قالت وهي تنظر بالتناوب إلى بوريس ويوبيل ، وقد عقدت حاجبيها ..
«بوريس ، يوبيل ، هل حدث شيء الليلة الماضية؟»
فقد كان من الواضح أن عينيهما كانتا منتفختين إلى حدّ مضاعف ، وكأن كليهما مرّ بأمر يصعب التحدّث عنه ..
أدار بوريس نظره بصمت ، بينما زمّ يوبيل شفتيه.
يبدو أن بوريس كان يشعر بالحرج لأنه بكى أمامي الليلة الماضية؛ فقد بكى بصوت عالٍ ، ثم نهض فجأة واندفع خارجًا كأنّه بطلة مأساوية.
من الجيد أنه يبدو وقد استعاد بعض الحيوية.
فهو ، رغم ملامحه المكتئبة ، كان كلما حدّقتُ فيه عمدًا يفتح عينيه بنظرة حادّة فجأة ، ما يدلّ على أنه استعاد وعيه ..
أما يوبيل ، فبعد كلام جوديث ، كان يرمق بوريس بنظرات جانبية واضحة ، وكأن أي شخص قد يظن أن بوريس هو من أبكاه ..
نظرتُ إليهما بنظرة توبيخ نصف مغمضة ، ونفخ يوبيل خدّيه ، لكن بوريس لم يقل شيئًا، واكتفى بفرقعة لسانه بقوة ..
«يجب أن تعيشوا بانسجام.»
أنهت جوديث الموقف ببضع كلمات وعظ تقليدية، وكأنها معتادة على ذلك ..
لا بدّ أنها لطالما سوّت الأمور بهذه الطريقة بما يناسب راحتها ، ونتيجة لذلك ، لم تتحسّن العلاقة بين الإخوة ، بل ظلّ الجفاء يعصف بينهم بلا توقف ..
«هل سمعتِ من يوبيل عن النبوءة بالأمس؟»
«لا، يمكنه أن يرويها على مهل ، لقد وعدته أولًا أن أقرأ له كتابًا ، وقد مرّ وقت طويل منذ التقينا.»
«…أفهم.»
قلتُ وأنا أربّت على شعر يوبيل:
«لكن يبدو أنك تلقيت نبوءة جديدة ، أودّ أن أسمع تلك القصة أولًا ، أشكّ في أن يوبيل سيحاول أكل حبّة عنب واحدة قبل أن يتحدّث عن النبوءة.»
«لقد استمع السير هيستر بالفعل إلى تفاصيل النبوءة وغادر ، هذه النبوءة… مسألة بالغة الأهمية لنا جميعًا ، لذا من الأفضل لكَ ولبوريس أن تصغيا جيدًا.»
وبمجرّد أن أذنت جوديث ، فتح يوبيل فمه وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة ..
«انهمر ضوء أبيض ناصع من الشمس ، كان ضوءًا يصعب النظر إليه مباشرة ، لكن بما أنه كان حلمًا ، استطعتُ التحديق فيه دون أن تؤلمني عيناي.»
أغمض يوبيل عينيه ، وكأنه يحاول استحضار الحلم بأوضح صورة ممكنة.
«بطل هذه النبوءة كان… الأخ جوزيف.»
«جوزيف؟»
أبدى بوريس ، الذي كان متجهّمًا ، ردّة فعل خفيفة .
«عندما تبدأ موجة الوحوش ، ستطفو أربعة أوكار في بحر القارّة كالجزر ، أوكار تنتج الوحوش بلا نهاية ، ومن بينها ، الوكر الذي سيظهر قبالة سواحل الإمبراطورية الشرقية… سيكون مميزًا.»
لم يكن تعبير جوديث جيّدًا ..
فـ جوزيف كان قد قطع كل اتصال بعائلة لوهيا منذ سبع سنوات ، منذ أن ذهب معي إلى الإمبراطورية الشمالية ، وهو ، بخلاف بوريس ، لم يكن يشعر بأي رابط عاطفي تجاه العائلة ، لذلك كان قادرًا على فعل ذلك ..
لقد تظاهر يومًا ما بأنه الابن الصالح فقط ليتمكّن يومًا من الإفلات من قبضة الكونت بلو بيل
أصبح ابنًا أكثر لطفًا وكفاءة من بوريس واستخدم لوهيا كوسيلة لإقصائه ، وبعد أن زال سبب حاجته لذلك بسببي ، أدرك أن جوهر جوديث لا يختلف عن جوهر الكونت بلو بيل ، فاختار أن يدير لها ظهره
لكن ، وبغضّ النظر عن مشاعر جوزيف نفسه ، كانت جوديث قلقة عليه..
