احمرّ وجه الإمبراطور من تحدّي آرون المفاجئ. لم يكن آرون وحده من اندهش؛ فالناس يعرفون الإمبراطور بأنه يخشى زوجته، ولم يتخيّل أحد أن بينهما أسرارًا من هذا النوع.
يقولون إن لكل زوجين شؤونًا لا يعرفها إلا هما… ويبدو أنّ الزوجين الإمبراطوريين لم يكونا استثناء.
“فقط اعتذر دون نقاش. لا تحاسِب، ولا تبرّر، ولا تحسب أي شيء.”
“لماذا؟”
سأل آرون بملامح تشير حقًا إلى أنه لا يفهم. حدّق فيه الإمبراطور طويلًا.
“لو أنّ الدوق انتقل ليعيش في مكان جديد فقط ليتبع زوجته الدوقة، ولصار مَن حوله أشخاصًا غير الذين اعتادهم، وفجأة وجد في حياته طفلًا…”
توقف الإمبراطور عن الكلام. ابتلع آرون ريقه بلا وعي، وشعر بجفاف يلسع حلقه.
“……”
“لو حدث ذلك، لكانت الدوقة راعتك أكثر بكثير ممّا تراعيها أنت الآن، ولأظهرت لك احترامًا أعظم ممّا تفعل أنت معها.”
“……”
لم يستطع آرون الرد. لم يكن في كلام الإمبراطور ما يمكن الاعتراض عليه. تمامًا كما قال… لو كانت روزيتا مكانه، لفعلت ذلك دون تردد.
“تربية طفل أمرٌ شاق… كخلق عالم كامل من جديد.”
توسعت عينا آرون قليلًا وهو ينظر إلى الإمبراطور بفمٍ مفتوح، بينما رفع الإمبراطور ذقنه بكبرياء وقد تضاعف شعوره بالزهو.
في الظروف العادية، لكان آرون سخر من غروره، لكنه خفّض بصره بصمت.
للمرة الأولى شعر بأنه ناقص… وصغير.
نهض الإمبراطور وربت على كتف آرون بخفة.
“أسرع قبل أن يفوت الأوان. فالقلب… أسرع ما ينقلب.”
تركه وهو قابض على شعره، وغادر القاعة بخطوات ثابتة.
“آه!”
استدار الإمبراطور عند الباب، كما لو أنه تذكّر فجأة سبب إبقائه آرون في القاعة.
“هل هناك ما تودّ قوله يا مولاي؟”
ارتفعت زاوية فم الإمبراطور سريعًا قبل أن يخفيها بيده، وقد أعجبه تغيّر طريقة حديث آرون.
“وصلتني رسالة من أليشيا قبل أيام.”
“……”
“تقول إنها عائدة.”
اختفت ملامح آرون بالكامل.
***
“سيدتي الدوقة، يجب أن تخرجي قليلًا.”
فتحت روزيتا عينيها على صوت كبير الخدم. كانت قد غفت قليلًا في غرفة الاستقبال. وقد وصل ضوء الظهيرة حتى قدميها.
رفعت يدها تحجب الضوء وهي تفتح عينيها، فتبعثر ضوء الشمس بين أصابعها كأنّه يرقص.
طرق… طرق.
لمّا لم تُجب، طرق كبير الخدم مرة أخرى، وكان صوته يحمل شيئًا من القلق.
“ما الأمر؟”
قالتها وهي ما تزال مستلقية. بدا صوتها ثقيلاً وهي تحاول أن تستعيد وعيها. اعتدلت ببطء.
“هناك ضيف حضر لرؤيتكم.”
‘ضيف؟’
أمالت رأسها باستغراب. لو زار أحد المنزل، فسيُقاد مباشرة إلى غرفة الاستقبال… لم تكن تعرف لماذا يُطلب منها الذهاب بنفسها.
نهضت وفتحت الباب. كانت وحدها بعد أن طلبت إخلاء المكان.
“ضيف؟ أهو ضيف لآرون؟”
فمنذ انتقالها بعد الزواج إلى منزل الدوق، لم تدعُ أي ضيف. لذا بدا منطقيًا أن يكون ضيف آرون.
“لقد دخل البوابة الآن. يرجى التوجه للمدخل فورًا.”
كان وجه كبير الخدم متوترًا بشكل لافت. وبسبب استعجاله، أسرعت روزيتا خارجة، وهي لا تزال تكافح ثِقَل النوم الذي يجرّ جفنيها.
أما كبير الخدم فكان يمشي بانضباط لا يتزعزع.
لو كان هذا الزائر يجعل كبير الخدم مرتبكًا هكذا، فلا بد أنه شخص شديد الأهمية… وأن عليها الاستعداد جيدًا.
بدأت خطواتها تتسارع.
“من القادم حتى تقف رئيسة الخادمات هنا أيضًا؟”
لم تكن وحدها؛ فقد اصطفّ جميع العاملين في المنزل صفين طويلين على جانبي الممر المؤدي للمدخل.
“من هذا الاتجاه يا سيدتي الدوقة.”
قادها كبير الخدم إلى مقدمة الطابور. وما إن وصلت حتى توقفت عربة أمام الباب.
“همم.”
تنحنح ثم طرق باب العربة بحرص. صدر صوت حركةٍ من الداخل، ففتح الباب ومد يده.
“آه!”
شهقت روزيتا وفتحت فمها بدهشة.
فقد نزلت امرأة بوقار، وما إن رأت روزيتا حتى أشرقت ابتسامتها.
