1
إنه ركنٌ ناءٍ، ناءٍ جدًّا عن قلبِ الإمبراطورية.
منطقةٌ يقطنها من يكادون يصمدون على طرفِ حياةٍ توشكُ أن تسقطَ في الهاوية. عبرَ النوافذِ تبدو الأسطحُ المفلطحةُ من صفائحَ معدنيةٍ، واللوحاتُ الإعلانيةُ الباليةُ، وأسلاكُ الإنارةِ المقطوعةُ متشابكةً معًا كشبكةٍ مهترئة.
تحت ظلِّ ذلك الزقاقِ الكئيبِ كانت الكلابُ تنبشُ بقايا الطعام، والأبنيةُ المنخفضةُ تستسلمُ كما لو أنها خرّتْ من خضوعٍ وانهيارٍ تحت لوحِ السماءِ المتوردِّةِ.
كان هذا رُكنًا من المدينةِ أفسدهُ الزمنُ، مختلفًا اختلافًا صارخًا عن الهيبةِ المشتعلةِ الصادرةِ من القصرِ الإمبراطوريِّ والبرجِ المركزيِّ.
نفحةُ دواءٍ حادّةٌ قَطَفَتْ الأنفَ؛ امتزجتْ برائحةِ العفنِ المتصاعدةِ من الجدرانِ الحجريةِ الرطبةِ والأرضيةِ الخشبيةِ الباليةِ، حتى بدا المكانُ كقارورةٍ موصدةٍ منذ زمنٍ طويل.
ربما كان المبنىُ مستشفىً في زمنٍ ماضٍ، لكنه صارَ الآن عيادةً متداعيةً على أطرافِ المنطقةِ الخامسة.
جلستْ سورا على أريكةٍ في غرفةِ فحصٍ ضيقةٍ وباردةٍ، قميصُها المربّعُ مرفوعٌ نصفَ ارتفاعِه، وهي تنتظرُ الإجراءَ بصمتٍ متوتّر.
كانت رائحةُ المطرِ تتسللُ عبرَ شقوقِ النافذةِ؛ ورشّاتُ الماءِ من سماءٍ كئيبةٍ تُحدثُ طرطرةً خافتةً وتبلّلُ المبنىَ كلّه.
ثم سُمِعَ صوتٌ منخفضٌ خافتٌ، حفيفُه يميلُ إلى النبرةِ المرحةِ رغم خشونته،
“هل ما تزالين تحلمين باستمرار؟”
أزاحت سورا تأملاتها إلى الداخل وأعادت توجيه بصرها.
رجلٌ يلفُّه معطفٌ أبيضُ واقفٌ مائلاً إلى جنبها. اسمه أوسما.
وجهه ذو ملامحٍ حادةٍ، وعيونٌ لامعةٌ خلف إطارِ نظارةٍ مربّعةٍ، ينضحُ بهدوءٍ صارمٍ كحجرٍ غيرِ مصقول. شعره الأسود مقصوصٌ على نحوٍ عمليّ، غير أن خصلاتِ الشيبِ قد بدأت تتخللُه.
بينَ سبّابته ووسطاه نقشٌ باهتٌ يظهرُ اسمهُ “سيجيل”، أثرٌ على الجلدِ وكأنّهُ نِتاجُ شيخوخةٍ مصطنعةٍ بفعلِ الأبحاثِ والتجارب.
كان أوسما فيما مضى محسوبًا من أهلِ السلطةِ في هندسةِ السيجيل، لكنه بعدما ترك مركزَ الإمبراطورية صار ناسكًا غامضًا يمارسُ أبحاثَه وعلاجاتِه سرًّا في هذه الزاويةِ التافهةِ من المنطقةِ الخامسة.
“أحلامٌ يوميةٌ إذن؟”
سألَ بصوتٍ منخفضٍ.
“أيامَ التعبِ لا أستطيعُ أن أنامَ نومًا عميقًا، فتعودُ إليّ أحلامٌ دائمًا.”
