فتح نوي عينيه على اتساعهما وحدّق بي ، لكنني تجاهلت نظرته وأضفتُ:
«إنه شخص تلقّى أوامره مباشرة من جلالة الإمبراطور ، لذلك حتى أنا لا أستطيع استخدامه كما أشاء.»
كان لا بدّ من قول ذلك كي لا تحاول جوديث القيام بحركات غير ضرورية مع نوي ..
وبمجرد أن رأيتُ نظرتها تتغير للحظة وهي تنظر إليه ، تأكدتُ أن هذا كان القرار الصحيح ..
«من أي أسرة ، ومن أي بيت هو؟»
بملامح غير راضية ، انحنى نوي قليلًا وقبّل بخفة أطراف أصابع جوديث التي مدت يدها ..
«هو من مواليد السهول الوسطى ، ولا أسرة له تُذكر …»
ما إن سمعَتْ عبارة لا أسرة له حتى سحبت جوديث يدها بسرعة ..
حقًا ، كانت شخصية سهلة القراءة ..
صحيح أن التبادل مع السهول الوسطى قد بدأ ، لكن معظم الإمبراطوريين ، ولا سيما السيدات النبيلات ، كانوا لا يزالون يتحفظون ويتجنبون التعامل مع أبناء السهول …
فالخاصية الفريدة لأهل السهول ، وهي أن السحر لا يؤثر فيهم جيدًا ، كانت تبدو مهدِّدة بعض الشيء للإمبراطوريين ..
كما أن أهل السهول ، لامتلاكهم مقاومة طبيعية للسحر ، لم يكونوا بارعين في استخدامه ،
وقد سمعتُ أن عددًا لا بأس به من الإمبراطوريين يعدّون ذلك نقصًا ودونية ..
‘من دون أن يفكروا حتى في أن الإمبراطوريين لن يستطيعوا هزيمة أهل السهول في قتال جسدي مباشر بما أن السحر لا يجدي نفعًا معهم…’
سألتُ جوديث ، التي كانت قد تراجعت خطوة إلى الخلف:
«أين يوبيل؟»
«…ما إن تصلين حتى تبحثين عن يوبيل أولًا؟ ظننتُ أن لدينا الكثير لنتحدث عنه ، نحن الأم وابنتها بعد غياب طويل ، أشعر ببعض الأسى.»
هزّت جوديث رأسها متنهّدة ..
يبدو أنها ، خلال السنوات السبع الماضية ، لم تنمُ إلا في التمثيل ..
«ثم إنني توقعتُ أن تزوريني أبكر من ذلك ، مرّت أيام منذ عودتكِ ، ولم تأتِ ، فظننتُ أن مكروهًا قد أصابكِ …»
في الماضي ، عندما كنا نلتقي وجهًا لوجه ، لم تكن قادرة على إخفاء ارتباكها ، أما الآن فكانت ترتدي قناع الأم الحنون بإتقان تام ..
«صحيح أنه كان ينبغي لي أن آتي لأحييكِ فور عودتي إلى الإمبراطورية الغربية ، لكنني التزمتُ الفراش بضعة أيام بسبب المرض ، ولهذا تأخرتُ قليلًا.»
«مرضتِ؟ هل أُصبتِ بنزلة برد؟ هل أنتِ بخير الآن؟»
ابتسمتُ بأوسع ما أستطيع ، وهي تمسك بيدي ولا تكاد تتركها ..
«بالطبع ، لو أرسلتِ شخصًا واحدًا إلى القصر الإمبراطوري لكنتِ عرفتِ الأمر فورًا… أنا أيضًا شعرتُ بقليل من الخيبة ، فلنعتبر أننا تعادلنا.»
«أنا حقًا آسفة ، صادف أن نزلت النبوءة في الوقت نفسه الذي جئتِ فيه ، فعمّت الفوضى أرجاء لوهيا.»
آه… لم أعد أحتمل أكثر ..
