تغيّرت حياة بوريس لوهيا بالكامل بين ليلةٍ وضحاها ..
«بوريس ، أنتَ ابنُ جلالته ، أنا المرأة الوحيدة في هذا العالم التي نجحت في الحمل بطفل جلالته ، ولذلك فأنت وريثه الوحيد ..».
أدرك بوريس فورًا ما وراء تلك الكلمات ..
كان معناها أن كل الجهود التي بذلها طوال حياته ليحظى باعتراف بيرن لوهيا، الرجل الذي اعتبره أباه ، لم يكن لها أي معنى ..
صحيح أنّه كان على خلافٍ مع بيرن لوهيا ، لكنه كان يشعر بوضوح أنّه يوليَه محبة الابن الأكبر ،
وكان يعلم أيضًا أنه يهتمّ به …
لكن كل ذلك لم يكن سوى وهم .
فهو لم يكن ابن بيرن لوهيا منذ البداية ..
كان بوريس مجرد ابنٍ غير شرعي ..
وكان بوريس يعرف أكثر من أيّ أحد ما يعنيه أن تكون ابنًا غير شرعي ..
إذ كان له أخٌ أصغر ظنّ طوال الوقت أنه لقيط ..
ولهذا السبب بالذات لم يستطع أن يفهم
لماذا اتخذت أمه مثل هذا القرار؟
«أمّي… لكنكِ أخبرتني إن الابن غير الشرعي كائنٌ دنس ، هكذا علّمتِني…».
«أنتَ الابن الوحيد لجلالته ، وحدك من يملك الحق في وراثته».
لم يكن مهمًا من يكون والده البيولوجي ..
كان أكثر ما صدم بوريس هو إدراكه أنّ أمه ظنّت أنّ معرفته بكونه الابن الحقيقي للإمبراطور ستجعله سعيدًا بطبيعة الحال ..
«لكن إيزانا…».
«كل سكان الإمبراطورية الغربية انتظروا طويلًا جدًا مولد أمير—بل حتى أميرة—من صلب جلالته ، لكن لم تنجح أي امرأة ، فهل تتخيّل ما الذي سيحدث إن علموا أن هذه الأم قد أنجبت طفل جلالته؟».
لا يدري ..
ما أهمية ذلك أصلًا؟.
لم يشعر بوريس بأي عزاءٍ لكونه الابن الوحيد للإمبراطور ، لذلك بدت له كلمات جوديث حديثًا فارغًا لا يمسّ الواقع ..
«لقد أنجبتُ [ماتيريا]، وفي الوقت نفسه أصبحتُ أمّ الإمبراطور القادم ، ستتركّز كل السلطة في أيدينا ، وسيكثر من لا يرغبون بأن تسير الأمور على هذا النحو. ولو علموا أنكَ ابن جلالته ، فسوف يستهدفونك حتمًا ، سيحاولون كسرَك قبل أن تبلغ سنّ الرشد».
كانت أمه تتحدث وهي تبتسم طوال الوقت ، لكن بوريس لم يستطع أن يبتسم قط ..
ومع ذلك ، بدت وكأنها لا تعبأ بعدم ابتسامه ، بل كانت ترتدي تعبيرًا سعيدًا صادقًا أكثر من أي وقتٍ مضى ..
«بوريس ، أنتَ أحبّ أبنائي إلى قلبي ، لكنك أيضًا أثمن طفل في هذه البلاد ، كان عليّ واجبٌ لا بدّ من أدائه: أن أحميك ، ومن أجل مستقبل الإمبراطورية الغربية ، كان عليّ واجب أن أُربّيك حتى النهاية ، وأن أجعلك الإمبراطور القادم الأكثر شرعية».
«أمّي ، هذا ليس ما كنتُ أسأل عنه ، لماذا… لماذا كذبتِ وقلتِ إن إيزانا ابنٌة غير شرعية…؟».
لم تُجب كل شروحاتها المطوّلة عن أيّ سؤالٍ كان يدور في رأس بوريس ..
