«أنا فقط أفعل ما تريده هي ، لذلك من الأفضل أن توجّه السؤال إليها لا إليّ ..»
بكلمات دوق أورشيوس ازداد يأس بوريس عمقًا ، كان بحاجة إلى جوابٍ واضح ، لم يعد يحتمل ذلك الغموض الذي لا يعرف فيه ما الذي سيحدث ولا كيف سينتهي الأمر ، كان مستعدًا لأن يقبل أي إجابة ، من أي شخص ، المهم أن تكون حاسمة ..
ماذا عليّ أن أفعل لأخرج من هذا الوضع؟
كان يدرك جيدًا أنه لا يمكنه العودة إلى الأيام التي لم يكن يعرف فيها شيئًا ..
منذ أن عرف حقيقة أصله ، عاش بوريس طوال الوقت كدميةٍ في يد أمه ، كل ما استطاع فعله كان مجاراتها ، ومحاولة كبح جماحها عند حدٍّ خطير ، فقط كي لا تنفلت تمامًا ..
لكن حتى هذا انتهى الآن ..
لقد عقدت العزم أخيرًا على أن تُظهر بوريس للعالم على أنه الابن الوحيد للإمبراطور ..
«لماذا لا تريد أن تصبح وريث جلالة الإمبراطور؟ إنه منصب تستطيع فيه أن تفعل أي شيء كما تشاء.»
«……»
«كنتَ تريد ذلك من قبل ، أليس كذلك؟»
عند سؤال إيزانا ، انفجر غضب بوريس ، فضرب الحائط بقبضته المشدودة بقوة ..
«متى قلتُ إنني أردت ذلك؟»
ورغم قوله هذا ، تزعزعت ثقته بنفسه قليلًا ، وسقط في دوامة من التفكير …
منصب تستطيع فيه أن تفعل أي شيء كما تشاء
ربما… ربما ما كان يريده فعلًا هو مكانة تسمح له بأن يفعل أي شيء بلا قيود ..
«أنا… كنتُ أريد فقط أن أصبح قويًا ، أن أكون الأقوى من الجميع……»
لقد كان بوريس يتوق إلى القوة بصدق ..
لأنه مرّ بلحظة أدرك فيها ، بمرارة ، أنه إن لم يكن قويًا فلن يستطيع حماية أحد ..
—
منذ صغره ، كان يُستدعى طوزيف كثيرًا إلى بيت جده لأمه ، الكونت بلو بيل ، لم يفكّر بوريس يومًا بعمق في سبب حبّ جده لجوزيف على وجه الخصوص ..
فالأمر كان طبيعيًا في نظره؛ جوزيف كان ذكيًا بشكل لافت حتى بعين بوريس نفسه ، وكان بوريس فخورًا بذلك الأخ الذكي ، فلم يظن أن الجد سيكون مختلفًا ..
«جوزيف ، في المرة القادمة التي نلتقي فيها ستكون قد كبرتَ كثيرًا مجددًا.»
الشيء الوحيد المؤسف هو أن جوزيف كان يمكث في بيت جده لأشهر ، ما يعني أنهما لا يستطيعان اللعب معًا كثيرًا ..
«اليوم لنبقَ مستيقظين حتى الليل ونتدرّب على السيف ، بما أننا لن نستطيع فعل ذلك لعدة أشهر ، فلنُعوّض كل شيء دفعة واحدة.»
«أخي.»
وفي أحد الأيام ، ولمرة واحدة فقط—
«أخي ، لا أريد أن أذهب.»
كانت تلك أول مرة تخرج فيها كلمة «لا أريد» من فم جوزيف ، الذي اعتاد تنفيذ كل طلبات الكبار بإخلاص ومن دون تذمّر ..
لكن تعبير وجهه حين قالها كان تمامًا مثل تعبيره حين ودّع مبتسمًا وهو يتبع الكونت بلو بيل ..
لم يسأل بوريس عن السبب ، ولا عمّا إذا كان قد حدث شيء ، هل يحتاج عدم الرغبة إلى سبب أصلًا؟
«حقًا؟ إذن لن نذهب.»
«……»
لم يكن بوريس يحب الابتعاد طويلًا عن جوزيف هو الآخر ، فظنّ أن الأمر لا يتعدّى ذلك ، أن تكره الفراق لا يحتاج إلى سببٍ خاص ..
توجّه بوريس مباشرة إلى الكونت بلو بيل ..