فعندما قرّر جوزيف الرحيل إلى الإمبراطورية الشمالية ، لجأت جوديث إلى إجراءٍ قاسٍ ، فقطعت عنه كل أشكال الدعم في محاولة لإجباره على العودة إلى المنزل ..
غير أن مثل هذا الأسلوب لا ينجح إلا مع طفل عادي مثل بوريس ، أما طفل مثل جوزيف فلا يجلب إلا نتائج عكسية ..
وهكذا ، فقدت قلب جوزيف إلى الأبد ..
لم يعد جوزيف يلتقي بها ، وبالنسبة لجوديث أصبح جوزيف في المرتبة التالية بعد بوريس ويوبيل ..
ومضت سبع سنوات على ذلك الحال ..
أقسم أن جوزيف ، على الأرجح ، لا يزال لا يحمل أي ضغينة ، لكن جوديث ، مهما يكن ، كان جوزيف ابنها، ولذلك لم تستقبل النبوءة التي نزلت عليه بارتياح ..
«في ذلك الوكر ، لا يولد سوى وحش واحد فقط ، وفي الحلم ، كان الأخ جوزيف يدخل الوكر وحده تمامًا ، وكان الضوء النازل من السماء يسلّط عليه وحده دون سواه.»
«يدخل وحده؟ ماذا يعني ذلك؟»
ضرب بوريس السكين على الطاولة بقوة ، فارتعد يوبيل ..
«تمهّل قليلًا.»
وبّخته ، فحدّق بوريس حوله بحذر ، ثم عاد يوجّه كلامه إلى يوبيل بنبرة احتجاج .
«أن يدخل جوزيف وحده إلى وكر الوحوش ، هذا يبدو أمرًا خطيرًا جدًا.»
«عـ… على الساحل لا يوجد أحد ، يبدو أن لا أحد يستطيع الاقتراب من ذلك الوكر سوى الأخ جوزيف ، وبصراحة أدق… لا ينبغي لأحد أن يقترب ، في الحلم كان هناك كثير من الناس غيره ، لكنهم ظلّوا بعيدين عنه ، لا يفعلون سوى تشجيعه بقلوبهم ، لم يقترب أحد أبدًا ، إذا اقتربوا ، يموتون جميعًا.»
كلما ازداد وجه بوريس تشوّهًا ، أخذ صوت يوبيل يخفت أكثر ..
«وحده الأخ جوزيف فقط… هو القادر على مواجهة ذلك الوحش……»
«هذا مستحيل!»
صرخ بوريس بغضب ، لم يكن يفرغ غضبه في يوبيل بقدر ما كان يلعن الوضع وهو يتمتم وحده.
«يجب على الأخ جوزيف أن يذهب إلى الإمبراطورية الشرقية ليواجه ذلك الوحش ، وحده… وحده فقط …»
«هذا غير معقول يا أمي! ألم تقولي إن لكل وكر سيدًا ، كملكة النمل مثلًا؟ وبعض تلك الأسياد لا يمكن التعامل معهم بعشرات الأشخاص ، بل يحتاجون إلى مئات ، بل آلاف حتى يُهزموا! فكيف لجوزيف أن يوقفه وحده؟»
لم تكن جوديث وحدها من ابتعدت عن جوزيف ؛ حتى بوريس كان كذلك ، صحيح أن بوريس هو من شعر بالمسافة أولًا بسبب مسألة مولده ، لكن على أي حال ، مضى وقت طويل منذ أن التقيا ،
ومع ذلك ، بدا أن بوريس يكنّ لجوزيف شعورًا قويًا بالمسؤولية ، بل وبالمحبة أيضًا ..
إذا فكرت في الأمر ، فقد كان الأمر كذلك منذ طفولتهما ..
يكفي أنه سامح جوزيف بسهولة بعد تلك الحادثة الكبرى التي حمّله فيها ذنبه ..
وربما يمكن القول إن جوزيف هو موضوع المحبة الوحيد في حياة بوريس ..
…وعندما أفكّر في أن جوزيف ، في جوهره ، بعيد قليلًا عن مفهوم السواء ، وخصوصًا فيما يتعلّق بالمشاعر ، ينتابني إحساس كأنني أشاهد مأساة.
التعليقات لهذا الفصل " 205"