وبعد لحظات قصيرة من الارتباك بينهما إثر هذا اللقاء غير المتوقع، كانت روزيتا أوّل من فتح الحديث.
“إن لم تمانع… هل نشرب كأس نبيذ؟”
لم تكن رغبتها في الشراب تخفى. فشربه وحدها كان سيبدو بائسًا، لكن بعد أن التقت بآرون، زال تردّدها تمامًا.
“لمَ لا؟ لديّ أيضًا مقبلات جيدة.”
“مقبلات؟”
كان بيت دوق بيورن عامرًا بالطعام دائمًا، خصوصًا مع وجود طفلة صغيرة مثل إيميليا، فلا ينقطع عنهم أي نوع من الحلويات والوجبات الخفيفة. لكن كلمة مقبلات جيدة جعلت فضولها يرتفع بالفعل.
ابتسمت روزيتا من دون محاولة لإخفائها، وأومأت بخفة.
وما إن غادرت الخادمة، حتى بقي الاثنان وحدهما في غرفة الجلوس الصغيرة الملحقة بغرفة روزيتا.
“وهذا هو المقبّل الجيد؟”
“كنتُ قد اشتريته سابقًا، لكن مقابلة والدك أخافتني لدرجة أنني نسيت أمره تمامًا.”
رفعت روزيتا رأسها من فوق كعكة الليمون “ميلكي” التي كانت تبتسم لها. كان كتفا آرون يهبطان وهو يملأ الكأس ويتنهّد بعمق. ومن ملامحه، كان واضحًا أنه تبادل حديثًا ما مع الكونت إيفلبري كما توقعت.
قرأ آرون ملصق النبيذ الذي اختارته روزيتا، ثم أومأ برضى وفتح الزجاجة.
“شكرًا لك.”
توقفت يد آرون فجأة وهو يصبّ النبيذ. كان على وشك أن يسكبه على الطاولة قبل أن يضع الزجاجة بحذر. لم تكن الجملة واضحة، لكنه عرف تمامًا على أيّ شيء تشكرُه.
“لا يسعني إلا الاعتذار… لقد تأخّرتُ كثيرًا.”
هزّت روزيتا رأسها نافية. وواصل آرون ملء كأسها وكأسه، ثم أطلق تنهيدة منخفضة. ارتفع كتفاه قليلًا ثم هبطا. وفي وجهه المظلّل، ظهرت ندم ثقيل.
“هل حدث شيء بينك وبين أبي؟”
سألت روزيتا بحذر. فلم تكن قد لاحظت شيئًا أثناء ذهابها مع إيميليا إلى محلّ الحلوى. لكن رؤية الكونتيسة — التي تكره الضجيج — تجلس في محلّ الحلوى وتشرب شايًا لا يعجبها وتتناول كعكة لا تحبّها، جعلت نصف الأمور واضحة لها.
عندما رفع رأسه بعد وقت، كان الندم يغمر ملامحه. حتى ابتسامته الموجهة إليها كانت مشبعة بالأسف. لم تكن روزيتا قد شعرت منه بهذا النوع من الأسف — لا صباح اليوم ولا قبله — فابتلعت ريقها بلا إرادة.
“ماذا تقصد؟”
ناولها آرون كأس النبيذ بدلًا من الإجابة.
لم تتردد روزيتا. كان فمها يجفّ باستمرار، فكان النبيذ مرحّبًا به بشدة. خصوصًا بعد حادثة إيميليا، فكانت حاجتها للكحول ملحّة. فشربت الكأس دفعة واحدة تقريبًا.
كان عبير النبيذ الذي لامس أنفها لطيفًا، وانسيابه في حلقها ناعمًا، ولم يمضِ وقت طويل حتى فرغ كأسها تمامًا. لحست قطرته الأخيرة على طرف الكأس قبل أن تضعه.
“خذي من هذا أيضًا. اشتريته لأنك تحبينه.”
قدّم لها آرون قطعة من كعكة الليمون، ولم ينسَ أن يملأ كأسها مجددًا. بدا لطيفًا إلى درجة دفعت روزيتا لعضّ شفتها.
“لذيذ.”
أغمضت عينيها وهي تلعق الكريمة المنعشة. فلم يكن مجيء والديها فقط سببًا في منحها راحة نفسية، بل راحة جسدية أيضًا.