“الأحلامُ التي أخبرتُك عنها سابقًا…كانت مثيرةً للاهتمامِ…وغامضةً كذلك؟”
“آه، تلك الأحلام.”
همست سورا، واسترجعتُ في ذهنها الحلمَ الذي راودها خلالَ السنواتِ الأخيرة: لم يكن في البداية إلا من حينٍ لآخرٍ متقطّعًا، لكنه صارَ مؤخرًا يتكررُ كلَّ أيامٍ قليلةٍ على رأسِ وسادتها؛ حلمٌ ترى فيه فتاةً ورجلًا يسيرانِ في دربٍ غابويٍّ لا تُعرفُ نهايتُهُ.
طــــرْقٌ─
فُتحَ صندوقُ إبرةٍ صغيرةٍ، وبرزت منه إبرةٌ ذاتُ منقارٍ طويلٍ.
“أستاذ أوسما، يبدو أنّك تولي اهتمامًا بالأمور التافهة…”
همست سورا وهي تحدق بالإبرة بين أصابعه.
“كنت قد توقفتُ عن حلمها لبعض الوقت، لكنّني حلمتُ بها مجدّدًا ليلةَ البارحة.”
“في تلك المرّة وُقِعتُ في مستنقع، هكذا شعرت؛ لم أكن أعلم إن دُفِعت أم غصتُ بنفسي.”
كان الأمر كأنّها دخلت المكان ولم تدخل؛ وكأنهما تكلّما ولم يتكلّما.
ذلك الحلم يوقظ لديها حدسًا غامضًا ومقلقًا، إحساسًا يشبه التحديق في نقشٍ لم تُفَسَّر أسراره بعد.
“وماذا عن ذلك الرجل؟”
توقّف أوسما لحظة، وهو يلاعب الإبرة بين أصابعه.
“هل ما زلتِ لا تعرفينه؟”
“لا يتكلّم. في الواقع إنه حلم، فلم أرْغَب أن أُمعن التفكير فيه. أثناء الحلم لا يبدو الأمر سيئًا، لكني أستيقظ دومًا وقد ملأني إحساسٌ مزعج.”
اقترب أوسما قليلاً، ارتسمت على وجهه ملامحُ التدبّر، ثم قال بلهجةٍ علميةٍ صريحة،
“أخرجي المزيدَ منه.”
رفعت سورا قميصَها إلى ارتفاعٍ يكاد يخفي صدرَها السفلي. خصرُها النحيل خالٍ من شحمٍ زائد، وعلى جانبِها الأيسر، تحت صدرِها مباشرةً، بروزُ نقشٍ دائريٍ تُشكِّلُ جبالًا متشابكةً، عرضه يوازي راحةَ اليد؛ إنه سيجيل بوسلان.
يُقال إن بعض الناس يولدون بأنسابٍ خاصةٍ مختارةٍ منذُ الأساس.
هي قدرةٌ أساسية تمنحها الأرض لسببٍ ما؛ هكذا يشرح مُهندسو السيجيل الأمر.
يولد هؤلاء الناس بتركيبةٍ داخليةٍ فريدةٍ تُنتِج ما يُسمّى “عاملَ السيادة” (Domininon Factor)، وبوساطته يظهرون القدرةَ الأساسية.
السيجيل نمطٌ باهتٌ يظهر في موضعِ العضو المسؤول في الجسد.
ولأنه لا مواقعَ ثابتةً لهذا العضو كما الأعضاء الداخلية العادية، فقد يظهر في أيِّ موضعٍ من الجسد؛ كما ظهر على ظهرِ يدِ أوسما، وكما ظهر عند سورا على خصرِها. عادةً ما يكون باهتًا فلا يُلاحَظ، لكنه يتوهّج بوضوحٍ حين ينشطُ عضوُ القوة.
