ما إن قاطع وينتر الحديث حتى قطّب جوزيف حاجبيه بضيق واضح ..
«كنتَ دائمًا مجردَ نفسك ، كائنًا لا يتغيّر بإصرارٍ يكاد يكون مرضيًا ، وحتى الآن ، وأنا أراك ماثلًا أمامي ، أُدرك هذه الحقيقة من جديد وبعمقٍ مؤلم …»
كان صوته الخالي من أي نبرة صعود أو هبوط يوحي وكأنه يكبت غضبًا هادئًا في كل حرف ينطق به ..
وينتر أورشيوس الذي يقف أمامنا لم يكن كائنًا يمتلك مشاعر حية بقدر ما كان مكوَّنًا من ذكرياتٍ عن مشاعر شعر بها في الماضي ..
ومع ذلك ، كان يحمل كراهية طاغية تجاه جوزيف ، كل ما تعرّض له على يديه ، وكل ما شعر به عبر ملايين مرات الرجوع بالزمن ، كان مخزّنًا كحقيقة واحدة هائلة ..
جوزيف لوهيا عدو ..
بالنسبة لوينتر أورشيوس ، لم يكن سوى سمٍّ خالص لا يحمل أي خير ..
«لكن لماذا تسأل عن هذا أصلًا؟»
بدأت نبرة السخرية تتسلل شيئًا فشيئًا إلى صوت وينتر ، وبحدسه الحاد ، التقط جوزيف ذلك فورًا، فتحوّل تعبيره بدوره إلى عداءٍ أكثر صراحة ..
«ماذا كنتَ تتوقع؟ أن أسرد لك كيف كنتَ في خط زمني آخر؟ انظر إلى نفسك الآن ، هل تظن أنك كنتَ مختلفًا هناك؟»
فتح جوزيف فمه ببطء ..
«كنتُ ، على ما أذكر ، أتحدث مع إيزانا…»
توقّف قليلًا ، ثم ضحك ضحكة قصيرة ..
«حسنًا ، إن كان سموّ الدوق مصرًّا على التدخل في الحوار.»
لكن ابتسامته بردت بسرعة ..
«لا يمكن أن يكون الأمر كذلك ، لو كان “أنا” في الخطوط الزمنية الأخرى مماثلًا لما أنا عليه الآن ، فلماذا كان سموّ الدوق دائمًا…»
أزاح جوزيف شعره بخفة ، وفي عينيه بلون الطوب بدأت تظهر بوضوح تلك العداوة والاستياء اللذان تعمّد إخفاءهما طويلًا …
«ينظر إليّ وكأنه يريد تمزيق رأسي بأسنانه؟»
«لا أفهم ، ما المشكلة في ذلك؟»
قال وينتر وهو يميل برأسه فعلًا ، كأنه لا يفهم حقًا ، ثم عادت عيناه الباردتان لتتجاوزا جوزيف وتتجهان إليّ ..
«إيزانا ، هل ارتكبتُ خطأ ما؟»
ازدحمت الأفكار في رأسي ، لكن لم يكن لديّ متسع للصمت طويلًا ، ففتحتُ فمي بعد أن انتقيت كلماتي بحذر ..
«أخي… في كثير من الخطوط الزمنية كان في ظروف تكاد تكون مطابقة لما نحن فيه الآن ، ذهب معي إلى الإمبراطورية الشمالية ، وعاش كما عاش حتى هذه اللحظة …»
منذ أن استيقظتُ حقًا وحتى الآن ، قال وينتر إن جوزيف في جميع تلك الخطوط الزمنية كان هو جوزيف الذي أعرفه اليوم ..
لقد عانى وينتر طويلًا من الإحباط أمام هذا الثبات الغريب لجوزيف لوهيا عبر الزمن ، فكيف تقبّل أن وجودي وحدي غيّر كل شيء إلى
هذا الحد؟
بسببي ، اضطر وينتر إلى إبقاء جوزيف قريبًا منه سبع سنوات ..
بل خطر لي أن وينتر ربما كان ينتظر هذه اللحظة بالذات—اللحظة التي يعجز فيها جوزيف عن كبح طبيعته وينفجر أخيرًا ..