أعترف ، بما أنني أنا من استسلم أولًا ، فلنعتبر أنها هي الفائزة ..
ابتعدتُ عنها بسرعة ، وقلتُ بنبرة أصبحت أكثر جمودًا:
«أنا بخير ، على أي حال ، لم آتِ اليوم لرؤيتكِ ، بل لتنفيذ أمر جلالة الإمبراطور.»
«…أمر من جلالته؟»
«أمرني أن أسمع مباشرة من يوبيل تفاصيل النبوءة.»
عندها بدأ صوت جوديث يكتسب حدّة خفيفة.
«نبوءة يوبيل؟ لقد جاء أشخاص من القصر الإمبراطوري مرارًا وتكرارًا بسببها ، والآن مرة أخرى؟»
«قال إننا ، بما أننا شقيقان ، قد نستطيع التحدث براحة أكبر.»
لم يكن ذلك كذبًا ..
حين أخبرني الإمبراطور عن النبوءة ، كان يحمل على وجهه أكثر تعبير رأيتُه رعبًا في حياتي ..
«أنا لا أصدق أن هذا الكلام السخيف نبوءة حقيقية ، لا، وحتى لو كانت حقيقية ، فلا يمكنني قبول شيء كهذا.»
سواء كان خائفًا ، أو قد سئم من محاولات جوديث الخفية للإغواء ، لا أدري ، لكن لون وجهه كان بلا شك أشد شحوبًا من أي مرة رأيتها ..
«أرغب في مقابلة [ماتيريا] فورًا واستجوابه بنفسي ، لكنني… لستُ ماهرًا في التعامل مع مثل هؤلاء الأطفال ، قد أفسد الأمر بدلًا من إصلاحه.»
«يبدو أن جلالتكم ترون الأطفال كأنهم حلوى غزل البنات ، تذوب بمجرد لمسها.»
«لذلك اذهبي أنتِ ، وانتزعي يوبيل لوهيا من حضن تلك الأم التي تشبه الكنغر ، وهدّئيه بلطف ، ثم تحققي مما إذا كان قد تلقى فعلًا نبوءة كهذه ، أم أنه تعرّض لغسل دماغ.»
…جوديث ، رغم ادعائها الحب ، لم تكن تعرف حقًا أي نوع من الرجال كان الإمبراطور ..
«وإن كان قد تلقّى فعلًا نبوءة كهذه ، فماذا ستفعل؟ هل سيتعيّن على جلالتكم الزواج من أمي ، وتعيين بوريس وليًا للعهد؟ بوريس يحمل ، مثل جوزيف ، دم السلالة الجانبية ، لذا فهو ليس عديم الأهلية ، أليس كذلك؟ بل وربما ، إذا اخترتم بوريس فعلًا ليكون الإمبراطور القادم ، فإن الزواج من أمي قد يكون أفضل وسيلة لضمان الشرعية.»
«لا تقولي كلامًا لا يعبّر عن قلبكِ ، أشعر وكأنكِ تختبرينني.»
«…لكن هذا ليس كلامًا خاطئًا.»
«لا أدري لماذا تقولين هذا فجأة ، لكن اعلمي أن زواجي من جوديث لوهيا أمرٌ لن يحدث حتى لو انهارت السماء ، وإن كانت تلك نبوءة حقيقية فعلًا ، فسأشعر بالفضول: لو اختفت جوديث لوهيا فجأة قبل أن تتزوجني ، فلماذا لم تتنبأ النبوءة إلا إلى هذا الحد؟ …هكذا سأفكر.»
كان الإمبراطور رجلًا طيبًا ، لكنه في الوقت نفسه شخص لا يبالي حتى لو وُصِف بالطاغية ..
«هناك كثيرون يتلهفون لكسب ودّ جوديث لوهيا، لذلك لا أستطيع الوثوق بأحد ، وحتى إن بدا أحدهم جديرًا بالثقة ، فعدم موهبتي في التعامل مع الأطفال قد يجعلني أبكيهم بدل أن أُقنعهم ،
لذا اذهبي أنتِ.»
