ما إن أغلقتُ الصفحة الأخيرة من كتاب الحكاية حتى تمتم يوبيل بصوتٍ خافت وكئيب:
«يبدو أن الأخ لا يحبّ النبوءات كثيرًا.»
طرقتُ جبهة يوبيل بطرف إصبعي طرقة خفيفة لا تؤلم ..
«بما أنك تقول كلامًا لا علاقة له بالكتاب إطلاقًا ، يبدو أنك لم تكن مركّزًا ، أختك حزينة… قرأتُ لك بكل اجتهاد حتى آلم حلقي ، وأنت لا تستمع……»
«لا، لا يا أختي! اسـ… استمعتُ جيدًا!»
«حقًا؟ إذن ، هل نهاية هذه الحكاية نهاية سعيدة أم حزينة؟»
دارَت عينا يوبيل ثم أجاب:
«نهاية حزينة.»
«آه ، إذن فعلًا لم تكن تستمع جيدًا ، ألم تعد أليس إلى بيتها سالمة كما كانت تتمنى؟ صحيح أن كل ما حدث كان حلمًا ، لكن مع ذلك ..»
«لهذا هي نهاية حزينة!»
هزّ يوبيل رأسه بعنف ..
«لا يمكن أن تكون تلك المغامرات كلها مجرد حلم ، مستحيل أن تكون حلمًا ، لكن من الآن فصاعدًا ، سيظنّ الناس من حول أليس أنها تهذي كلما تحدثت عمّا رأته …»
كنت أظن أن يوبيل لم يكن مركّزًا على القصة إطلاقًا ، لكن يبدو أن العكس هو الصحيح ..
ربما لأن ما حدث قبل قليل مع بوريس ، الذي لم يستسغ فكرة النبوءة ، جعل يوبيل يندمج كثيرًا في وضع أليس ..
وحسبما سمعت ، فعندما سمع يوبيل عن النبوءة الزائفة التي لقّنَتها جوديث ، صرخ في وجهها بشدّة قائلًا إنها كذبة ..
«ستبقى أليس وحيدة من الآن فصاعدًا ، لن يتمكن أحد من أن يتعاطف تمامًا مع قصتها ، كان من الأفضل لها ، بالتأكيد ، لو بقيت في بلاد العجائب……»
دفن يوبيل رأسه بين ركبتيه ..
ربّتُّ على ظهره على عجل وقلت:
«هذه الحكاية لا تنتهي هنا ، لذا، ارفع معنوياتك.»
«هاه؟ حقًا؟»
اقترب يوبيل بوجهه كأنه يطلب أن أحضر الكتاب فورًا ..
«صحيح أن أليس في بلاد العجائب تنتهي هنا ، لكن هناك كتابًا آخر بعنوان أليس في بلاد المرآة ، يحكي عن مغامرة أخرى تخوضها أليس.»
«اقرئيه لي فورًا يا أختي!»
…مع أنني لم أؤلفه بعد ..
بهذه الفكرة في بالي ، ضغطتُ برفق على كتف يوبيل وأجلسته ..
«حسنًا ، أعدك ، في المرة القادمة سأقرأ لك أليس في بلاد المرآة.»
«اتفقنا يا أختي ، إذن الآن… تريدين أن تسمعي عن النبوءة ، أليس كذلك؟»
«أريد أن أسمع كل ما تقوله.»
ابتعد يوبيل قليلًا وجلس بأدب ..
«إذًا ، سأحدّثكِ عن النبوءة التي رأيتها قبل بضعة أيام.»
«حسنًا ، احكِها بأكبر قدر ممكن من الوضوح ، كما لو أنني أقرأ لك كتابًا …»
بدأ يوبيل حديثه بوجه لا يبدو عليه الارتياح
«في الحلم ، كنت أمشي وحدي في بستانٍ مليء بالأزهار ، عند غروبٍ شديد التوهّج.»