وانفرجت شفتيها بابتسامة. لم تفوّتْ شيئًا من طعم الكعكة، وكان آرون يحدّق بها بلا رمشة. شعرها الأحمر المضفور من جانب واحد جعل خدّيها المحمرّين يبدوان أكثر بروزًا.
كانت هذه أول مرة يراها فيها آرون مرتاحة بهذا الشكل منذ حادثة شعر إيميليا.
اهتز كأس النبيذ في يد روزيتا، وبدت أمواج اللون الأحمر وكأنها ترقص.
“إن كان لديك ما تريد قوله… فقله.”
قالت ذلك وهي تشرب ما تبقى في كأسها. كان مزاجها في أفضل حالاته. فقد كان من الممتع رؤية مركيزة روستر عاجزة عن الكلام أمامها، ومن الممتع أيضًا رؤية آرون يتولى خدمتها من تلقاء نفسه.
تساءلت هل هذا هو أثر “السيف” الذي تحدّثت عنه الكونتيسة. كان شعورًا مرضيًا للغاية. وعندما لاحظ آرون أن مزاجها تحسّن، نهض.
“انتظريني لحظة.”
أومأت روزيتا.
ألقت نظرة على كأس آرون. كان لا يزال كما هو منذ البداية، بينما هي قد ملأت كأسها للمرة الثانية.
“ما به؟”
شدّت رباط ردائها، وشربت ما بقي من كأسها ثم ملأته مرة أخرى. وقبل أن تنتهي نصفه، عاد آرون.
عندما رآها تلعب بظلّها تحت ضوء القمر، سعل بخفّة وجلس.
“ما هذا؟”
كانت عينا روزيتا معلّقتين بالصندوق الأسود في يده. كان مغطّى بالقطيفة، وكأنه شيء ثمين جدًا.
جلس آرون في مقعدها، لا في مقعده السابق.
“تقول جلالة الإمبراطورة إن الاعتذار الذي لا يرافقه تعويض ملموس هو كخبز بلا كريمة.”
“ليست مخطئة.”
التبسَمَتْ روزيتا، ولم تُخفِ بريق عينيها. كان آرون قد قدّم اعتذاره الأول برسالة حكاية، ثم بدعوته للكونت إيفلبري بنفسه للقصر. وكانت خطواته كلها موجهة إليها.
وبفضل هذا الجهد الصادق، بدأت قسوتها تجاهه تذوب. كما أنّ رؤية والديها يوبّخان آرون بالنيابة عنها قد أرضى قلبها، وزاد يقينها أنها ليست وحدها بعد الآن.
لكن هذا لا يعني أنها لم تكن تنظر إلى ما في يد آرون بعين لامعة.
ولمّا لاحظ ذلك، فتح الصندوق القطيفي أمامها.
“…آه.”
انفلت صوت الدهشة منها.
تألّقت حبة الألماس فوق القطيفة السوداء، مشرقة كأنها تسرق النَّفَس.
‘يا للثراء… لقد كان الدوق ثريًا حقًا.’
انبهرَتْ روزيتا بثروته مجددًا.
“إن لم يعجبك، أشتري غيره.”
“لا! مستحيل!”
خطفته من الصندوق بسرعة مذهلة.
كانت قطرة الألماس المعلقة على سلسلة رفيعة من البلاتين أكبر قليلًا من ظفرها. وارتجفت شفتيها المتحمستان. ولم يبقَ أدنى أثر للسكر عليها.
“هاته.”
تبعَت عينا روزيتا حبة الألماس وهي تتحرك.
‘ماذا؟ هل سيأخذه بعد أن أعطاني إياه؟’
مدّت يدها لا إراديًا إلى العقد، لكن عندما أحاط آرون كتفيها بذراعه، تجمّدت.
‘في الدراما… يضعه الرجل من الخلف.’
لكن آرون لم يقف. بل أحاطها من الخلف كما هي، وهو جالس بجوارها، ورفع العقد إلى عنقها.
كان صدرها يلتصق بذراعه بلا قصد، فابتلعت ريقها. وكانت أصابع آرون تلامس رقبتها من الخلف، وأنفاسه تداعب أذنها، فجفلت وحبست أنفاسها.
