«النبوءة هي ما يُنزله الحاكم ، إن واجهنا كل شيء بنبوءة مقابلة ، فستصبح كلمتا “نبوءة” خفيفتين أكثر مما ينبغي ، وربما يشك بعض الأذكياء ويشعرون أن هناك شيئًا غير طبيعي.»
«همم…….»
«ثم إن يوبيل يحبني ، نعم ، لكنه يحب أمه أكثر مني ، هي المتصدّرة بلا منازع.»
بعد ولادة يوبيل ، لم أمكث طويلًا في الإمبراطورية الغربية ، لذلك لم أستطع لقاءه كثيرًا …
ومع ذلك ، كان من الواضح أنني بحاجة إلى ترسيخ وجودي في ذهنه وبناء مودة أكيدة بيننا ،
ولهذا خطرت لي فكرة استخدام قوة نوي لإظهار نفسي في أحلام يوبيل ، فالأطفال يجدون صعوبة في الفصل بين الحلم والواقع ..
كنت أظهر أحيانًا في أحلامه ، وألعب معه بلعبته المفضلة حتى يملّ ، وأصنع له كميات كبيرة من الحلوى والكعك التي يحبها ونأكلها معًا ..
كما كنت أُدندن له أغانٍ لم يسمع بها من قبل ، وأعلّمه دروسًا كان يجدها صعبة ، وأحيانًا أُسند رأسه إلى ركبتي وأربت عليه بهدوء. .
ونتيجة لذلك ، رغم أن يوبيل لم يكن يراني في الواقع إلا مرة أو مرتين في السنة على الأكثر ، فقد أصبح يحمل لي مودة كبيرة ، وصار يعدّ الأيام منتظرًا قدومي ..
لكن…
مهما فعلت ، فإن الشخص الذي يشغل دائمًا المساحة الأكبر في قلب يوبيل كانت جوديث ،
جوديث كانت تحتضنه وتعتني به كما لو كان ملاكًا ، على نحو مختلف تمامًا عما فعلته أنا ، وقد نشأت بينهما رابطة متينة وعميقة ..
«إن شعر أن أمه في خطر ، فقد يستخدم مكانته لحمايتها ، وإذا بدأ يوبيل بالكذب بإرادته ، فذلك سيكون أسوأ سيناريو …»
عندما كنت أعود إلى الإمبراطورية الغربية ، كان يوبيل ، لعدم قدرتنا على اللقاء المتكرر ، يتشبث بي طوال اليوم ولا يطيق فراقِي ..
كان يبكي بعناد طفولي رافضًا الذهاب إلى النوم ، وذات مرة—لا أدري كيف عرف—قام خلسة بوضع منبّه مُركّز في فنجان الشاي الخاص بي وفي فنجانه هو أيضًا ..
«يوبيل صغير ولطيف ، لكنه ماكر إلى حدّ ما ، بصراحة ، شعرت أكثر من مرة أنه يشبه جوزيف في بعض الجوانب.»
كان يوبيل واضحًا جدًا في ما يحب وما يكره ،
ولأجل الحصول على ما يريد ، كان يُظهر قدرة مدهشة على الفعل ، وكذلك حين يريد إقصاء ما لا يحبه ..
بالطبع ، هذا لا يعني أنه يشبه جوزيف في كل شيء؛ إنما ما يشبهه فيه هو ذلك الإصرار على الأشياء ..
كان لدى يوبيل تعاطف يفتقر إليه جوزيف فطريًا ، صحيح أن رغباته كانت أشدّ ، لكنه بالتأكيد مختلف عن جوزيف ..
«في “العمل الأصلي”، كان يوبيل ضعيفًا فحسب، فاطمأننت له ، لكن ربما كان ذلك مجرد نتيجة لنشأته تحت ظل جوزيف ، مكبوتًا… وربما هذا هو وجهه الحقيقي.»
ولهذا ، ففي خطوط زمنية عديدة ، لا بد أن يوبيل قد استُغلّ من قبل جوزيف استغلالًا كاملًا ..
«إذن ، ما الذي تنوين فعله؟»
عبس نوي وهو يقرص جسر أنفه وكأن رأسه يؤلمه ..
«إن كان لديكِ حلّ آخر حادّ ، فاختصريه في ثلاثة أسطر ..»
«لا أدري… في الحقيقة ، هذه المشكلة حقل ألغام من كل الجهات …»
فتحتُ صندوق أوراق الشاي الموضوع على طرف الطاولة ، وأخذته إلى نوي وقرّبته من أنفه ،
شمّ رائحة الشاي بهدوء ثم أومأ برأسه دلالة على أنه لا مشكلة ..
