كنتُ أربّت بهدوء على بطن يوبيل الغارق في نومٍ عميق ، لكنني لم أحتمل تلك النظرة الحارّة فرفعت رأسي ..
كان وينتر متكئًا عند النافذة ، يحمل بين ذراعيه باقةً كبيرة من الزهور لا يُعرف من أين جاء بها ..
كان قد دفن نصف وجهه بين بتلاتها ، كأنه يتذوّق عبيرها ، غير أن عينيه وحدهما ظلّتا ثابتتين عليّ بلا تردّد ..
«على الرغم من أنني التقيتُ بكِ مراتٍ لا تُحصى عبر زمنٍ ليس بالقصير ، إلا أنني لم أقدّم لكِ الزهور ولو مرة واحدة ، لم تكن لديّ فسحة لذلك في السابق …»
من بين عددٍ لا يُعرف من إيزانا لوهيا ، أنا أول إيزانا لوهيا تتلقى الزهور منه ..
«وهل يعني هذا أنك أصبحتَ تملك تلك الفسحة الآن؟»
لم أشعر بأي فرح ..
بل على العكس ، راودني إحساس بأنه أخيرًا ، وفي هذا الخط الزمني بالذات ، قد تخلّى عن كل شيء ..
«لماذا؟ نحن لم نحلّ أي شيء بعد ..»
تجنّبتُ نظر وينتر من جديد ..
«لا أملك متّسعًا لتلقّي تلك الزهور ..»
وسرعان ما وضع وينتر الزهور التي جلبها في المزهرية الوحيدة التي كانت تقف وحيدة عند النافذة ، كانت شمس الغروب المتلألئة توشك أن تختفي ..
«ستختفي وتتركني ، إن لم يكن الآن ، فسيأتي يوم تختفي فيه حتمًا …»
«لقد اختفيتُ بالفعل …»
ابتسم وينتر ابتسامة خفيفة ..
«قلبي قد التهمه بالفعل “الحاكم المنسي”. هل نسيتِ ذلك؟»
«هل ظهرتَ أمامي فقط لتقول لي مثل هذا الكلام البارد ، وأنا أحاول جهدًا أن أهدّئ قلبي بالانشغال بأمورٍ أخرى؟»
تابع وينتر حديثه غير آبه ، وكل كلمة كانت كخنجرٍ يغوص في صدري ..
«الذي يقف أمامكِ الآن ليس كيانًا تحرّكه مشاعر الحب ، بل كيان مكوَّن من ذكريات أنه كان يحبكِ …»
وكان ذلك صحيحًا ..
القلب الذي كان يمكّنه من الإحساس بمشاعره قد اختفى بالفعل ..
منذ اللحظة التي التقى فيها بي ، ثم بأغريسين ، ظلّ يسكب جزءًا من ذاته فيه ، ويكرّر عملية شطر نفسه إلى نصفين آلاف المرات ..
وفي كل تلك الحيوات التي بلغت الآلاف ، عاش وينتر في كل مرة ما يقارب سبع سنوات في جسدٍ لا يشعر بالمشاعر ..
ومع ذلك ، كان يتخذ في كل مرة الخيار ذاته ، ويأتي من أجلي بالطريقة نفسها ..
‘إذًا ، لا بد أنكَ… أنتَ حقًا لي…’
لكن وينتر سحق أملي الصغير ذاك بواقعٍ قاسٍ ، كان لطيفًا بلا حدود ، وباردًا بلا رحمة ..
«أنا الآن لا أستطيع الإحساس بالمشاعر ، لكنني بلا شك أكنّ لكِ عنايةً تفوق كل شيء ، وأشعر بعداء تجاه الكائنات التي تزعجنا ، غير أن ذلك يختلف قليلًا عن المشاعر بحدّ ذاتها.»
«……»
«أساس أفعالي قائم على بقايا الأفكار والندوب التي خلّفها القلب الذي لم يعد موجودًا ، لعلّه نوعٌ من التنويم الذاتي ، المؤكد أنني الآن أقرب إلى دمية صُنعت بخياطة رقعٍ اسمها الذكريات.»