«جدي ، من فضلك لا تأخذ جوزيف معك.»
لم يكن بوريس يحب الكونت بلو بيل ، فهو لم يُظهر له أي مودة تُذكر ، بل كان دائمًا يأخذ جوزيف بعيدًا ويفصله عنه ..
«بوريس ، ولماذا يجب على هذا الجد أن يستمع إلى كلامك؟»
«لأن جوزيف لا يريد الذهاب.»
«ولهذا أسألك: لماذا عليّ أن أستمع إلى كلامكما؟»
لماذا كل هذا الكلام؟ الأمر بسيط!
الكبار غالبًا ما يكونون ثرثارين ، ومعظم ما يقولونه أمور لا يمكن لبوريس أن يفهمها أبدًا ..
ولذلك ، وفي نوبة غضب ، قال كلامًا يشبه ما يقوله الكبار ، وكان ذلك بداية المشكلة ..
«لأنني ابن دوق لوهيا الصغير ، سأصبح دوق روهيا التالي ، أليس كذلك؟ وعائلة بلو بيل أدنى من لوهيا.»
«هاهاهاهاهاها!»
ضحك الجد حتى كادت لحيته تلتف من شدة الضحك ، كان صوت ضحكه مزعجًا إلى حدٍّ جعل بوريس يرغب في سدّ أذنيه ..
وبعد وقتٍ طويل ، بالكاد توقّف الجد عن الضحك ، ثم نظر إليه بازدراء كأنه حشرة ، وأطلق ضحكة ساخرة ..
«أطرف ما سمعته في الآونة الأخيرة ، كنت أظن أنك لا تجيد شيئًا واحدًا ، لكن يبدو أن لديك موهبة في إطلاق النكات.»
«جدي ، ما الذي يضحكك؟ لا يهم ، إن كنتَ ستذهب ، فاترك جوزيف هنا!»
«وإن قلتُ إنني سأأخذه ، فماذا تستطيع أن تفعل؟»
اندفع بوريس غاضبًا يركل ساقي جده بعنف ، لكن الجد لوّح بيده مرة واحدة فقط ، فطار بوريس بعيدًا وسقط أرضًا بقسوة ..
«سأسدي لك نصيحة واحدة يا بوريس ، احفظها جيدًا ، فمقارنتها بتهامس أمك البائس وهو ناتج عن هذيان ، فهي نصيحة تساوي ألف قطعة من الذهب.»
«…أوغ… أيُّ جدٍّ هذا الذي يفعل هذا بحفيده!»
«من الأفضل لك أن تصبح قويًا.»
كان تعبير وجه الجد وهو يقول ذلك أشبه بمن ينظر إلى دودة حقيرة ..
اندفع بوريس بدافع العناد مرات عدة ، لكنه في كل مرة لم يستطع حتى أن يلمس طرف ثوب الجد ..
«إن لم تطبق أسنانك وتحاول أن تصبح قويًا ، فلن يكون هناك شيء واحد تستطيع فعله كما تشاء ، ولن تقدر على حماية أي شيء أيضًا ، هذا هو المصير الذي ينتهي إليه معظم الأطفال مثلك: يُساقون ويُسحَقون ثم يموتون.»
وفي النهاية ، ارتطم بوريس بجدارٍ حجري ، وبينما كان يفقد وعيه ، انغرست في ذهنه عبارة واحدة بوضوح لا يُمحى:
«تذكّر ، الشيء الوحيد الذي تملكه حقًا هو
هذا الجسد الذي وُلدتَ به.»
منذ ذلك اليوم ، وبعد أن فقد وعيه ، اندفع بوريس إلى التدريب وكأنه مسحور ، كان يحب المبارزة بالسيف أصلًا ، لكن شعورًا لا يمكن تفسيره من الإلحاح واليأس بدأ ينمو في قلبه ..
وكان هناك أخٌ آخر أيضًا ..
«يا مربيتي ، من تلك الطفلة الموجودة في تلك الغرفة؟ تبدو قذرة ولا تستطيع الكلام جيدًا ، ألا يمكن إخراجها؟ أريد أن ألعب معها.»
«الطفلة في تلك الغرفة هي… ابنة الدوقة.»
«إذًا فهي أختي ، أليس كذلك؟ وما المشكلة في ذلك؟ بل هذا سبب أقوى لإخراجها! ماذا تفعلون؟ تبدو متسخة، اذهبوا واغسلوها ثم أحضروها.»