«إن تجاهلنا النبوءة الكاذبة ، فقد ينتهي الأمر بأن يتزوج جلالته من أمي ، أو بأن يصبح بوريس الإمبراطور التالي ، أو ، في أسوأ الأحوال ، قد يتجاوز جلالته الخطوط الحمراء بدافع الغضب.»
نهض نوي من مكانه وبدأ يتفقد بعناية أواني الزهور المبعثرة قرب النافذة ..
«وإن كشفنا أن النبوءة كاذبة ، فقد نضع الأم في زاوية حرجة ، لكنها قد تقدم ، بعد كل ما وصلت إليه ، على مقاومة أخيرة ، كأن تكشف لجلالته حقيقة ولادة بوريس ، عندها سترتفع مكانة بوريس ليصبح الإمبراطور القادم بشكل شبه مؤكد ، وستغدو الأم أرفع نساء هذه البلاد شأنًا.»
«الجواب واضح.»
هزّ نويه كتفيه ..
«إذن فلنقف مكتوفي الأيدي فحسب ، إلى أن يغضب جلالته ويُزيل صاحب النبوءة من الوجود دون أن يشعر أحد …»
«كلام فارغ.»
لو تخلص الإمبراطور من جوديث ، لكان الأمر مريحًا لي ، لكن في أعماقي ، كنت أشعر أنني مدينة له ..
بوريس كان ابنه الحقيقي ، وجوديث كانت المرأة التي أنجبته. .
وبما أنني كنت أعلم كم بذل الإمبراطور من جهد في الماضي لينجب وريثًا شرعيًا ، فإنني كنت—عمليًا—أكذب عليه كذبة كبيرة ..
ليس هذا فحسب ، بل أن أوجهه سرًا لقتل أم ابنه الحقيقي دون أن يعلم؟
لم أرد أن أرتكب مثل هذا الفعل ..
«حقل ألغام من كل الجهات ، إن كان لا بدّ من أن تُفقد ساق واحدة أيًّا كان ما نطؤه… فهل أستطيع على الأقل أن أختار أيّ ساق أضحي بها؟»
«إذن ، ماذا تريدينني أن أفعل؟»
لم أجب ، اكتفيت بإغماض عينيّ ببطء ..
—
«أختي جاءت؟»
شعر يوبيل وكأنه تلقّى هدية مفاجئة ما إن انتهى درس الأدب الممل ، فإلى جانب أخٍ مخيف ، كان لديه أيضًا أخت جميلة ، لطيفة ، ومسلية ..
كانت تلك الأخت لا تُرى إلا نادرًا ، لكن لسببٍ ما كان يوبيل يعدّ الأيام انتظارًا لليوم الذي يراها فيه …
«يوبيل ، لا ينبغي أن تُزعج إيزانا كثيرًا ، إيزانا لم تأتِ اليوم لرؤيتك ، بل جاءت بأمر من جلالة الإمبراطور لتسمع حديثًا عن النبوءة.»
لذلك خفت حماس يوبيل قليلًا عند سماع كلام أمه ، اغرورقت عيناه بالدموع ، فاحتضنته جوديث وربّتت عليه بلطف ..
«يوبيل ، لم تنسَ ما قالته لك أمك ، أليس كذلك؟»
أومأ يوبيل برأسه بخفة ..
«لا يجوز أن أخبر أحدًا بأن أمي حلمت بالحلم نفسه……»
«وماذا أيضًا؟»
«في حلمي ، كانت أمي وجلالة الإمبراطور ، وكذلك الأخ بوريس ، جميعهم معًا ، وكانت الزهور التي ترمز إلى جلالة الإمبراطور وأمي تتفتح بغزارة ، وتتطاير بتلاتها في كل مكان……»
كان قد تعلّم أن الكذب أمر سيئ ..
ولهذا ، لم يكن شعوره بالاضطرار إلى الكذب الآن مريحًا له على الإطلاق ..
لاحظت جوديث الاضطراب الخفيف في قلبه فقالت:
«يوبيل ، ليس كل الناس في هذا العالم يحبوننا ، لو عرفوا أن هذه النبوءة أكثر خصوصية من المعتاد ، فقد يتشبثون بأي ذريعة ويتهموننا بالكذب ، أخبرني يا يوبيل ، هل كذبنا؟»
قبض يوبيل على يده وهزّ رأسه بقوة ..
«لا! أنا وأمي حلمنا بالحلم نفسه فعلًا!»
«صحيح ، نحن حلمنا بالحلم نفسه حقًا ، أيمكن لأمك أن تكذب؟»
«مستحيل طبعًا.»