خفضَ أوسما بصرَه ونظَر مطوّلاً إلى سيجيلها. لمست أطرافُ يده الخشنةُ خصرَها، فشعرت بدغدغةٍ رقيقة.
“أشّعُر بالدغدغة..”
“مع أن هذه ليست المرةَ الأولى. والألم؟”
كانت عيناه ترقبانها بنظرةٍ جمعت بين تمحُّصِ الباحثِ ورأفةِ الإنسان.
”مذ تلقيتُ الحقنة قبل ثلاثة أسابيع، نال مني الإعياءُ لبضعة أيام.”
”كم يوماً؟”
”يومان أو نحو ذلك؛ خُيّل إليّ أن غشاوةً أصابت بصري، ثم ما لبثت أن انجلت لأرى بوضوحٍ أشدَّ ممَّا مضى.”
”غير أنَّ اللونَ قد خالطهُ شيءٌ من السواد.”
”أيبدو الأمرُ كذلك؟”
”لعل مردَّ ذلك إهمالكِ لنفسكِ، فقد كساكِ الشحوب.”
قبل أن تنطق سورا بكلمةٍ واحدةٍ، دَفَعَ أوسما إبرةَ الحقن مباشرةً في مركزِ السيجيل. دخل السائلُ عبر الإبرة التي اخترقت مركز الدائرة.
احتبست أنفاسُ سورا في صدرها لهُنيهة، ثم دَبّت في أوصالها قشعريرةٌ باردةٌ، تزامنًا مع سريانِ الترياقِ في مسالك أعصابها. كانت تلك حالةً تستعصي على الأُلفة مهما تكرّرت؛ والحقُّ يقال، إنها تجربةٌ ممجوجةٌ، تمُجّها النفسُ وتأباها.
”تجلّدي قليلًا.”
نطق أوسما بنبرةٍ اكتست بالوقار.
انصرمت عشرُ دقائقَ قبل أن يستعيدَ صدرُ سورا انتظامَ خفوقِه، وقد تحدّر العرقُ الباردُ على أديم جبهتها. كاد زمامُ «عامل السيادة» الكامن فيها أن يفلتَ من قبضتها تحت وطأةِ مفعول العقار، غير أنّها تشبّثت به بشقِّ الأنفس.
”متى أبلغُ مَبْلغكَ يا أستاذ؟ أظنّ أنَّ الحولَ قد حال.”
”عقدتُ الأملَ أن تكون هذه الكرَّةُ مختلفةً، بيدَ أنَّ الأسفَ كان حليفنا. ومع ذلك، قد يكونُ مآلُكِ مُغايرًا؛ فشأنكِ يختلفُ عن شأني وشأنِ سائرِ البشرِ الذين يقصدونني.”
علا صريرُ قلم أوسما الحادُّ فوق الورق، حين شرعَ يخُطُّ رسومَهُ البيانية.
”ألا سبيلَ لاستخدام عقارٍ أشدَّ فاعلية؟”
رفع ناظريه بتُؤدة، فرمقها بنظرةٍ باردةٍ ثاقبةٍ، نفذت إليها من خلفِ زجاج نظّارته المربّعة.
”سيفتكُ بجسدك.”
”لا أُبالِـــي.”
”إنّ أهون ما قد أُلقيه على مسامعكِ هو النصحُ اللطيف، بيدَ أنّ الحقيقة المُرّة تُنذر بهلاككِ إن زلّت بكِ قدَمُ الحساب.”
فانبرت “سورا” تجيبه بحدةٍ يغلفها استهتارٌ جليّ،
“ولكنني، بسلوكي ذلك الدرب، سأفنى عجوزاً نخرَها الوهن.”
”ولعلّ في ذلك بقاءً يطول به أمدُكِ.”
”لستُ بهازلة.”