كان يقول ما يعرف أنه سيحزنني ، ومع ذلك ينطق به بلا تردّد …
نعم… لعلّ وينتر أورشيرس الذي أريده قد اختفى بالفعل ..
«إيزانا ، إن كنتِ عاجزة عن التقدّم خوفًا من اختفائي ، فذلك تردّد بلا معنى ، أنا ، الذي تريدينه وتتمنّينه ، ربما اختفيتُ بالفعل.»
لا ..
لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا ..
قبضتُ يديّ بقوة وسألته وكأنني أجادله:
«إن كنتَ حقًا لا تعدو كونك محاكاة لمشاعرٍ بقيت في الذاكرة ، فلماذا تخلّيتَ بإرادتك؟»
«……»
«إن كنتَ تتصرّف فقط اعتمادًا على عهودٍ وقراراتٍ ماضية بلا مشاعر ، فلا يحق لك أن تتخلّى هكذا من تلقاء نفسك ، إن كنتَ مجرد قشرةٍ بلا إحساس ، أليس من الخطأ أن تتخذ قرارًا كهذا وحدك؟»
مرّت بي نظرةٌ فارغة ، لكنها لطيفة ..
«حبي لكِ هو أمنيةٌ تركتها لمساعدتكِ ..»
…أليس هذا الكيان الذي أمامي أشبه بوصيّةٍ حيّة؟
لم تبدُ عينا وينتر حزينتين على الإطلاق
لا بد أن ذلك أيضًا لأنه فقد قلبه ..
كان هادئًا وساكنًا بلا نهاية ، وكما قال هو ، فإن قلبه قد تآكل عبر الأزمنة الطويلة حتى صار قيدًا يعذّبه بدل أن ينقذه ..
لا يمكن القول إن هذا هو كل شيء ، لكنه كان جزءًا من الحقيقة ..
إن لم تكن حزينًا… هل عليّ أن أتّخذ من ذلك عزاءً؟
«إيزانا ، تابعي التقدّم ، لا أريد لكِ أن تُحجري في الزمن مثلي.»
بدلًا من الرد ، استلقيتُ ببطء ، أغمضتُ عينيّ وأخذتُ نفسًا عميقًا ، ثم ربّتُّ بخفة على المكان إلى جانبي ..
جاء وينتر بلا تردّد واستلقى إلى جواري ..
واجهته وهمست:
«…لاحقًا ، إن سارت الأمور كلها على ما يرام ، ووصلنا إلى ما بعد النهاية ، وإن وجدتُ نفسي هناك وحيدة… فسألتقي رجلًا آخر.»
تأمّلني وينتر بصمت ، ثم سأل بحذر:
«هل تسمحين لي بأن أكون صريحًا؟»
«…اخبرني.»
«لن تكتفي بوجهٍ آخر ، هذا استنتاج توصلتُ إليه بعد أن راقبتكِ آلاف المرات.»
وأضاف وينتر بنبرة فيها شيء من الوقاحة:
«لذلك ، في الحقيقة ، لا أشعر بالقلق ، ستقضين عمركِ كله غير قادرة على نسيان هذا الوجه ، وأنا لن أسمح لأحد أن ينتزعكِ مني.»
اتسعت عيناي من الصدمة وانفتح فمي دون قصد ..
«…ألا يعدّ ذلك أنانيًا جدًا؟»
«المشاعر المسجَّلة في ذاكرتي من هذا النوع ، لا بد أنكِ تعرفين ذلك الآن.»
ابتسم وأغمض عينيه ..
«هذا هو النوع الوحيد من الحب الذي يستطيع وينتر أورشيرس أن يقدّمه.»
بعد أن أغمض عينيه ، لم تمضِ فترة طويلة حتى أصبح نَفَسه أكثر هدوءًا وانتظامًا ..
…كان نائمًا ، وينتر أورشيرس لم يكن كائنًا ينام أصلًا ..
السبب في أنه لم يكن ينام هو أن تكرار ما عاشه عبر السنين الطويلة في أحلامه كان أمرًا مروّعًا ،
لكن بعد أن فقد قلبه ، لم يعد يخشى ذلك بعد الآن ..