«غروب؟»
رمشتُ بعيني ، فسارع يوبيل يضيف:
«طـ… طبعًا ، كل النبوءات السابقة حدثت تحت شمس ساطعة في يومٍ مشرق ، وهذه المرة أيضًا ليست مختلفة كثيرًا ، صحيح أنه غروب ، لكنه كان ساطعًا جدًا! ثم… ثم بدا لي وكأن ضوء الشمس كان يتبعني طوال الوقت!»
ليس أنه كان يتبعني فعلًا ، بل بدا وكأنه يتبعني ..
«بالطبع ، هذا متوقّع يا يوبيل.»
كانت هناك أشياء كثيرة يمكنني التعلّق بها ، لكن أمام موقف يوبيل الدفاعي أكثر مما توقعت ، قررت أن أتراجع خطوة ..
يبدو أنه يدرك تمامًا ما قد يحدث لجوديث إن كُشف أمر التلاعب بالنبوءة ..
عندما اكتفيتُ بالابتسام ولم أتابع التشكيك ، ابتلع يوبيل ريقه وتابع حديثه:
«في ذلك البستان لم يكن هناك سوى نوعين من الزهور: ورود وردية ، وكاميليا حمراء ، كان هناك حدّ واضح يفصل بين الحقلين ، وفي لحظة ما ظهرت أمي في حقل الورود الوردية ، وظهر جلالة الإمبراطور في حقل الكاميليا الحمراء.»
«إذًا ظهرت أمك في حقل الورود الوردية ، وجلالة الإمبراطور في حقل الكاميليا الحمراء؟»
«نعم ، صحيح ، أمسك الاثنان بيد بعضهما أمامي ، ثم… بدأت كاميليا وردية اللون تتفتح
من حولهما ، وظهر الأخ بوريس.»
اضطررتُ إلى بذل جهدٍ هائل للتحكم في تعابير وجهي ، وإلا لانعقد وجهي وكأنني أمضغ شيئًا مرًّا .
يا لها من رواية متقنة يا أمي ..
ضمّ يوبيل يديه كمن يصلّي ..
«كان ذلك وحيًا بأنهما يجب أن يكونا معًا حتمًا ، فجلالة الإمبراطور لم يتزوج قط ، ولا يملك أبناء ، وبالتالي فمقعد الوريث شاغر أصلًا.»
لم يكن من الممكن لطفل في السابعة من عمره أن يصل إلى مثل هذه الاستنتاجات بنفسه ..
«كما أن عائلة لوهيا يجري في عروقها دمٌ من سلالة العائلة الإمبراطورية الجانبية ، الأخ بوريس مؤهَّل ، هذا يعني أن على أمي أن تطلّق أبي ، وتتزوج من جلالة الإمبراطور ، لتصبح أمّ الإمبراطور القادم!»
لقد كانت جوديث قد أظهرت أنيابها فعلًا فيما فعلته ، لقّنت يوبيل قصتها التي ألّفتها بنفسها حتى صار يرددها كالببغاء كلمةً كلمة ..
لم أستطع كبح الابتسامة التي تسللت إلى شفتي ، فشدَدتُ زاوية فمي بخفّة ..
يا ليتكِ تعلمين كم أنا ممتنّة لأن دهاءكِ لا يرقى إلى مستوى خبثكِ ، يا أمي ..
ربّتُّ مرارًا على رأس يوبيل ، الذي كان يفتح عينيه على اتساعهما مترقبًا ردّة فعلي ..
«يوبيل ، سأنقل كلامك هذا حرفيًا إلى جلالة الإمبراطور ، شكرًا لك لأنك كنت صادقًا معي.»
«…نعم.»
«لكن هناك أمر واحد يجب أن تنتبه له.»
بدأتُ الحديث بنبرة قلقة ..
«جلالة الإمبراطور كان ، في كل مرة تتلقّى فيها نبوءة ، يتحقّق بنفسه مما إذا كنت تقول الحقيقة فعلًا أم لا ، بالطبع ، دون أن تشعر أنت بذلك.»
