0 - - الفصـــل التروِيجي
عندما يحلّ الليل على الغابة، يستقرّ الظلامُ فوقها ثقيلًا ممتدًا. لكن تلك الليلة جاءت على نقيض المألوف؛ فقد تحوّل كلُّ شيءٍ فيها إلى عالمٍ يغشاه البياضُ المحض.
ومع أن أنفاسَ الثرى تبرد وتخمد، لم يطفأ النور. ومع كلّ نسمةٍ تداعب عروقَ الأوراق، كان جذعُ الشجرةِ العظيمةِ في قلبِ الغابة ينثر ضياءً أبيضَ يتفتّت كالهَباء.
توقّفت سورا أولًا، أمعنت النظر محاوِلةً اختراقَ حجبِ العتمة.
لم تكن عينانِها الليليّتان تلتقطان الضياء، بل كانتا ترصدان النسيج: أين تلتوي سبلُ هذه الأرض، أين تنقطع، وإلى أيِّ وجهةٍ تفضي. كان الطريقُ رفيقها الأزليّ، وبفضله لم يساورها شكٌّ أبدًا بأنها ستبلغُ غايتها.
اقترب سيدريك من خلفها، واستنشق زفرةً عميقة. تفوحُ رائحةُ الطحالبِ المبلّلةِ بالرطوبة، مصحوبةً بطعمِ الحديدِ العتيق، حاملةً ملوحةً وزفرةً من كآبةٍ مُفرطة. وبصفته جنديًّا سابقًا، كان أولُ ما يلتقطه على هذا الطريق رائحةُ الدم.
دمٌ ودخانٌ، زيتٌ ورملٌ…واليوم…رائحةُ الجذور.
“أهُنا المكان؟”
أومأت “سورا” برأسها إيماءةً خفيفة. أمامهما كانت بوابةٌ مشكَّلةٌ من جذور أشجارٍ ضخمةٍ متشابكةٍ، كأنّ الأرضَ نفسها قد نسجت مدخلاً إلى سرٍّ قديم.
[ZUBA]
وبجانب الباب الخشبي العتيق تفشّت ندوبٌ نافرة، كآثار مخالبٍ مزّقت المكان.
شرعا سورا وسيدريك في فحص المحيط مرة أخرى؛ فالحذر غريزة متأصلة فيهما بصفتهما طريدين.
لم يكن هناك شيء؛ لا أدخنة سوداء خانقة تنبعث من السفن الهوائية، ولا ضجيج عجلات الكرولر يقترب من بعيد، ولا همس الأرض تحت وطأة الأحذية العسكرية الثقيلة، ولا حتى آثار أقدامٍ غطّاها الغبار الأبيض.
اجتاحها شعورٌ غريب، مزيجٌ من حنينٍ ورهبةٍ ولمحةٍ من الخوف، لم تعهده في أراضي “آيرون فالكون” الجرداء، ولا في مدن “سنكرو” المزدهرة، ولا في قرى “فليميدر” البركانية، ولا حتى في بحار “فروستكرو” المتجمدة اللامتناهية. ترددت لبرهةٍ، كمن يسمع نغمةً مألوفةً في وسط عزفٍ غريب.
“من غير المنطقي وجود بوابةٍ في مكانٍ كهذا…إنها تشبه بوابة ‘كادن آتشي’..”
“أيمكننا الدخول؟”
أومأ سيدريك برأسه مؤكّدًا؛ كان يملكه يقينٌ بذلك.
“إن عرفنا الطريقة.”
“ثمة شيءٌ مكتوب هنا.”
نَشرت سورا التربة عن الجذور التي تغطي البوابة، فبدت في مركزها نقوشٌ طولية دقيقة. وبالتحديق فيها تبيّن أنها ليست مجرد زخارف، بل كلماتٌ سُطرت بلغةٍ غريبةٍ لم تستطع سورا حتى تمييز انتمائها.
قرأ سيدريك العبارة وشعر بامتنانٍ غريبٍ وغامر لكونه استطاع فهمها. كذلك ذُهلت سورا من قدرته.
“كيف استطعت؟”
“إنها جملةٌ كان والدي يستخدمها…لقد وصلنا إلى المكان الصحيح.”
“طريق اللصوص، سيُفتح للصوص.”
زُوبا، تلك الجزيرة التي خدعت العالم لتبقى في عزلة، كقطعةٍ من أسطورةٍ سقطت من زمنٍ سحيق. وها هما الآن، بعد مطاردةِ الحقيقة والفرار من الزيف، يقفان أمام بوابتها.
نظر سيدريك إليها لبرهة، ثم استجمع أنفاسه ببطءٍ شديد ووضع يده على مقبض الباب. بدأت جزيئات الجوهر المهيمن تحوم وتضطرب حول صدره.
تساءلت سورا في نفسها: ما الذي سيحدث الآن؟ ولكن سرعان ما انكسر تدفق الهواء، كما لو أنّ الغلافَ الجوي المشدود ارتخى فجأة، وبدأ الباب يفتح شِقَّه ببطء.