”لقد بسطتِ لي أسباب رغبتكِ في مَحْوِ «السيجيل»، بيدَ أنّ الإقناع لم يجد إلى نفسي سبيلاً. فما دمتِ أميرةً حظيت بفيضِ النعم من «اللورد» مباشرةً، فإنّ ذلك يُعدّ إرثاً شرعياً ضارباً في أصول السلالة؛ فكيف تجسرين على المقامرةِ والزهدِ في تلك البركات طواعيةً؟”
فتقلصت شفتا “سورا” امتعاضاً، ثم أردفت بنبرةٍ خبا حديدُها،
“خِلتُك، دون سائر الأنام، ستفقهُ ما بصدري.”
أسبل “أوسما” جفنيه غارقاً في لُجّةِ التأمل. فـ «سيجيلُه» هو الآخر وسمٌ يُفصح عن ولائه لفرع «بوسلان»؛ ثُلةٌ لا يتجاوز عديدُها بضع مئاتٍ في هذا العالم، غير أنّ وحدة الفصيلة لا تستلزمُ بالضرورة ائتلاف الأرواح.
تنهّد “أوسما” ثم أومأ برأسه في همسٍ يكادُ لا يبين،
”إني لأتبينُ مكمن شكاتكِ؛ فالأمرُ لا يقتصرُ على ضآلة معامل السيادة لديكِ فحسب، بل يمتدُّ لكونكِ مغلولةً بقيمة «الرنين العكسي» التي تكبّلُ خُطاكِ. وحقاً، فما ندرَ أن وقع بصري على حاملٍ لمؤشراتٍ بلغت من السموّ ما بلغتِه أنتِ.”
لم تَفِهَمْ شرحُهُ كلَّهُ تفسيرًا كاملاً لوضعها، لكنّه كان جوهرَ ما يعتمل في فكرِ سورا وهاجِسُها الوحيد.
لم تستطع سورا التكيُّفَ مع أرضِ أبيها، أرضِ «بوسلان»، ولم تنحنِ أمام نظامِها ليس لضعفٍ فطريّ، بل لأنَّ طبيعتها كانت شاذَّةً، قريبةٌ من طِرازِ الطفرات.
لم يولد المختارون دائمًا حاملينَ العضوَ الداخليّ. العمرُ الذي ينضجُ فيه «عضوُ عاملِ السيادة» داخل الجسمِ عادةً ما يكونُ في حدود ثمانيةٍ تسعِ سنواتٍ. في ذلك الحين يمرُّ الحاملون بطقسٍ يُدعى «الكاغبي» (각피) فتكتمل صحوُهم لحِسابِ فئةٍ معيَّنةٍ من الحاملين. وبالتزامنِ يُتَحدَّد حدّ معاملِ عاملِ السيادة (معيارُ DFU — وحدةُ معاملِ عاملِ السيادة).
وثَمَّةُ مبدأٌ بسيطٌ لعملِ عاملِ السيادة.
كلما ارتفعَ معاملُ عاملِ السيادةِ ازدادَ التعلُّقُ بالأصلِ والمهارةُ في استعمالِ القدرةِ الجذرية.
وإن انخفضَ هذا المعاملُ تدرّجيًا، اقتربَ صاحبُه من حالِ الإنسان العادي ففقدَ القدرةَ أو صارَ استخدامها مبتورًا أو غيرَ مُتقن.
لكنّ سورا كانت حالةً شاذّةً.
فمعاملُ عاملِ السيادةِ لديها كان مرتفعًا بما فيه الكفاية، ومع ذلك كان مؤشرُ الرنينِ العكسي مقاومًا لتفعيلِ العنصرِ بنفسِ الدرجة.
لم تكن سورا منزعجةً من ذلك منذ البداية. لو كان كلُّ مَن حولنا بارعين وعظماء لما بقي لمعنى «التميّز» أيُّ أثرٍ. كانت مَنهجُ حياتها أنْ تُرضِيَ متعتها هي أكثرَ من إرضاءِ كبريائها. فضلًا عن أن أمثالها كثيرون على أي حال.