«ماذا؟»
بدأت عينا يوبيل ترتجفان ، فتعلّق بذراعي وسأل باضطراب:
«و… وما طبيعة هذا التحقّق؟ لم أسمع جلالة الإمبراطور يتحدث عن شيء كهذا من قبل!»
«أنت تعلم أن في هذا العالم ما يُدعى بالسحر ، وبجوار جلالة الإمبراطور يوجد الكثير من السحرة البارعين ، ليس من الصعب عليهم أن يضعوا تعويذة تجعلك تقول سوى الحقيقة ، دون أن تدرك أنت ذلك …»
نظر إليّ يوبيل صامتًا للحظة ..
ثم تراجع خطوةً إلى الخلف ، وقال بوجه بدا أكثر هدوءًا:
«لكن… أنا بخير …»
«أحقًا؟ قد يضعون حتى جرعة سحرية تُجبر على قول الحقيقة في طعامك دون أن تعلم ، أنا فقط قلقة من أن تخطئ بالكلام دون قصد …»
اكتفى يوبيل بالإيماء برأسه دون أن يقول شيئًا.
«النبوءات أمر بالغ الأهمية ، ولو تغيّر كلامك قليلًا أو تناقض… فقد لا يصدقك جلالة الإمبراطور ، وخصوصًا أن هذه النبوءة لا تبدو مرتبطة على الإطلاق بموجة الوحوش الوشيكة ، لذلك هناك الكثيرون يشكّكون في صحتها.»
«لا بأس يا أختي …»
هزّ يوبيل رأسه بثبات
«أنا دائمًا أقول الحقيقة!»
…هل يعني ذلك أنه مستعدّ لهذا الحد؟
في الواقع ، كانت هناك بعض الأدوات التي تُبطل تأثير السحر ..
وبما أن موادّها تُستخرج من الوحوش المقدّسة ، فهي باهظة الثمن وصعبة المنال ، وفوق ذلك ليست شاملة لكل شيء ، فهي لا تنفع أمام السحر الهجومي الجسدي ..
لكن بعضها يملك قدرة دفاعية عالية أمام سحر التأثير العقلي ، مثل سحر الاعتراف ..
ربما كانت جوديث قد أخفت بالفعل مثل هذه الأشياء داخل ملابس يوبيل ..
ولا بدّ أنها اتخذت الاحتياطات نفسها لنفسها أيضًا.
أمسكتُ يد يوبيل بإحكام ونهضت ..
«إذًا لا داعي للقلق ، حسنًا ، بما أن الأحاديث المملّة انتهت ، ما رأيك أن نخرج للعب؟»
«حسنًا يا أختي!»
ما إن توقفتُ عن الحفر في الموضوع حتى أشرق وجه يوبيل ، مهما يكن ، فهو لا يزال طفلًا ، قد يجيد الكذب ، لكنه لا يستطيع إخفاء تعابير وجهه ..
«همممم… أختي ، لكن… هل ستغادرين الآن؟»
«هاه؟»
«لقد سمعتِ النبوءة ، وقرأتِ لي القصة… فهل يعني هذا أننا لن نراكِ مجددًا لفترة طويلة؟»
راح يوبيل يراقب تعابير وجهي بحذر ، ثم التفّ حول خصري وتعلّق بي ..
عندما فتحتُ الباب وخرجتُ من الغرفة ، كانت جوديث تسير نحونا من غير بعيد ، بوجه متفاجئ ، وكأن الأمر محض صدفة ..
ابتسمتُ لها وقلت:
«هل نذهب معًا؟»
«ماذا؟»
«غرفتي في القصر الإمبراطوري أوسع من هذا المكان بمرتين ، والطعام فيها أكثر بمرتين أيضًا ، ما رأيك أن تأتي لزيارتنا ، يا يوبيل؟»
التعليقات لهذا الفصل " 206"