كان ذلك أول لقاء منذ حفل الزفاف. ومع ذلك فقد بدا أن إيميليا وكونتيسة إيفلبري يتعاملان مع بعضهما دون أي حرج.
‘هل هذه هي خبرة السنين؟’
على عكس روزيتا، التي ما زالت أحيانًا تجد صعوبة في التعامل مع إيميليا، لم تواجه الكونتيسة أي صعوبة في التعامل مع حفيدتها الصغيرة.
“هيا بنا! لقد أحضرتُ لإيميليا أشياء كثيرة من مقاطعة إيفلبري.”
“أوه؟ هل ستنامين في منزلنا اليوم يا جدتي؟”
رفعت إيميليا عينيها الواسعتين نحو الكونتيسة وهي تمسك بيدها. وإيميليا كانت قد زارت منزل عائلة إيفلبري في المدينة من قبل… فلم يكن هناك سبب لبقاء جدتها في منزل الدوق بدلًا من منزلها.
عند سؤالها، فردّت الكونتيسة ظهرها، ونظرت حولها ببطء. الوجوه الأرستقراطية التي جاءت لاستقبال أطفالها بعد الدرس ارتجفت تحت نظرتها الباردة.
‘ما الأمر؟ لماذا تنظر إليّ؟’
وتوقّف نظر الكونتيسة أمام ماركيزة ليلي روستر. ورغم قَصَر قامة الكونتيسة، إلا أنّ الهالة التي انطلقت منها جعلت الماركيزة — التي كانت تمسك بيد ابنتها إيرينا — تبتلع ريقها مرارًا.
“نعم يا إيميليا. سأقيم في منزل الدوق لعدة أيام.”
وما زالت نظراتها معلّقة على الماركيزة.
“هذا رائع يا جدتي!”
قفزت إيميليا من مكانها فرحًا. راحت الكونتيسة تربت على رأسها آليًا، بينما بقيت تحدق بثبات نحو الماركيزة روستر.
ومع أن الماركيزة كانت تحاول الوقوف منتصبة بشموخ، إلا أنها خفضت بصرها في النهاية.
“وجهك مألوف… من تكونين؟”
تجمّدت ملامح الماركيزة للحظة من جرأة هذا السؤال، فهي لم تُخاطَب بهذا الشكل المُهين منذ زمن.
“مرّ وقت طويل يا كونتيسة إيفلبري. سمعتُ أنكِ غادرتِ إلى المقاطعة، ويشرّفني رؤيتكِ مجددًا.”
كانت عائلة إيفلبري من كبار ملاّك الأراضي في الجنوب. والكونتيسة كانت، قبل زواجها، الابنة الوحيدة لأسرة ماركيزية سيطرت على المجتمع الراقي في شبابها. وحتى الآن، لم يجرؤ معظم النبلاء على النظر في عينيها مباشرة.
“لكن من تكونين؟”
لم يتغيّر شيء في ملامح الكونتيسة. ورغم أنها كانت أقصر من ليلي روستر، فقد بدا وكأنها تُطلّ عليها من أعلى.
ازدادت حدّة التوتر، وروزيتا — من دون قصد — لعقت شفتيها الجافتين، غير قادرة على تحويل نظرها عن الاثنين.
“…ليلي روستر يا كونتيسة إيفلبري. التقينا قبل نحو عام في حفلة الشاي التي استضافتها ماركيزة هورينات.”
ارتجفت حاجباها المرتخيان بشكل واضح، وبدت ملامحها متشنجة، جسدها كله متصلبًا لا يخفي توتره.
“آه! تذكرت الآن.”
هزّت الكونتيسة رأسها ببطء.
“نعم…”
“ويبدو أن ابنتكِ تدرس في نفس أكاديمية إيميليا.”
انتقلت نظرتها إلى إيرينا الصغيرة التي كانت تختبئ خلف والدتها، مما جعل الماركيزة تخفيها أكثر خلف ظهرها.
“نعم، هما في الصف نفسه.”
“إذن فلا بد أن علاقتها جيدة بروزيتا كذلك.”