«قلتُ لك ، لأجل حمايتك ، ولكي أُخفي حقيقة أنكَ ابن جلالته ، كان لا بدّ في النهاية أن يصبح شخصٌ آخر ابنًا غير شرعي بدلًا منك».
حتى النهاية…
لم يستطع أن يتقبّل ذلك ، ولا ولو شيئًا واحدًا
«إذًا لماذا؟ لماذا ، بحقّ السماء ، صنعتِ ابنًا غير شرعيًّا دنسًا هكذا؟!»
«ليس ابنًا غير شرعي دنسًا ، بل لماذا لا تفهم أنني أنجبتُ طفل جلالته؟! طفل جلالته الوحيد… هذه الأم صنعتُ مستقبل هذه البلاد!»
قالت أمه إنها لم تُنجب يومًا ابنًا غير شرعيًّا دنسًا،
لكن في هذا القصر ، وُجد فعلًا طفلٌ غير شرعيّ دنس لمدة عشر سنوات كاملة ..
وقد عامل بوريس ذلك الطفل بازدراء ، واعتبره دنسًا كما تعلّم ورأى ..
وكان ينظر إلى إيزانا نظرة دنس لأنه اعتقد أنها ابنة غير شرعية ، ولأن الابن غير الشرعي يُعدّ دنسًا ..
لكن إيزانا لم تكن ابنًة غير شرعية ، بل كان هو نفسه كذلك ..
حتى بوريس ، مهما كان ، استطاع أن يفهم أن هناك شيئًا فادح الخطأ في هذا كله ..
«إذًا… ما الذي تكونه إيزانا بحقّ…؟»
«في هذا العالم ، يوجد ما يُسمّى بالشرّ الضروري ، يا بوريس ، تمامًا كما قتل جلالته الإمبراطور السابق بيده من أجل البلاد. .».
انقطع نَفَسه فجأة ..
«كان ذلك تضحية لا بدّ منها لحماية مستقبل العائلة الإمبراطورية».
منذ زمنٍ بعيد ، كان بوريس يعرف أنه لم يولد بموهبة الكلام المنطقي أو الجدل المحكم ،
لذلك لم يكن قادرًا على ترتيب أفكاره بوضوح ، لكنه كان يعلم يقينًا أنها مخطئة ..
لم يكن ذلك مسألة منطق .
بل مسألة أخرى تمامًا ..
وفي اللحظة التي خطر له فيها أنّه لو سمع الإمبراطور بنفسه كلمات أمه ، لسقط رأسها في المكان ذاته…
انهار العالم الذي كان بوريس يعرفه انهيارًا تامًا ..
—
«لم أُخفِ الأمر من أجلك يا أخي ، لو عُرف أنك ابنُ جلالته ، لكنتَ صرتَ الوريث ، وربما أصبحت أمي إمبراطورة.»
قد يبدو كلامي قاسيًا ، لكنني قررت أن أقول لبوريس ما في قلبي كما هو ..
«لا ينبغي لأمي أن تصبح إمبراطورة ،انظر إلينا تذكّر ما فعلته بنا ، إذا كنتَ ، بعد كل ما وصلنا إليه ، ما تزال تفكّر في الدفاع عنها…»
لم أستطع أن أواصل النظر إلى وجه بوريس الشاحب ، فحوّلت بصري بعيدًا ..
«…وهذا بالضبط هو السبب الثاني الذي جعلني أُخفي حقيقة أنك ابنُ جلالته.»
«إذًا كنتِ فعلًا تحملين الضغينة تجاهي طوال
هذا الوقت؟»
تمتم بوريس وهو يشيح بنظره في كل اتجاه بقلق ..
«أنا… أنا لست بحاجة إلى هذا ، ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ حتى لو كان الإمبراطور هو أبي ، لم أتمنَّ ذلك يومًا ، أنا… أنا…»
«اهدأ أولًا ، لم أكن أفكّر بك هكذا طوال السنوات السبع الماضية—»
«كان يجب أن أكون لوهيا ، لماذا… لماذا لستُ لوهيا؟!»
انهار بوريس وهو يشدّ شعره بيديه ، بدا وكأنه سينتزع خصلاته من جذورها ، حاولتُ إيقافه ، لكن بوريس ، رغم هزاله ، كان قوي البنية بطبيعته فلم يتحرّك قيد أنملة ..