“روزيتا!”
“…أمّي.”
اندفعت كونتيسة إيفلبري نحوها واحتضنتها بقوة. تذكرت روزيتا تلك الأيام التي غرقت فيها في الشراب هربًا من الزواج بآرون بيورن، وما أثارته من فضائح… ومع ذلك لم تؤنبها أمها قط.
“همم.”
نزل الكونت إيفلبري خلفها معلنًا وجوده.
“أبي!”
تفاجأت روزيتا حقًا هذه المرة.
“كيف حالك يا ابنتي؟”
وقفت الكونتيسة بجانب زوجها وهي تمسح دمعة تساقطت.
“ما الذي يحدث؟”
سألت وقد بدت مذهولة من قدوم والديها معًا.
“وصلتنا دعوة من دوق بيورن.”
“دعوة؟”
فتحت والدتها حقيبتها وأخرجت البطاقة وسلمتها لها. فتحتها روزيتا، وبمجرد رؤية الخط… تعرفت عليه.
إنه خط آرون نفسه — نفس الخط الذي رأته في رسالة الاعتذار التي جاءت متنكرة في شكل قصة للأطفال.
أغلقت البطاقة وسألت والديها:
“لمَ لم تُخبِراني؟”
ربت الكونت على كتفها. وفي تلك اللحظة تقدم كبير الخدم بانحناءة.
“شرف كبير لنا استقبالكم يا سيدي الكونت وسيدتي الكونتيسة.”
انحنى معه جميع العاملين.
“يبدو أن الدوق اقترف الكثير من الأخطاء.”
“عفوًا؟”
قالت الكونتيسة ذلك وهي تتفحص صفوف الخدم بابتسامة. فتوتر كبير الخدم ورئيسة الخادمات معًا.
لكن الكونت والكونتيسة بديا راضيين تمامًا عن هذا الاستقبال الفخم، واكتفيا بالإيماء بإعجاب.
“أمي…”
“لا تقلقي من شيء يا روزيتا. أمك هنا الآن.”
كان صوتها مطمئنًا، لكنه بدا مخيفًا قليلًا… ولم يكن الخوف حكرًا على روزيتا؛ فقد بلعت رئيسة الخادمات ريقها بصوت مسموع خلفها.
“هيا، إلى غرفة الاستقبال. لقد أُعدّت الضيافة.”
قال كبير الخدم باحترام بالغ. على عكس روزيتا التي ما تزال مذهولة، بدا والداها في غاية الهدوء.
“حسنًا.”
“تفضلا من هنا.”
رافقهم كبير الخدم.
“روزيتا.”
مدت لها والدتها يدها. ترددت لحظة، ثم أمسكتها. كانت دافئة ولطيفة.
شعرت روزيتا بوخزة حارة تتصاعد في صدرها وهي تنظر إلى أيديهم المتشابكة. ثم أمالت رأسها بصمت.
وسار الثلاثة معًا عبر رواق منزل الدوق.
“يا له من مكان جميل.”
قالت الكونتيسة وهي تتأمل المكان.
“لقد صار أجمل بفضل جهود الدوقة.”
“أوه؟ حقًا؟”
مع أنها تعرف أن روزيتا لم تفعل شيئًا من هذا، لم تستطع إلا أن تبتسم بفخر قصير حين سمعت الإطراء.
قادهم كبير الخدم إلى غرفة تطل على الحديقة المركزية.
“لم أتوقع أن يرسل دعوة.”
قالت روزيتا بعدما خرج الخدم.
“كان يريد مفاجأتك، وطلب منّا ألا نخبرك. هل أقلقك الأمر؟”
“كان يجب أن نأتي أبكر. سامحينا يا روزيتا. لم نتوقع أن يحدث هذا ونحن في الإقطاعية.”
ظلّت روزيتا مدفونة في أحضان والديها مدة طويلة.
“……”
“لا بأس يا صغيرتي. أمك هنا الآن… وسيصير كل شيء بخير.”
وبين كلمات أمها اللطيفة، أطلق والدها تنهيدة ثقيلة. وأسندت روزيتا رأسها على كتف أمّها الضيق.
مع كلمات “سيكون كل شيء بخير”، شعرت وكأن صخرةً كانت تسحق صدرها وذابت أخيرًا… وكأنها وجدت حليفًا بعد أن بقيت طويلًا وحدها في ساحة حرب.
***
“أمّي!”
ركضت إيميليا نحو روزيتا، لكنها توقفت فجأة وقد لاحظت وجود الكونتيسة.
“جدّتي!”
غيّرت اتجاهها واندفعت نحوها. فتحت الكونتيسة ذراعيها لها.
“آه!”
شهقت وهي تحتضنها بقوة.
“عليك الحذر يا إيميليا.”
أسندت روزيتا والدتها التي كادت تفقد توازنها.
“لا بأس، لا يزال في جسدي بعض القوة.”
مسحت الكونتيسة على شعر إيميليا القصير.
“لقد قصصتِ شعرك يا إيميليا.”
“نعم! أنا قصصته! ثم قمنا بتهذيبه لاحقًا!”
لم تكن الكونتيسة لتجهل ما حدث — فقد انتشر الخبر في العاصمة كلها. الحدث الذي أبكى ابنتها، وتسبب بأول خلاف زوجي بين روزيتا وآرون، والذي بسببه وصلت الدعوة من آرون نفسه.
“جميل جدًا. وسيليق به تمامًا ما جهزته لكِ من هدية.”
التعليقات لهذا الفصل " 46"