صمتت الماركيزة. فهي كانت، بصفتها رئيسة مجلس الأمهات، صاحبة الدور الأكبر في عزل روزيتا وتجاهلها بين الأمهات.
وبدا واضحًا أن الكونتيسة تعلم كل شيء.
“…أمي.”
لم تستطع روزيتا التحمل أكثر. وما إن انكسرت الصمت القاسي، حتى تنفّس المراقبون من حولهم الصعداء، فقد كانوا جميعًا يحبسون أنفاسهم.
“ما الأمر يا روزيتا؟”
تغيّر صوت الكونتيسة فجأة، فارتجف الكثيرون من حدّة التحوّل.
“فلنذهب الآن.”
شبكت روزيتا ذراعها بذراع والدتها.
“سررتُ بلقائكِ.”
أطرقت الماركيزة رأسها بابتسامة متكلّفة.
“الشرف لي يا كونتيسة إيفلبري.”
وبينما كانت الكونتيسة تسير نحو العربة وهي تمسك بيد إيميليا، التفتت فجأة نحو الماركيزة.
“وإن كان هناك لقاء آخر بيننا يا ماركيزة…”
“نعم؟”
“فلن يكون مكانًا مريحًا كهذا. لذا من الأفضل أن تنتبهي لكلماتك جيدًا… حتى لا أضطر للقدوم إليكِ مرة أخرى.”
وبدون أي تردّد، صعدت إلى العربة. وسارعت الأمهات والأطفال إلى المغادرة، تاركين الماركيزة وحيدة لأول مرة منذ زمن بعيد.
***
“لم يكن عليكِ فعل ذلك عمدًا.”
كسرت روزيتا الصمت وهي تزفر بعمق بعد أن صعدت إلى العربة. رفعت الكونتيسة رأسها ببطء من مقعدها حيث كانت تجلس مع إيميليا.
“…”
“أعني ماركيزة روستر.”
حين التقت النظرات، تابعت روزيتا كلامها.
“حقًا تعتقدين ذلك؟”
كان صوت الكونتيسة هادئًا، لكن البرودة التي حملتها نبرتها جعلت القشعريرة تسري في ذراعي روزيتا، فشيحت ببصرها أولًا.
‘هل كل الكونتيسات هكذا؟’
لم تستطع روزيتا مواجهة الماركيزة وحدها… مقارنةً بوالدتها التي بدا حضورها يكفي لإسكات الجميع.
كانت هيبة الكونتيسة محسوسة دون حتى أن تتحدث. ولعلها فعلًا كانت ملكة المجتمع الراقي سابقًا.
“بالطبع كنتِ ستتولين الأمر وحدك.”
هزّت روزيتا رأسها بسرعة.
“طبعًا…”
“بعد بعض الوقت… وبعد بعض الألم… وبعد أن تتعرض إيميليا لبعض التنمّر كذلك.”
أطبقت روزيتا شفتيها. فلم يكن في كلمات الكونتيسة ذرة مبالغة.
“لابد أنهن ضحكن جميعًا. قلن إن دوقة المنزل لا تستطيع فعل شيء بمفردها.”
لم تستطع روزيتا نسيان نظرات الأمهات قبل ركوب العربة.
“أليس هذا صحيحًا؟”
“أمي!”
“لا تتذمري. إن كان لديكِ ما يجب حمايته… فعليكِ الدفاع عنه حتى لو اضطررتِ لافتراس خصمك.”
كانت نظرة الكونتيسة حادة وهي تخاطب روزيتا.
“وما هذه الكلمات أمام طفلة؟!”
سارعت روزيتا لتغطية أذني إيميليا التي كانت تنصت باهتمام.
“على الأقل تعرفين كيف تحمين صغيرتك.”
“أمي…”
أطلقت روزيتا تنهيدة متعبة وهي تنادي والدتها.
“روزيتا. أنا سيفُك.”
“ماذا؟”
تراخَت يدا روزيتا عن أذني إيميليا.