بدا وينتر مسالمًا ، وبوجهٍ لم أره من قبل وهو نائم ، بقيتُ إلى جواره أسهر طوال الليل ، وقد عزمت أمري ..
وحين فكّرتُ في وينتر الذي لا بد أنه قضى كل ليلة كما قضيتُ أنا هذه الليلة ، بدا الليل قصيرًا على نحوٍ مدهش ..
—
كان ذلك في صباح اليوم التالي ..
عندما رفعتُ رأسي على صوت طرقٍ خفيفٍ على الزجاج ، اتّسعت عيناي رعبًا حين التقت نظراتي
بـ نوي ، الذي كان متدلّيًا رأسًا على عقب من غصن شجرة قريب من النافذة ..
كنتُ متيقنة أنني قد استيقظت تمامًا ، لكنني تعمّدت ألا أوقظ وينتر الذي كان ما يزال مستلقيًا مستريحًا ، نهضتُ بحذر وفتحتُ النافذة ، وبادرتُ مسرعةً بالتبرير:
«هذا لا يهم ، أذني حادّة ، ولو كنتم قد ارتكبتم شيئًا مزعجًا معًا، لكنتُ قد رميتُ حجرًا على النافذة فورًا ، المشكلة ليست هناك ، بل في أخيكِ الثاني.»
«أخي جوزيف؟ صحيح ، ماذا حدث؟»
لم تكن إجابته هي ما تمنّيتُ سماعه ..
«البارحة نام بعد أن أشعل سيرافين ، لذلك لم أستطع فعل شيء في حلمه.»
«جوزيف استخدم السيرافين؟ لم يفعل ذلك ولو مرة واحدة من قبل.»
«صحيح ، لقد مرّ أكثر بقليل من شهر منذ آخر مرة دخلتُ فيها حلمه ، وحتى ذلك الحين ، لم تكن هناك أي إشارات مريبة.»
كلما ازداد الظل على وجه نوي ، ازداد وجهي تصلّبًا بدوري ..
«وليس هذا فحسب ، كان غريبًا داخل الحلم.»
يُستخدم السيرافين في الأساس لأغراض المتعة ،
فهو وسيلة لتحقيق الرغبات التي لا يمكن إشباعها في الواقع ، عبر الدخول في حلمٍ واعٍ يسمح فيه الخيال بالتمتع باللذة بحرية ..
ولهذا السبب بالذات ، بدا استخدام جوزيف للسيرافين أمرًا غير طبيعي ..
«كانت رائحة السيرافين واضحة ، لكن إن لم أفعل شيئًا داخل الحلم فلن يشعر بالريبة ، لذلك اختبأتُ وراقبتُ لأعرف لماذا أشعل السيرافين.»
لم يكن بإمكان نوي أن يستخدم قواه بحرية داخل حلم شخصٍ يستعمل السيرافين ..
فعند استخدام السيرافين ، يدخل المرء في حالة حلمٍ واعٍ ، ومع إدراكه أنه يحلم يصبح قادرًا على فعل أي شيء يريده ..
وفي مثل هذه الحالة ، لو عبث نوي بالحلم كما يشاء ، لانكشف فورًا وجود دخيلٍ لم تتم دعوته إلى الحلم ..
لكن بمعنى آخر ، ما دام لا يغيّر الحلم بتهوّر ، فيمكنه على الأقل التلصص على محتواه ..
فرك نوي جبينه وتمتم:
«لكن ذلك الوغد ، لم يفعل شيئًا في الحلم ، ظل واقفًا ساكنًا حتى استيقظ.»
«ماذا تعني بأنه لم يفعل شيئًا وبقي ساكنًا؟»
«أعني حرفيًا أنه كان واقفًا بلا حراك ، يحدّق في الفراغ ، بدا كمجنون ، تخيّلي ، يشعل السيرافين ويصل إلى حلمٍ واعٍ ، ثم لا يفعل شيئًا! في البداية ظننتُ أنه شارد الذهن أو غارق في همٍّ كبير ، لكن… لم يكن الأمر كذلك.»
التعليقات لهذا الفصل " 210"