كان دانيال يجلس متكئًا على غصن شجرة، يشحذ بصره ويراقب الطريق أعلى التل. لكن كلّ ما كان يراه لم يكن سوى حقل ملفوف يمتدّ بلا نهاية.
في تلك اللحظة، دوّى في الأرض صوت مألوف.
“أيها الكسالى، أتصلون أخيرًا الآن؟!”
نقر دانيال لسانه بضيق. ولم تمضِ لحظات على سماع الصوت حتى ظهرت عربة تحمل ختم عائلة بيورن.
قفز دانيال بخفّة من فوق الغصن. كان الارتفاع لا يُستهان به، لكنه لم يكن مشكلة تُذكر بالنسبة لدانيال الذي اعتاد التحليق في السماء.
***
“هيييييه!”
توقّف الحصان فجأة، فعمّت فوضى خفيفة داخل العربة.
“لا تخرجوا، ابقوا في أماكنكم.”
ما إن توقّفت العربة حتى قال آرون ذلك موجّهًا حديثه إلى روزيتا والأطفال، ثم قفز إلى خارج العربة من دون أن ينتظر ردًّا.
“ماذا حدث؟”
كانت إيميليا قد انفجرت بالبكاء قبل ظهور تيسكا، لكنها استعادت ابتسامتها الآن. ومع ذلك، لم يدم الأمر طويلًا، إذ ارتسم القلق على وجوه الجميع بسبب الموقف المفاجئ.
“سيكون كلّ شيء على ما يرام، يا إيميليا.”
كان تيسكا قد أمسك مقبض باب العربة بإحكام، وراح يواسي إيميليا بنبرة ناضجة. بدا وكأنه سيقفز خارج العربة في أي لحظة.
“تيسكا، تعال إلى هنا.”
على الرغم من كونه وليّ العهد، فإنه لا يزال طفلًا. أشارت روزيتا بيدها إلى تيسكا، الذي كان يمسك بالمقبض وينصت لما يحدث في الخارج.
كانت إيميليا وتومي قد جلسا بالفعل، كلٌّ منهما على إحدى ركبتي روزيتا. تردّد تيسكا لحظة، ثم أدرك أنّ مقعديهما قد سُرقا، فهزّ رأسه.
“مكاني هنا.”
وشعر بالفخر بنفسه، وكأنّه قال جملة بالغة الروعة.
“أظنني سمعتُ صوت دانيال في الخارج.”
رفعت إيميليا رأسها فجأة بعدما كانت تدفن وجهها في حضن روزيتا. تبادل من في العربة النظرات في صمت.
“سأخرج لأتفقد الأمر، ابقوا هنا يا دوقة.”
تقدّم تيسكا بشجاعة.
‘ستظنّ الدوقة أنّني رجلٌ رائع!’
لم ينسَ أن يخفض رأسه ويرسم على وجهه تعبيرًا عميقًا وهو يفتح الباب. صحيح أنّ ما يحمله ليس سوى سيف خشبي بطول ساقه، لكن ثقته بنفسه كانت تفوق ثقة قائد فرسان الإمبراطورية.
وبينما كان يتلفّت بحذر، خرج أخيرًا من العربة.
“قلتُ لكِ إنه هو فعلًا.”
كما قالت إيميليا، كان الشخص الوقح الذي يقف في منتصف الطريق ويمنع العربة هو دانيال. كان شعره الأسود كالغربان يلمع تحت أشعة الشمس.
“ما هذا؟! كيف وصلتَ إلى هنا؟!”
ما إن أدرك تيسكا أنّ من يوقف العربة ليس مشبوهًا بل دانيال، حتى صرخ بأعلى صوته.
اندفع تيسكا نحو دانيال كأنه سيشتبك معه، وهو يلهث بغضب. لكن التوتر الذي كان يشدّ جسده تلاشى في لحظة.
احمرّ وجه تيسكا بعدما زال القلق.