أولئك الضعفاءُ في قدرتهم لا ينالونَ امتيازاتٍ خاصّةً، لكنّهم أيضًا لا يُعانون كثيرًا؛ يعيشون كالباقين دون ضائقةٍ ملموسة، مع فائدةٍ واحدةٍ ربما: حياةٌ أطول قليلًا. وسورا كانت ترى أنَّ حياةَ هذا النمط ليست سيئةً بالضرورة.
المشكلةُ بدت حين وُجِهتْ بواقعٍ لا تقبلُه: لا تستطيعُ الاعترافَ بالمستحيل وتكتفي بروتينٍ عاديٍ مملّ، لأنّ الطبيعةَ لا تسمحُ لها بذلك.
أُمِّيّاتُ بوسلان، اللوردة كميل، لَحِظتْها واختارتها أخيرًا لتصيرَ أميرةً تحتَ جناحها.
فازدادت قسوةُ الحياةِ عشراتِ المرّات.
وللتوضيحِ، كي لا يُساءَ الفهمُ، فمصطلحُ «أميرة» هنا لا علاقةَ له بكونِها ابنةً نَسَبٍ ملكيّ أو أميري؛ إنما هنَّ نساءٌ مُختاراتٌ بمقتضى ميثاقٍ مع اللوردِ والرمزِ الطائرِ العائدِ للخلود، ضمن شروطٍ خاصةٍ، وأهمُّ هذه الشروط كان معاملُ عاملِ السيادةِ.
بالطبع تختلفُ عاداتُ الأقاليمِ باختلافِها، لكنّ بوسلان كانت على هذا النحوِ بلا لبسٍ.
فهل تتصورُ كم كان ذلك مُرهقًا؟ أمرٌ مُذلّ أن تعيشَ سورا أميرةً، وهي التي لا تنالُ بركاتِ القدرةِ الجذريةِ أبدًا، لمجرّد أن معاملَها أعلى قليلًا وأنها تملكُ بعضَ الحِيلِ الصغيرةِ.
ولم تكن طبائعُ أهلِ بوسلان قابلةً للتسامحِ مع الاختلافِ، فكان اندماجُها مُستحيلًا، وشخصيّتها نفسُها كانت عائقًا في ذلك.
لم تُربِ سورا قلبًا مُخلصًا لكميلَ كأمٍّ، ولم ترغب أن تُعامَل ككائنٍ مُهانٍ مُذلولٍ أمام أعينِ قومٍ يرفضونها.
لذلك، وبعدَ أربعةٍ وأربعينَ سنةً من حياتها اتخذت قرارَها: إن كانت قيودُ الرنينِ العكسيِّ تحولُ دون أن تقومَ بدورها، فلماذا إذًا تبقَى هذه السيجيل؟ أليس من الأفضلُ أن تُمحى؟
كان لقاءُها بأوسما نقطةَ تحوّلٍ كبيرة.
فأوسما فقد سيجيلَه لأسبابٍ جسدية، وابتُلي بعدها بتداعياتٍ مرعبةٍ طويلةٍ، حتى صار نصفُه مفصولًا عن وعيه، فشرعَ في أبحاثٍ تقضي على سيجيلِ العضوِ في الجسدِ كليًا، فطور دواءً يُضعفُ وظيفةَ العضوِ تدريجيًا.
كانت نظريتُه تقول: إن واصلَ المرءُ حقنَ الدواءِ لفترةٍ طويلةٍ فستتوقّفُ أفعالهُ، ويختفي العضوُ فتتبقى آثارهُ فقط ولا يعودُ يُنتجُ العنصرَ بعدُ.
ثمة مخاطرةٌ قاتلةٌ تمثّلُ في أن يصبحَ المرءُ إنسانًا عاديًا تمامًا، كما أن الدواءَ كانُ حديثَ التطويرِ، فربما تحملُهُ آثارٌ جانبيةٌ كامنة. ومع ذلك، إن رغبتْ لِذاتها، فكانت ثمة إمكانيةٌ للانضمامِ لتجربةٍ سريريةٍ غيرِ قانونيةٍ.