“المعارك تُحسم أحيانًا بحسب السيف الذي يمسكه المرء.”
“…”
“لديكِ سيف ممتاز… كونتيسة إيفلبري… لكنكِ تركته يصدأ. لو أنكِ رتّبتِ الأمر بنفسك، واستدعيتِني عند الحاجة، عندها لكنتُ مجرد سيف في يدكِ.”
“…”
“لكن لأنك لم تفعلي… فقد أصبحتِ دوقة غير قادرة على شيء، ما زالت حتى الآن تتشبث بذيل ثوب أمها.”
غرست روزيتا أسنانها في شفتيها. ورغم ألم الكلمات… لم تستطع إنكار صحتها.
“لا فارس يذهب إلى المعركة بلا سيف. لذا لا تخافي من استخدام سيوفك. فأنا مستعدة دائمًا لأن أكون سيفك الذي يقطع خصمك.”
رفعت الكونتيسة ذقنها وهي تنظر إلى روزيتا. فابتلعت روزيتا ريقها بصعوبة. لم تستطع الرد، فقد كانت قوة والدتها ساحقة.
وحين صمتت روزيتا، تحولت نظرات الكونتيسة إلى إيميليا، حيث ظهرت الحنان ذاته الذي كان غائبًا في حديثها مع ابنتها.
“ما قد يكون صعبًا عليكِ… قد يكون سهلًا جدًا على أمّك. هذا هو أثر السنين يا روزيتا.”
“ما معنى هذا؟”
أمسكت الكونتيسة بيد روزيتا برفق.
“المعنى واضح. ما يرهقكِ قد يكون هيّنًا على الأم. هذه هي قوة الزمن. لذا إن واجهتِ أمرًا صعبًا… فتعالي إليّ دون تردد.”
“أمي…؟”
اتّخذ وجه روزيتا تعبيرًا غريبًا، وكأن كلمات والدتها أثقلت قلبها.
“حين يتألم الطفل… يتعفّن قلب الأم. ما دمنا على قيد الحياة… نريد أن نكون السور الذي يحميكم. فلا تسلكي الطريق الأصعب… إن كان هناك طريق أسهل.”
وانتقلت نظرتها إلى إيميليا.
“يعني… إن ضايق أحدٌ إيميليا… يجب أن أخبر أمي، صحيح؟ لكن… أليس الوشاية أمرًا سيئًا يا جدتي؟”
انتفخت وجنتا إيميليا باستياء.
“الأسوأ هو أن تتألّمي وحدك، بينما يمكننا حل المشكلة معًا. فبذلك تكبر المشكلة حتى تعجزين عن التعامل معها.”
“أوه!”
“لنسَمّه طلب نصيحة بدلًا من الوشاية. فالمشكلة الكبيرة عليكِ قد تكون صغيرة على أمك أو أبيك.”
“وهل يعني ذلك أن أمي ليست كبيرة بعد أمامكِ يا جدتي؟”
ضحكت الكونتيسة.
“بالضبط. أمكِ بالنسبة لي ما زالت طفلة مثل إيميليا. أفكر كم عانت وحدها… وهذا يؤلمني كثيرًا.”
خفضت روزيتا رأسها. وأومأت إيميليا الصغيرة بتفهم كبير.
“يعني… عندما تتألم أمي… تتألمين أنتِ أيضًا، صحيح؟”
ربّتت الكونتيسة على رأسها دون كلام. بينما بقيت روزيتا تنظر إلى الأرض.
“إيميليا، ألا تشعرين بالجوع؟”
هزّت إيميليا رأسها بالإيجاب. فهي كانت تبحث عن وجبة أخرى منذ قليل.
“نعم. وبعد كل هذا الحديث بينكِ وبين أمي… صرت جائعة جدًا.”
وضعت روزيتا يدها على جبينها متنهّدة. فقد أصبحت إيميليا مؤخرًا شديدة الاهتمام بالكلام المعقّد… والآن امتلأ رأسها الصغير بكلمات لن تتوقع روزيتا عواقبها.
التعليقات لهذا الفصل " 47"