“دانيال فوبيل؟”
فتحت روزيتا باب العربة وخرجت عند سماع صراخ تيسكا، وتبعتها إيميليا وتومي.
“دانيال فوبيل، سيدي!”
كانت إيميليا أول من رحّب به.
ركضت نحوه بخطوات صغيرة ووقفت أمامه مباشرة.
“ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
“ضللتُ الطريق.”
تدلّت كتفاه بضعف. كان يبدو لأيّ ناظر طفلًا مسكينًا تائهًا.
“تقول إنك ضللت الطريق بعد أن قطعت ساعتين بالعربة بعيدًا عن العاصمة؟”
سخر تيسكا نافخًا أنفه.
دفعت إيميليا تيسكا جانبًا، واقتربت من أذن دانيال وهمست:
“لا تقل لي إنك كنت تتدرّب، فوصلتَ إلى هنا من دون أن تشعر؟”
كان شعر إيميليا يلامس أذن دانيال بنعومة تشبه الزغب. كان التباين بين شعرها الوردي الناعم المتطاير تحت السماء الزرقاء، وشعره الأسود اللامع تحت الشمس، جميلًا على نحو لافت.
‘هذا يعجبني أيضًا.’
اقترب آرون في تلك الأثناء من روزيتا، التي كانت تراقب دانيال وإيميليا بنظرة راضية.
وبينما كانت روزيتا تعقد ذراعيها مبتسمة، اقترب آرون وهمس في أذنها كما فعلت إيميليا:
“يقول دانيال فوبيل إنه كان يتدرّب على قدرته الجديدة، فوصل إلى هنا.”
أومأت روزيتا برأسها وفتحت فمها بدهشة.
“واو! هل أصبحتَ قادرًا على الوصول إلى هذا المكان فعلًا؟ هذا مذهل!”
عبس آرون قليلًا، غير راضٍ عن مديح روزيتا لدانيال.
“ما الذي تفعلونه جميعًا؟!”
صرخ تيسكا غاضبًا بعدما وجد نفسه محاصرًا بين دانيال وإيميليا، وآرون وروزيتا، وهم يتبادلون الهمس.
“صحيح! لماذا تستثنوننا؟!”
لم يتراجع تومي أيضًا، ورفع صوته محتجًّا، وهو يدقّ الأرض بقدميه ورافعًا يديه، واضحٌ أنّه شعر بتجاهل شديد.
“آسفة يا تومي. أعتذر، تيسكا.”
اعتذرت روزيتا على عجل، وقد وجدت نفسها تتصرّف بوقاحة من دون قصد. لكن تيسكا ظلّ يلهث غضبًا، وكأنّ الاعتذار لم يطفئ نار صدره.
“آسف، لكن هذا سرّ بيني وبين عائلة بيورن، ولا أستطيع إخباركم.”
قال دانيال ذلك وهو يقف أمام تيسكا رافع الكتفين بزهو. فأمسك تومي بمؤخرة عنقه، بينما احمرّ وجه تيسكا شيئًا فشيئًا حتى صار كالبطاطا المشوية.
“سرّ مع عائلة بيورن؟!”
دوّى صراخ تيسكا في أرجاء حقل الملفوف، ففزعت الطيور التي كانت تستريح وطارَت.
في منتصف الطريق المحاط بحقول الملفوف، انفجر تيسكا غضبًا.
‘سرّ مع عائلة بيورن…’
كان الغضب شديدًا إلى درجة أنّ الرؤية غامت أمام عينيه.
“تيسكا!”
ركضت إيميليا نحوه وقد فزعت من دموعه. مسح تيسكا عينيه بظهر يده، ثم وقف أمام روزيتا.
“لدينا نحن أيضًا سرّ، يا دوقة.”
“بالطبع، يا تيسكا. سرّي معك لا يعرفه حتى آرون. أليس كذلك يا إيميليا؟”
أومأت إيميليا برأسها بقوّة حتى كاد يسقط.