طوى أوسما مخططاته، ثم أردفَ بإيجازٍ حازم،
”بيدَ أنَّ ما لا طائلَ منه، لا نفعَ يُرتجى فيه. عودي إليَّ بَعد انقضاءِ شهرٍ.”
قالت سورا بلهجةٍ شابَها المُزاح،
“إنَّ في حديثكَ هذا ما يبعثُ على الانقباض.”
”ليس المكبوتُ هاهنا سوى تلكَ السماءِ القابعةِ في الخارج.”
نهضت سورا وهي تَمُسُّ خاصرتَها التي أضناها الألم، وتناولت مِعطفَها، حينها بَدَت على مُحيّا أوسما أماراتُ ذِكرى مباغتة، فاستدرك قائلًا على عَجَل،
”على ذِكرِ ذلك يا سورا، أما زلتِ تَنكبِّينَ على ذاكَ الأمر؟”
تسمَّرت خُطاها وهي تُقحمُ ذراعَها في كُمِّ المِعطف؛ فقد كان المقصودُ بـ “ذاك الأمر” شأنًا واحدًا لا يخطئه الذهن.
”ولِمَ التساؤل؟”
”آه، لغايةٍ في نفسي. هل سَتَشهدينَ مراسمَ إحياءِ الذكرى هذه المرّة؟”
أومأت سورا ببطءٍ.
جرتِ العادةُ أن تُقامَ شعائرُ التأبينِ السنويةِ في رِحَابِ القصرِ الإمبراطوريّ، حيثُ يُطلُّ الإمبراطورُ “سيفير” بطلعتهِ على الملأ، في مَحفلٍ نادرٍ يجمعُ شتاتَ أعيانِ “بيردان”.
وفي ذلكَ المحفل، يحتشدُ سائرُ أميراتِ وحُرّاسِ “بيردان” قاطبةً، إحياءً لذكرى مَن قضى نحبَهُ من الأميراتِ والحُماةِ الأوفياء. وكان مِيقاتُ تلك المراسيمِ قد دنا، إذ لم يَعُد يفصلُ عنها سوى خمسةَ عشرَ يومًا.
“إنْ أذنتْ لي أمي بالتخلّفِ عن الحضورِ فقد أُؤثرُ الغياب، أما إن كانَ أمرًا جازمًا فلا مفرَّ من الامتثالِ على كُرهٍ مني”
وكان “أوسما” دأبُهُ الصمتُ وقلةُ الكلام، ولعلَّ ما كابَدَهُ من صخبِ قاطني المنطقةِ الخامسةِ، بين بائسٍ وخارجٍ عن القانون، قد أثقلَ كاهلَهُ؛ لذا كان هو الملاذُ الذي يُرتكنُ إليهِ وسيطًا حكيمًا حينَ تشتدُّ الخطوبُ وتستدعي الأمورُ ثقةً ويقينًا.
”ما جليّةُ الأمرِ على وجهِ الدقّة؟”
أجابَ وهو يُزيحُ حوافَ الصحائفِ المرصوفةِ على مكتبه،
“ليسَ بالخطبِ الجسيم؛ ثمّةَ مَن أعرفهُ ينشدُ العثورَ على شخصٍ يمتلكُ الكفايةَ للاضطلاعِ بمهمةٍ شائكة، ولذا…”
التفتت سورا نحوَهُ بوئيدِ الحركة، وفي مآقيها، ومن خلفِ أستارِ السأمِ والوجل، اختلجت جذوةٌ من حماسٍ مكبوت.
Chapters
Comments
- 1 منذ يوم واحد
- 0 - - الفصـــل التروِيجي 2026-01-27
التعليقات لهذا الفصل " 1"