‘لماذا لا يثبت؟’
كان الخطاف الصغير يهرب في كل مرة. واقترب آرون أكثر، يفوح منه عبير الكولونيا بعد الاستحمام، فيصيبها بدوار.
“ألم تنتهِ بعد؟”
لم تستطع الصبر.
“أنتِ من تتراجعين للخلف… فلا أرى جيدًا.”
لم يتوقع أن تثبيت هذا الخطاف أصعب من تعليم تيسكا. فاقترب أكثر.
وجدت روزيتا نفسها محاصرة بين ظهر الأريكة وبدن آرون. وكانت حرارة جسدها الشديدة — نتيجة كأسَي النبيذ — تجعل وجهها يتورّد بشدة.
“سأطلب من بيتي أن تثبّته غدًا.”
قالت ذلك محاولة تخفيف التوتر.
“لا. أستطيع ذلك.”
كان عناده لا يقاوم.
“آرون.”
“نجح!”
ما إن نطقت اسمه حتى انغلق الخطاف أخيرًا كالسحر.
ساد صمت قصير.
كانت المسافة بينهما خطرة. لو تحرك أحدهما خطوة واحدة… لالتقت الشفاه.
الأنفاس الحلوة التي كانت روزيتا تزفرها أذهلت آرون.
لم يرَ إلا خدّيها المتورّدين… وشفتيها الأكثر احمرارًا.
ارتجّت تفاحة آدم لديه بقوة.
اقترب بلا وعي. لكن ما لامس شفتيه أولًا كان معدنًا باردًا. فتح عينيه فجأة. فقد اعترضهما العقد الذي قدمه لها.
خفض بصره.
كانت عينا روزيتا المرتبكتان تحدّقان به.
“هل ستندمين؟”
“بالتأكيد.”
أجابته فورًا. وكانت تمسك بالألماسة بين شفتيها — منظر جعل رأسه يدور.
أغمض آرون عينيه بلا إرادة. كان يشعر بحرارة شفتيها خلف تلك القطعة الصغيرة جدًا من الألماس.
لحظة قصيرة… لكنها ستطبع في الذاكرة طويلًا.
“في المرة القادمة… سأجعلها بلا ندم.”
التقت نظراتهما. ومع كل كلمة يقولها، كانت أنفاسه تداعب شفتيها. فمن المستحيل أن تُبعد قطعة ألماس صغيرة قبلة كهذه.
بدت هذه الدفعة المفاجئة كأنها تحوّلت إلى وعد صريح.
أبعد آرون الألماسة من شفتي روزيتا.
“إنه يليق بك جدًا.”
كانت حرارة أنفاسه قد سخّنت المعدن البارد. ثم تدلّت القطرة فوق عظمة ترقوتها، كقلب ينبض.
رفع آرون كأس النبيذ الخاص به، وشربه كاملًا وهو يحدّق بها دون أن يرمش.
أشاحت روزيتا بنظرها. كان هو يشرب النبيذ… لكن الشعور كان وكأنها هي من يُلتهم.
“أظنني شربت كثيرًا… سأذهب للنوم.”
وقفت. ونظر إليها آرون بيأس طفيف.
“هكذا بسرعة؟”
“بسرعة؟ لقد تجاوزنا موعد النوم منذ زمن.”
نظرت روزيتا إلى نافذته. كان القمر الأبيض الرفيع يظهر ويختفي خلف الغيوم.
“في نظري… يبدأ وقت الكبار الآن فقط.”
“أما أنا… فسأصبح من الليلة طفلة في مملكة جديدة.”
نفخت روزيتا غاضبة. واتسعت عيناها لدرجة مضحكة.
“ما الذي تقولينه…”
هزّ آرون رأسه متنهدًا بشدة.
“لا تنسَ أن أمي وأبي موجودان في هذا القصر.”
اختفت الدماء من وجه آرون.
تذكّر حديثه مع الكونت إيفلبري بعد الظهر، فارتعد وقام فورًا.
فمجرد التفكير بأن والدي زوجته في مكان ما داخل القصر، جعله يشعر وكأنه يرتكب أمرًا مروّعًا.
التعليقات لهذا الفصل " 49"