«لا يمكن ذلك ، سيدي الصغير.»
كان الكبار يمنعونه دومًا بكلمات لا يفهمها ..
«الآنسة في الداخل ليست من نسل الدوق ، ولذلك لا يمكن إخراجها من تلك الغرفة.»
«ما هذا الكلام؟ افتحوا ذلك الباب أولًا وبسرعة!»
«لا يمكن.»
لا يمكن ..
ممنوع ..
تراجع ..
…بالكلام وحده لم يستطع مجابهتهم ، أكان هذا هو معنى كلام الجد؟
بالمكانة التي يملكها ، وبعقلٍ لا يضاهي ذكاء جوزيف ، لم يكن بوريس قادرًا على نيل ما
يريده ..
«آآآه! اتركني ، سيدي الصغير! يؤلمني! يؤلمني!»
«ألم تسمعوا ما قلت؟ افتحوا ذلك الباب!»
بدأ بوريس يستخدم كل ما لديه ، رمى ، قرص ، وضرب ..
وبعد أن استنفد كل شيء ، تمكّن أخيرًا من فتح باب واحد ..
لكن—
«بوريس ، الطفلة في الداخل ليست أختك ، إنها مجرد نتاج خطأ في الولادة.»
«لكن… أمي أنجبتها ، أليس كذلك؟ ماذا يعني هذا؟»
«أتدري كم عانيتُ وأنا أنجب تلك الطفلة؟ لم تكن [ماتيريا] ، ولهذا السبب ما زلتُ ، ما زلتُ أنتظر التالي ، لقد كان هذا الإجهاض الثاني بالفعل ، يا بوريس ، لو وُلدت تلك الطفلة على هيئة [ماتيريا]، لما انتهى بي الحال إلى هذا الخراب!»
لكن ذلك الباب لم يكن الأخير ..
وبينما كان بوريس يضرب ويكسر الأبواب التي لا تنتهي ، انكسر في لحظةٍ ما ..
لأنني ضعيف ..
لأنني لست قويًا بما يكفي ..
في مكانٍ ما من قلبه ، كان يعلم ذلك ، في النهاية، كان السبب الوحيد هو ضعفه ..
وهكذا تحوّل ذلك إلى هوس بالقوة ..
بالنسبة إلى بوريس ، كانت القوة وسيلةً يظن أنها ستمكّنه من دفع كل شيء نحو الاتجاه الذي يراه صوابًا ..
وفي الوقت نفسه ، كانت طريقةً لتخفيف قلقٍ غامض لا يعرف مصدره ..
«تذكّر ، الشيء الوحيد الذي تملكه حقًا هو هذا الجسد الذي وُلدتَ به.»
كان يشعر أن هناك شيئًا خاطئًا ، وكان يعلم أن شيئًا ما قد انحرف عن مساره ..
وكلما ازداد ذلك الشعور بالضيق في أعماقه ، كان يلوّح بسيفه أكثر فأكثر ، مؤمنًا بأنه في يومٍ ما ، عندما يصبح أقوى مما هو عليه الآن—
سيكون قادرًا على تغيير كل شيء بالقوة ..
أو ربما كان ذلك مجرد تبريرٍ يقدّمه لنفسه ..
وهكذا ظلّ يتخبّط بلا نهاية ، هائمًا في البحث عن هاويته هويته ..
«تسألني ماذا أنوي أن أفعل؟ ولماذا تسألني أنا أصلًا؟»
ابتسم بوريس ابتسامة ساخرة وهو ينظر إلى أخته الصغيرة التي كانت تصرخ وتلوّح بذراعيها بجسدها الصغير ..
هذا الطفل ، الذي يبدو بعيدًا كل البعد عن القوة ، لم يكن منكسِرًا على الإطلاق ..
على عكسه هو ..
«وماذا تريد أنت أن تفعل يا أخي؟ لماذا تواصل سؤالي عن أمور تخصك أنت وحدك؟»
حتى بعد أن وصل إلى هذا الحد ، ظلّت مختلفًة عنه تمامًا؛ فبوريس ، بخلافها ، كان يؤجّل قراراته دائمًا ويلقي بها على عاتق الآخرين …
«أريد أن أوقف أمي ، لقد… تجاوزت الخط منذ زمنٍ بعيد ، ولا يمكنني أن أسمح لها بأن تصبح إمبراطورة متذرعة باسمي …»
التعليقات لهذا الفصل " 209"