«……»
«اذهبي وامنحي رأسكِ قليلًا من الراحة ، صحيح أن المريض ينبغي أن يستلقي ، لكن بعض الأمراض يولد من كثرة الاستلقاء.»
لم أكن أنا أيضًا أرغب في رؤية زواج هذين الاثنين ، لا في الواقع ولا حتى في الأحلام ..
ولذلك ، رغم خواء صدري وتلاشي دوافعي إلى حدٍّ كبير ، فإن فكرة مشاهدة ذلك المشهد كانت كافية لأن تدفعني إلى المجيء إلى هنا ..
«يوبيل يتلقى درسًا الآن ، سيستغرق الأمر بعض الوقت حتى ينتهي ، فاستريحي في غرفتكِ أولًا ، وسأجعله يأتيكِ.»
ابتسمت جوديث ابتسامة رقيقة ..
«غرفتكِ تُحافَظ عليها دائمًا نظيفة ، فإن احتجتِ إلى أي شيء فلا تترددي في إخباري.»
«نعم.»
«ألن تذهبي لإلقاء التحية على والدكِ؟»
حبستُ ضحكة كانت على وشك الانفجار بصعوبة.
«لا.»
«حسنًا ، إن استرحتِ في الغرفة فسأرسل لكِ بعض الضيافة …»
بدأتُ السير قبل جوديث ..
وحين غابت عن الأنظار ، فرك نوي ذراعه وقال:
«كنت أستمع إلى حديثكِ مع أمكِ قبل قليل ، وشعرتُ وكأن حرارة جسدي انخفضت ، بردتُ ، بردت!»
«إن كنتَ تشعر بالبرد فارتدِ ملابس.»
«أظن أن تلقي ضربة واحدة سيكون أنظف وأفضل ، على الأقل سأشعر بالحرارة.»
غرفتي ..
لا أظن أن لي حقًا غرفة في قصر لوهيا ..
لكن إن كان لا بد من اختيار ، فإن العلية الصغيرة القذرة التي تُركتُ فيها مهملة حتى بلغت العاشرة كانت هي الغرفة التي شعرتُ بأنها غرفتي ..
لا هذه الغرفة الواسعة المرتبة أمامي الان ، التي لا ينقصها أي شيء فاخر ..
«غرفة جميلة.»
دخل نوي الغرفة بخطوات واسعة قبل صاحبتها، ثم ارتمى على الأريكة ..
وقال:
«هذه أول مرة أرى فيها “جوديث لوهيا” بنفسي، لذلك ظننتُ في قرارة نفسي أنه قد يكون هناك حلّ سلمي ، فهي أمكِ البيولوجية ، بعد كل شيء.
فكرتُ أنني ربما أستطيع التوسط بينكما.»
«وبعد أن رأيتها فعلًا ، ما رأيك؟»
«انسَي الأمر ، النبوءة ، الإقناع والوساطة وكل ذلك… كان مجرد هراء يشبه كلام النائم.»
تنهد نوي بعمق ..
«الليلة سنُنزل على يوبيل لوهيا “النبوءة الحقيقية”.
وعلى أي حال ، يجب أن تُنزَل نبوءة بشأن جوزيف لوهيا أيضًا ..
لذا سنُضمّن في نبوءة الليلة إشارة إلى أن الحلم الذي رآه سابقًا لم يكن نبوءة أصلًا.»
كانت طريقة نوي هي الأسلوب الكلاسيكي الصحيح ..
«ستفقد جوديث لوهيا ثقة الجميع ، وسيحصل الإمبراطور على مبرر لفصل يوبيل لوهيا عنها ، انتهى الأمر.»
«لا يمكن.»
لكن ، وبسبب كونها طريقة “صحيحة” إلى هذا الحد ، كانت مليئة بالثغرات التي قد تُستَغل للهجوم المضاد ..
التعليقات لهذا الفصل " 200"