«لكن في عددٍ أكبر من الخطوط الزمنية… كان عليك أن تبقى إلى جوار الجد فترة أطول ، أظن أنك تفهم ما يعنيه ذلك أكثر من غيرك …»
«ألا يمكنكِ أن تخبريني بصراحة؟»
أشار جوزيف إلى أنني ، حتى الآن ، ما زلت أتحاشى الكلام المباشر ..
«حتى في هذه اللحظة ، ما زلتِ تخفين عني شيئًا ، إيزانا ، كم مرة يجب أن أكرر؟ أنا أحاول مساعدتكِ الآن …»
كان في صوته شيء من الشفقة ، يتظاهر بالهدوء ، لكنه في مواجهة ريحٍ عاتية
كان يتوسّل بصمت ..
«صحيح أن هُويريون خلقكم ، لكنه في النهاية مجرد جبان لم يستطع حلّ الأمر بقوته ، فألقى بالمسؤولية والتضحية على مخلوقاته ، ومنذ تلك اللحظة ، كانت كل خططه محكومة بالفشل سلفًا.»
«نصف كلامك صحيح ، ونصفه خاطئ ، يا أخي ، هذا… أمر أكثر تعقيدًا ، وفي النهاية هو شيء لا بد أن أحلّه أنا ووينتر ، أمر لا يمكن لأحد سوانا أن يقوم به …»
«مهما حاولتم ، ما دمتم داخل القواعد التي وضعها هُويريون فلن تُحلّ الأمور أبدًا على نحوٍ سليم ، وأنا فقط أريد مساعدتكما.»
أغمضتُ عينيّ بهدوء ..
«إذًا ، ماذا تريد أن تفعل في هذا الوضع؟»
«كما أنقذتِني في الماضي ، أريد أنا أيضًا أن أنقذكِ…»
«…إنقاذي؟ وكيف ستفعل ذلك؟ ما تقترحه يعني إنكار كل ما نفعله.»
هززتُ رأسي ، فتكسّرت كلمات جوزيف التائهة في الهواء ..
«أنت لا تستطيع الرجوع بالزمن ، وفي النهاية لن تفهمنا …»
«هذا مجرد عذر …»
تمتم جوزيف بغضب ..
«لقد أرسلتُ جدّنا بيدي هذه ، ومع ذلك فهمتِني وتغاضيتِ عني ، ليس عليكِ أن تعيشي كل شيء كي تفهميه ، أنتِ فقط لا تريدين أن تمنحيني فرصة… ولا حتى هامشًا صغيرًا.»
«كل ما نحتاجه هو ألا يوجد ولو شخص واحد يعرف بعودتنا بالزمن …»
…كنت أعلم ذلك ، ومع ذلك اخترت الإجابة الخاطئة ، لأنه لم تكن هناك إجابة صحيحة من الأساس ..
هل لم يوجد منذ البداية خيارٌ صحيح من أجل جوزيف لوهيا؟
أم أنني ، منذ لحظة ما ، واصلت اختيار الخيارات الخاطئة فقط ، حتى أصبحت الأمور غير قابلة للإصلاح؟
كل ما كان بوسعي فعله هو أن أتمنى فقط ألا يكون ما اخترته هو الأسوأ ، بل أهون الشرّين ..
«تكذبين عليّ ، وتخفين الأمور ، أنتِ تمامًا مثل جدي ، إيزانا.»
نظرة جوزيف الموجهة إليّ بردت أخيرًا .
«والآن ، بعد كل هذا ، إن تصرفتِ معي بهذا الشكل فـ……»
لم يُكمل جوزيف كلامه ، بل أغلق فمه ، ثم حدّق بي بعينين لا يمكن وصفهما ، ومع الضوء الأصفر الذي انتشر من تحت قدميه اختفى جسده سريعًا
كان سحر انتقالٍ فوري ..
وبما أن جوزيف ، مثلي ، يعاني من حساسية تجاه الانتقال الفوري ، فهو لا يستخدم هذا السحر أبدًا إلا في أضيق الظروف ..
فهل كان تحمّله له هذه المرة دليلًا على أن هذا الوضع لا يُحتمل بالنسبة له؟
«إنه أول مرة أرى فيها جوزيف لوهيا بهذا الوجه.»
«تبدو وكأنك تشعر بقدرٍ غريب من الارتياح.»
لم ينفِ وينتر ذلك ، بل اكتفى بالصمت ..