همست جوديث بصوت حزين:
«لكن من يكرهني لا يهمه إن كان كلامي صحيحًا أم كاذبًا ، هم فقط يريدون اتهامي بالكذب ، لذلك ، نحن نخفي قليلًا فقط حقيقة أن هذه النبوءة مميزة ، نحن لا نكذب أبدًا.»
ليس كذبًا ، بل إخفاء ..
«لذا لا داعي لأن تُظهر ذلك التعبير على وجهك.»
هذا ليس كذبًا ..
نحن فقط نخفي الأمر بسبب أناس سيئين يكذبون ويتهموننا ..
«أتعرف كيف يجب أن تتحدث مع إيزانا؟»
«لـ… لكن أختي ليست شخصًا سيئًا!»
«إيزانا بالطبع ليست سيئة. لكن لهذا السبب تحديدًا ، ألن تعود إلى القصر الإمبراطوري وتخبرهم بكل ما سمعته منك كما هو؟»
لم يكن أمام يوبيل إلا أن يومئ برأسه ..
«نعم… فهمت ، سأخبر أختي أيضًا… مع إخفاء جزء صغير من الحقيقة.»
نعم ، كل هذا لأن الأشرار أشرار فحسب ، لم يكن هناك أي كذب ، سواء كانت الحقيقة كاملة أو ‘حقيقة مخفية’، فالمعنى الذي تحمله النبوءة واحد ..
بخطواتٍ أخفّ ، ركض يوبيل نحو المكان الذي توجد فيه إيزانا ، توقف أمام الباب ، أخذ نفسًا عميقًا، ثم طرق الباب بحذر على غير عادته ..
«يوبيل ، ادخل.»
حقًا ، صوت الأخت أجمل بكثير حين يُسمع مباشرة مقارنةً بما كان يسمعه في الأحلام
فتح يوبيل الباب بقوة ، كانت أخته التي طالما اشتاق إليها… متمددة على السرير تأكل البسكويت ..
وبتلك الحال ، مدت له قطعة بسكويت وابتسمت.
«تريد بسكويت؟»
أغلق يوبيل الباب بسرعة وابتسم ابتسامة عريضة.
«نعم!»
كان جائعًا، فالتقط البسكويت وأكله بنهم ، وبعد أن امتلأت معدته قليلًا ، تذكّر فجأة أن أخته جاءت لتسمع منه عن النبوءة ..
«أختي… لقد جئتِ لتسمعي عن النبوءة ، أليس كذلك»
«حسنًا ، بما أنك انتهيت من الأكل ، تعال واجلس الآن.»
لم تدعه يُكمل كلامه ، بل انحنت تفتش تحت الوسادة وأخرجت شيئًا ما ..
كان كتاب حكايات يبدو كأنه صُنع يدويًا ، بشكلٍ غير متقن بعض الشيء ..
«كنت قد وعدتك في المرة السابقة أن أقرأ لك قصة جديدة ، أليس كذلك؟»
حين انتبه يوبيل ، كان تركيزه كله منصبًا على صوت أخته ..
«هذه القصة عن فتاة كانت تأكل طعام الآخرين بلا إذن ، فنالت عقابها ، يتمدد جسدها مثل المطاط ويكبر كالفيل ، ثم لا تتعظ وتسرق طعام الآخرين مرة أخرى ، فتتحول هذه المرة إلى صغيرة كالنملة ، ممتعة ، أليس كذلك؟»
“اقرئيها بسرعة!..”
القصص التي كانت الأخت ترويها له لم يكن لها مثيل ، لا تُسمع في أي مكان آخر ..
ظلّ يوبيل غارقًا فيها تمامًا إلى أن جاءت المربية، تنفيذاً لأمر الأم ، لتأخذه إلى النوم ..
وبعد أن ألحّت عليه المربية مرارًا ، أغلقت الأخت الكتاب أخيرًا ..
«سنكمل القراءة غدًا ، فاذهب الآن ونَم.»
في تلك اللحظة ، وكأن سحرًا قد أعاد إليه وعيه ، سأل يوبيل مرة أخرى:
«أختي… أأنتِ جئتِ لتسمعي عن النبوءة…؟»
«ألم يكن الوعد بأن أقرأ لك قصة قبل أي أمر صادر عن جلالة الإمبراطور؟»
بلهجة الأخت الهادئة ، امتلأ صدر يوبيل بالفرح
«إذًا… وماذا عن النبوءة؟»
«لاحقًا ، بعد أن ننتهي من الكتاب.»
«…إذن ، لو لم تكن هناك نبوءة ، هل كنتِ ستأتين لرؤيتي؟»
«قطعًا لا.»
«آه……»
بهذا الجواب الحاسم من أخته ، هبطت كتفا يوبيل اللتان كانتا مرفوعتين بالأمل دفعةً
التعليقات لهذا الفصل " 201"