”
اعترفت روزيتا بخطئها أولًا، مستحضرة مقولة إن الضربة الأولى أهون. فقد انشغلت بإرضاء إيميليا وحماية نفسها من غضب آرون، دون أن تفكّر بالاستعداد الحقيقي للدراسة.
“ليس خطأك وحدك، فلا تنظري هكذا.”
قال آرون وهو يلتفت نحوها مبتسمًا بخفوت.
“هل تعني ذلك حقًا؟”
“يبدو أنني لم أُشعركِ بالثقة بعد.”
شدّ آرون ظهره وأطلق صوتًا غريبًا.
“……”
“أنتِ أيضًا أمّ للمرة الأولى. أنا أصبحت أبًا قبلكِ، ومع ذلك لم أتوقع حدوث هذا.”
ضحك ضحكة قصيرة ولوّح بكشف الدرجات.
كان صحيحًا. آرون أصبح والدًا قبل روزيتا، لكنه كان صاحب خبرة لا تنفع.
“لا تُوافقي بهذه الحماسة… حتى أنا أتأذى.”
قالها وهو ينظر إلى إيميليا بنظرة دافئة؛ كان أبًا مهووسًا بابنته بحق.
“سأبحث بدءًا من الغد عن معلّمين لإيميليا. أمي ستساعدني في إيجاد الأفضل.”
كانت روزيتا تتوقع شجارًا، لكن شيئًا لم يحدث. نظرت إلى آرون وهي تحكّ عنقها. لم يكن في عينيه أي حدّة، بل نظرة مختلفة… حارّة، ثقيلة.
“هل تعلم أن نظرتك الآن مُربِكة جدًا؟”
“مربكة؟ يبدو أن امتناني لكِ لم يظهر جيدًا بعد.”
كان صوته لزجًا بشكل مزعج.
“أُف!”
نهضت روزيتا فجأة.
“ماذا؟”
“أمي، ماذا حدث؟ هل أزعجكِ أبي؟”
انتقلت روزيتا فورًا إلى جانب إيميليا ودفنت وجهها في كتفها.
“آه! هذا يُدغدغ!”
ضحكت إيميليا وهي تفوح منها رائحة السكر.
“إيميليا، من الغد سنجتهد في الدراسة.”
“هاه… يجب أن أدرس؟ ألا يمكن لاحقًا؟ في العطلة كنت سأذهب لصيد الضفادع مع تيسكا، وكان دانيال فوبيل سيقف للمراقبة من السماء!”
هزّت روزيتا رأسها بحزم.
“آه! صحيح، دانيال سيقيم في بيتنا خلال العطلة، أليس كذلك؟”
“نعم، وتومي سيأتي أيضًا.”
“واااو! هذا رائع!”
“طبعًا، سيكون رائعًا. ستعيشون معًا!”
***
“أمم…”
ذلك التردد على لسان المعلمة لم يكن يبشّر بخير.
“هل حالة إيميليا خطيرة إلى هذا الحد؟”
“فهمها للموسيقى جيد، لكن الكمان آلة دقيقة جدًا، وهي ما تزال صغيرة.”
قالت المعلمة وهي تهزّ كمانًا مقطوعة أوتاره كلها، مضيفة أن إيميليا الوحيدة التي قطعت جميع الأوتار في أول درس.
“إذًا الكمان صعب.”
“نعم، من الأفضل الانتظار حتى تكبر قليلًا.”
هربت المعلمة بسرعة.
[‘قدرتها على رؤية الأشياء من زوايا غير مألوفة مدهشة، لكنها تحتاج إلى معلّم أرفع مستوى مني.’]
ثم هربت معلمة الرسم، مغطاة بالطلاء.
[‘الطفلة صديقة للجاذبية أكثر من اللازم… لا تستطيع الجلوس باستقامة، لكنها تملك ملاحظة حادّة.’]
قال معلّم اللغة والحساب وهو يمسح عرقه.
“كان يجب أن أفهم عندما أصرت أن كتلة الدقيق الأرنب.”
تنهدت روزيتا نادمة.
“أمي!”
دخلت إيميليا راكضة.
“عربة أبي دخلت من البوابة!”
أمسكت روزيتا يدها وتوجّهتا إلى المدخل.
“عدتَ يا أبي!”
“نعم، إيميليا.”
قالت روزيتا من بعيد: “أهلًا بعودتك.”
“تبدين مرهقة.”
انهارت كتفاها.
“أظن أن أمي بحاجة إلى راحة.”
همست إيميليا لآرون.
“راحة؟”
“نعم. ما رأيكما بموعد؟ سأذهب أنا إلى بيت تومي.”
تبادل آرون وروزيتا نظرة ذهول.
“موعد؟”
“نعم! من وجهة نظري، يبدو أنكما تفتقران إلى الوقت الخاص بكما. سأذهب لتناول العشاء واللعب في منزل تومي عندما تذهبان في موعدكما”
عند سماع كلام إيميليا، ضيقت روزيتا عينيها ونظرت إلى ابنتها. سارعت إيميليا إلى الإمساك بساقي آرون حتى لا ينكشف قصدها الخفي.
“لقد قيل إن تربية الأطفال تتم بالمساعدة المتبادلة. سأستمع جيدًا إلى كلام أم تومي وأبيه! هاه؟”
“إذًا، هل نفعل ذلك؟”
“واو!”
قفزت إيميليا فرحًا.
“سأجهز حقائبي لأخذها إلى منزل تومي!”
تلويح آرون اللاهث بيده كان بلا معنى، إذ لم يعتد بعد على الحركة السريعة لـ إيميليا التي اختفت كـ الريح
“رأيي لا يُحسب، أليس كذلك يا والد إيميليا؟”
تفاجأ آرون بصوت روزيتا التي اقتربت دون أن يلاحظها، فضحك بتوتر ومد يده.
“بالمناسبة، وصل بضائع جديدة إلى محل مجوهرات مانو. هل تذهبين معي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 59"