ومجرد عبورهما العتبة، تاه الزمن عن بوصلته. ظلّت الرياح تهبّ، لكنها لم تعد إلى مسارها السابق. والصوت الذي كان يطرق الآذان صار صمتًا مطبقًا. وأمام أعينهما، ارتفع جدار فضّي هائل يخطف الأبصار.
اضطرا لاستجماع أنفاسهما، سورا لمرة، وسيدريك لمرتين، قبل أن ينجحا في إدراك ماهية ما يريان.
كان ظلامًا أبهى بياضًا من الليل؛ حقيقةٌ أدركاها للمرة الأولى: كيف يمكن للعتمة أن تكون مضيئة بهذا القدر؟ ومع كل خطوةٍ خطاها، تنبثق ظلالٌ تتحرّك بحرية، كأنّها تعكس ذكرياتٍ ماضية.
الظلّ الأول كان لامرأة ذات شعرٍ طويل، تقف باكيةً وسط مجموعةٍ من الثعالب.
كان ذلك الظلُّ لسورا. عيادةٌ مغلقة، أنفاسُ جهاز التبريد، إبرةُ سحبِ الدم التي مدّها أوسما، شعورُ الوخز عند اختراق الجلد، والتنهيدة التي سبقت خروج الدم…هل ستتمكّن هذه المرّة حقًا من الفرار؟ من قيود أمّها؟
طوال حياتها ظلت تتوق إلى الحرية. كانت الغريبةَ المارقة في سربها، عاجزةً عن التّصالح مع ذاتٍ مرفوضة؛ كانت ترى الوجود ضربًا من الغرابة.
لماذا لم تستطع يومًا أن تشعر بما يشعرون؟ ولماذا جعلت منها أمُّها أميرةً لتذيقها هذا الشقاء؟ في كل لحظةٍ، عبر كل تلك السنين، لم تستطع الفكاك من قبضة تلك الأسئلة.
“أنا خائفة…”
همست، ثم انتفضت من هول ما شعرت به؛ كان رعبًا لم تذق مثله طوال حياتها.
كأن شيئًا ما تسلّل عبر شقوق روحها، عبث بخبايا عقلها وقلبه رأسًا على عقب. هل كنت حقًّا بتلك الجبانة التي يكسرها موضعٌ كهذا؟ هل تتجمّد قدماي ذعرًا؟ أهذه أنا؟
“آه…”
أدركت الحقيقة: كانت في ماهيّتها هيّابة، ولهذا وقفت جامدةً في ذلك اليوم الذي رأَت فيه سيدريك للمرة الأولى؛ استبدّ بها الذعر لأن الطريق المألوف توارى عن أنظارها.
مــن أنا؟ ومــن أنت؟
في غياهب ذلك الظلام الأبيض، وفي عالمٍ تكسوه ملامحٌ غريبة، شعرت بالوحدة. أو هكذا خيّل إليها…حتى تلك اللحظة.
“استفيقي!”
امتدت ذراعٌ من خلفها، جذبت عنقها وكتفيها بمُدّةٍ مباغتة. لم تدرك أنها ليست وحيدة إلا حين ارتطم ظهرها بصّلابة ذراع الرجل. أحكم سيدريك قبضته على يدها،
“أنا هنا خلفكِ، فلا تخشي شيئًا.”
سيدريك…مَن يكون هذا الرجل؟ إنه كائنٌ هشّ وقويّ في آنٍ واحد، تمامًا مثلها. لم تكن تلك الصلابة مجرد طبعٍ عسكري، بل عمقٌ من المودّة يكمن في أغواره.
وعلى أطراف حدقتيه الزرقاوتين بدت لها بصيصاتٌ فضّية باهتة. هل كان ذلك وهمًا؟ كانت مشاعرها نحوه معقدة إلى ما لا يوصف. تلك المسافة الثابتة، والحيّز الذي يفرضه، وكلماته المصقولة بعناية…
كان يحمل حدةً مقصودة لكنها خالية من الضغينة؛ رجلٌ لا يروم إلا حماية نفسه بصلابة.
لم يكن يبتسم بسهولة، لكن لابتسامته سحرٌ خاص. حين ترقبه وسط الظلال، راودتها رغبةٌ جامحة في إيذائه دون اكتراثٍ لما قد يقال. كم سيكون رائعًا لو استدرجته برقةِ فراشةٍ ثم سحقته قطعةً قطعة.
أمسك الظلُّ بوجهه وأطلق صرخةً مدوّية تحولت في النهاية إلى ضحكاتٍ مجلجلة، قهقهةً تلو الأخرى. استمتعت سورا بذلك الشعور الموحش الذي جثم على صدرها، ثم استدارت ببطء.
“ليت ذلك يحدث…”
أرخى سيدريك قبضته تدريجيًا حين شعر بتغير حركتها المفاجئ. رفعت سورا يدها وأمسكت بذقنه ببطء، جاذبةً إياه نحوها.
“ها أنتَ الآن أمامي.”
تأملت عينيهِ الزرقاوَيْن؛ لو كان بإمكاني تحطيمك…لو استطعت فقط…
لكن مهلاً…
كيف انتهى بنا المطاف في هذا المكان أصلاً؟
Chapters
Comments
- 0 - - الفصـــل التروِيجي منذ 6 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 0"