«كنتُ فقط أريد أن أكون دوقًا صغيرًا من آل لوهيا يحظى باعتراف أبي ، أردتُ أن أكون أخا جوزيف الأكبر ، وأن تكوني أنتِ… أنتِ أيضًا…»
«حتى لو كان الأب مختلفًا ، فالأم واحدة ، أليس كذلك؟ اهدأ قليلًا!»
«الابن غير الشرعي دنس ولا يملك أي أهلية ، أنا… أنا الذي سرقتُ مكان جوزيف ، أنا ماذا أكون أصلًا…»
«تبًّا ، أفق قليلًا!»
…وضربته ..
كنتُ أرغب في ضربه مرة واحدة على الأقل ..
من دون قصد ، أقسم بالسماء ، من دون قصد ..
لوّحتُ بالحقيبة التي كنتُ أحملها وضربتُ بها رأس بوريس ضربة واحدة…
كرانغ!
وانكسرت—«من دون قصد»—إحدى القوارير الزجاجية داخل الحقيبة ، فانحرف رأس بوريس بقوة إلى الجانب الآخر…
…وتساقطت شظايا الزجاج من فتحة الحقيبة.
«……»
ومن بين خصلات شعره البنفسجي المائل إلى الذبول ، لمحْتُ ومضة قتلٍ عابرة ..
«آهاها… آسفة……»
تلك العينان ، نعم ، تلك هي عينَا بوريس لوهيا الذي أعرفه ..
«هيه.»
أعاد بوريس رأسه ببطء إلى الجهة الأخرى ، وضغط بخفة على مؤخرة عنقه ، دوّى صوت طقطقة مهدِّد …
كان وجهه متوحشًا بالغضب ، ورغم أن هذا الوجه كان أسهل احتمالًا من وجهه المنهك قبل قليل ، فإن المشكلة أن بوريس بهذا التعبير يكون عنيف التصرّف ..
مددتُ الذراع التي تحمل لاجيليا إلى الأمام وقلت:
«ماذا؟ تريد أن تضربني أنا أيضًا؟ في هذا العمر وتتصرف بطفولية مع أختك الصغرى؟ قلتُ لك أن تفيق بسرعة!»
أعتمد عليك ، يا لاجيليا …
ارتعشت عينَا بوريس ، كان غاضبًا بوضوح ، وبعد لحظة…
«…هوو.»
أغمض عينيه بهدوء ، كأنه يكبح جماح غضبه ..
«بعد أن ضُربت… الأمر مقرف فعلًا……»
ثم شدّ فكه وأدار نظره بعيدًا من جديد ..
«أختٌ صغرى… هل ما زلتِ ترينني أخًا لك؟»
تجمّدتُ لحظة وأنا أستوعب ما قاله ، ثم هززتُ رأسي ببطء ..
«حتى الإخوة غير الأشقاء يبقون إخوة.»
«أنا ابنٌ غير شرعي.»
كان صوته مثقلًا بتأنيبٍ للنفس وكرهٍ للذات ، كالأوساخ العالقة على مرآة ..
«وجودٌ دنس ومشؤوم ، لم أكتفِ بسلب مكانكِ ، بل عرفتُ الحقيقة سبع سنوات ولم أفعل شيئًا.»
«الابن غير الشرعي ليس دنسًا ولا مشؤومًا ، لم أفكّر بذلك يومًا.»
يا أحمق ، يا بوريس ..
«من يفكّر هكذا هو أنت ، ولذلك فأنتَ من يعذّب نفسه.»
يا غبيّ يا بوريس!
لو أحسنتَ الظن قليلًا. لانتهى الأمر ، لكنك لم تفعل ، فزججتَ نفسك في الجحيم سبع سنوات كاملة ..
«…آسف.»
تمتم بوريس بصوتٍ خافت ..
«أنا… أخطأت.»
ثم بدأ صوته يعلو شيئًا فشيئًا ، قبل أن ينفجر في بكاءٍ مرير ..
التعليقات لهذا الفصل " 204"