«أخي جوزيف… ماذا سيفعل الآن؟»
«…لأنها كانت أول مرة أرى فيها جوزيف لوهيا بتلك التعابير ، أظن أن الأفضل هو مراقبة الوضع في الوقت الحالي ، على أي حال ، إذا أردنا مواجهة نِين ، فنحن بحاجة إلى جوزيف لوهيا …»
نِين ، سيد الصَدَف الصاعد في الإمبراطورية الشرقية ..
ذلك الكائن الذي يتقن الأوهام ، ويفرض — على نحوٍ ساخر — عقوبة قاسية تجعلنا في وضعٍ أسوأ كلما زاد عدد من يواجهونه ..
نِين يلتهم المشاعر السلبية كافة؛ الألم ، والخوف ، والوحدة ، ويُظهر الأوهام ، ولهذا كان جوزيف هو الأنسب لمواجهته ..
لكن……
«هل ما زلت تعتقد أن أخي جوزيف قادر على مواجهة نِين في حالته الحالية؟»
تعبير وجه جوزيف وهو يختفي خلف دائرة الانتقال الفوري ..
ربما… ربما كنتُ قد جرحتُ جوزيف جرحًا عميقًا.
«إن كان بسببي قد وُجد نين منفذ ليتسلل إلى جوزيف……»
«إيزانا ، جوزيف لوهيا ليس من هذا النوع من الوجود …»
هزّ وينتر رأسه بحزم ..
«بعد قليل فقط ، ستفهمين ، سبب اضطرار الأمور لأن تنتهي هكذا ، جوزيف لوهيا مختلف في جوهره ، وكأن أحدهم تعمّد تحطيمه……»
«تعمّد تحطيمه؟ ماذا تقصد؟»
أمسك وينتر بيدي وسحبني ببطء إلى حضنه ، ثم ، بعد تفكير طويل ، باح لي بواحدة من فرضياته ..
«أبيلِسك ، الذي كان يُدعى هويريون قبل أن يصبح حاكماً شريرًا ، استخدم حِيَلًا ليمنع المنقذين الثلاثة الذين خلقهم هو نفسه في الماضي ، ونتيجة لذلك ، انقسمت روح [أمبيلوس] إلى نصفين وُلد بهما كتوأم ، وحمل قوة شديدة الاضطراب ..>>
«هل تقصد أن مخالب أبيلِسك لم تمتد إلى [أمبيلوس] وحده؟»
«بالضبط ، ومن المؤكد أنه أراد إضعاف [إيغريو] أيضًا ، أظن أنه أخفاكِ عني لفترة طويلة ليُضعفني.»
كنت أفكر أصلًا أن مصيرًا كهذا قاسٍ ومشؤوم على نحوٍ مبالغ فيه لمن اختارهم الحاكم ..
تذكّرتُ هيئة “ذلك الوجود” المدفون في أعماق البحر ، وفجأة شعرت وكأن ضربة أصابت بصري فغشا ، فأخفضت رأسي على عجل لأبعثر أفكاري.
«لقد عدّل توقيت ظهور نجم [ماتيريا] ليُخفي وجودكِ ، وجعلكِ تعيشين كالبطة القبيحة المنبوذة في منزلكِ ، وأنا ، الذي لم أستطع لقاءكِ ، خضت صراعًا طويلًا مع الزمن وحيدًا ، وتيهت طويلًا ، وكنتُ مجنونًا لفترة طويلة ، إن كانت هذه مكيدة أبيلِسك ، فيمكن القول إنها نجحت إلى حدٍّ كبير.»
«إذًا ، ماذا فعل بي أنا؟»
«لا بد أنه استخدم حيلة سطحية حتى مع [ماتيريا] شيئًا يتجاوز مجرد التلاعب بتوقيت ظهور النجم ، وربما كان ذلك هو……»
«تقصد أن الأمر قد وصل إلى حد تدمير إنسانية الأخ الذي وُلد عبقريًا نادرًا لا يظهر إلا مرة كل ألف عام …»
أومأ وينتر برأسه ..
«إن كنا نحن قد تلقّينا اختيار هويريون ، فربما كان جوزيف لوهيا قد تلقّى اختيار أبيلِسك ، وأصبح وجودًا مُقدّرًا له حتميًا أن يقف في طريقنا.»
التعليقات لهذا الفصل " 215"