“طبعًا! هذا سرّي مع تيسكا، أبي لا يعرفه. أنا وأمي فقط نعرفه.”
“سرّ لا يعرفه الدوق؟ إذًا سرّي أهمّ من سرّ ذلك الدانيال.”
‘البكاء ثم الضحك… هذا خطر.’
ابتسمت روزيتا ابتسامة متردّدة وهي ترى تيسكا يرفع زاوية فمه. لكن نظرة دانيال خلفه لم تكن عاديّة؛ كانت كأنها تخترق ظهره.
“لا يعقل… أنا الوحيد الذي لا يملك سرًّا؟”
كان تومي يلهث وكأنه سيسقط أرضًا.
“تومي.”
نادته روزيتا، لكن نظرته التائهة لم تعد إليها.
“أنا أكثر من يعرف إيميليا، ومع ذلك لا أملك سرًّا؟”
“ما هذا الكلام؟! يا تومي، أنت عندما كنت في الخامسة، تبولتَ في فراشك، ثم بدّلتَ المكان مع أخيك، وبعدها اعترفْتَ لي لأنّ ضميرك أنبك!”
قالت إيميليا وهي تحكّ أذنها، متأثرة بالهمس مع دانيال.
“حمقاء! هذا سرّ! كيف تفضحينه؟!”
صرخ تومي ووجهه يحمرّ.
“آه!”
وضعت إيميليا يدها على فمها ونظرت حولها بعد أن تجمّد الجوّ.
“تعرفون، أليس كذلك؟ هذا سرّ.”
هزّ الجميع رؤوسهم كما لو كانوا ينتظرون هذه الجملة. أحاط تيسكا ودانيال بتومي وربّتا على كتفيه.
“حسنًا! من الآن فصاعدًا، علينا جميعًا أن نحفظ سرّ تومي.”
قالت روزيتا ذلك بنبرة حاسمة. نظر تومي حوله بوجه حائر، شاعراً وكأنه تعرّض لخدعة واضحة، لكنه لم يجد ما يقوله، فاكتفى بهزّ رأسه.
“تومي هو أكثر شخص شارك الأسرار هنا! مذهل يا صديقي!”
ابتسمت إيميليا وأمسكت بيده.
‘على من شَبِهَت هذة الطفلة؟’
نظرت روزيتا إلى آرون، الذي اكتفى بالابتسام.
“مذهلة حقًا… ابنتنا.”
عند مديح آرون، ضحكت روزيتا ضحكة خفيفة، ثم انفجرت ضاحكة. ومع صوت ضحكتها الصافية، راح الأطفال يضحكون من دون أن يعرفوا السبب.
“حسنًا! لنتحرّك الآن إلى الفيلا.”
قاد آرون الأطفال إلى داخل العربة. ومع انضمام دانيال الضائع، أصبحت العربة مكتظّة تمامًا. جلسوا متلاصقين، تتلامس أكتافهم، لكن لا أحد اشتكى.
“انطلق!”
صرخت إيميليا، الجالسة بين آرون وروزيتا، فانطلقت العربة مجددًا على الطريق الترابي الأصفر. ولم تكن الفيلا بعيدة.
***
“أمي، أسرعي من فضلك.”
كانت إيميليا ترتدي فستانًا مزهرًا صغيرًا، وتحثّ روزيتا. وما إن وصلوا إلى الفيلا حتى خرجت روزيتا معها من دون أن تضع أمتعتها، لتتوقّف مبهورة بالمشهد المفتوح أمامها.
لم يكن حقل الملفوف يبعد سوى عشر دقائق سيرًا، لكن فيلا عائلة الكونت إيفلبري، الواقعة في الغابة قرب نهر صغير، كانت منظرًا يخطف الأنفاس.
التعليقات لهذا الفصل " 52"