«طبعًا لم تكن أنت ، والدتي هي من تلاعبت بيوبيل ، أنتِ رأيت ذلك في الكتب أيضًا ، أليس كذلك؟ في خطوط الزمن التي لم أكن موجودة فيها ، كانت كثيرًا ما تزوّر النبوءات مع الأخ جوزيف ، صحيح أن وصولها إلى هذا الحد من الانحطاط يحدث للمرة الأولى ، لكنه ليس مستحيلًا.»
وضعتُ جبهتي على ركبتيّ وأمسكتُ برأسي ، كان الصداع ينبض بقوة ..
«…كيف تنوين حلّ الأمر؟»
«……»
«لا، لحظة ، هل لديكِ أصلًا نية للحل؟»
«ما الذي تقصده؟»
نظر إليّ نوي بعينين موحشتين على نحو ما ،
نوي سريع البديهة ، لكنه لا يفرّق بين ما ينبغي قوله وما لا ينبغي حسب الجو ، تمامًا كما هو الآن.
«بهذا الشكل ، حتى لو تجاوز وينتر “النهاية”، فسيموت ، وأنتِ بنفسكِ قلتِ أمامي إنكِ مستعدة للتخلي عن هذا الخط الزمني والبدء من الصفر.»
«…هل تعتقد أنني لن أبذل قصارى جهدي لأنني فقدتُ التعلّق بهذا الخط الزمني؟»
«بصراحة؟ نعم ، ثم إن وضعي مختلف عن وضعكما.»
ومع ذلك ، لم أكره نوي ..
«أنا لا أملك معكِ ومع وينتر تلك الرابطة الخاصة التي تجعلنا ننتظر “الحياة التالية”. إذا لم يُحسم الأمر في هذه الحياة ، فسأفقد كل ذكرياتي ، وأعود للتجوال تائهًا من جديد ، دون أن أعرف من أنا ولا ما الذي يجب أن أفعله… إلى أن تعثروا عليّ مرة أخرى.»
كان نوي صريحًا فحسب ، وكانت كلماته القاسية مفيدة جدًا لإفاقتي ..
تنهد نوي مرارًا ، ثم رفع فنجان الشاي وابتلعه دفعة واحدة كما لو كان خمرًا ..
«لا تفهميني خطأ ، هذا لا يعني أنني لا أهتم إن مات وينتر أم لا ، علاقتي بذلك الوغد ليست جيدة كما وُصفت في “العمل الأصلي”، لكن رغم ذلك ، أتمنى أن تنتهي الأمور للجميع على خير ، أنا لا أستطيع إدراك ذلك ، لكن لديكم أنتم تلك القدرة غير المعقولة المسماة بالعودة بالزمن ، عندما تكون هناك فرصة ولا تُستعمل ، فهذا غباء.»
«……»
«لكن في المقابل ، أن تقفي أمامي بكل وقاحة وتعلني أنكِ ستتخلين عن كل شيء هنا؟ هذا أمر مزعج جدًا بالنسبة لي ، مهما كان ، هذه الحياة الحالية هي كل ما أملكه.»
كان نوي يراقب ردّة فعلي بدقة ، لكنني لم أستطع قول شيء ، لأنه كان محقًا ..
ومع استمرار صمتي ، بدأ نوي يحكّ رأسه بعصبية ، غير قادر على الثبات ..
لم يكن الصمت بقصد إحراجه ، بل لأنني كنت فعلًا أشعر بالذنب ، ولهذا فتحتُ فمي بصعوبة.
«…آسفة.»
كان جسدي كله ثقيلًا كقطنٍ مبلل بالماء ، حتى إسقاط كلمة واحدة كان مرهقًا ..
«لم أقصد أن أطلب منكِ الاعتذار! ما أريد قوله هو، يعني…!»
ضرب نوي الطاولة بقوة، وكأنه انفجر من الضيق
«لو كنتُ أستطيع إيقاف ملك الوحوش ، لكنتُ فعلتُ ذلك بجسدي كله ، أنا أيضًا لا أتمنى أن أراه يتحطم إلى أشلاء.»
«أعرف أنك أيضًا تريد لوينتر أن يعيش ، لا داعي لأن تختار كلماتك إلى هذا الحد …»
نطقتُ جملتين بصعوبة ، لكن بدا أن نوي لم يكتفِ بذلك ..
«قلتِ إنكِ عدتِ بالزمن آلاف المرات بسببه ، أليس كذلك؟ إذًا أجّلي نقطة العودة قليلًا! الاستسلام جاء مبكرًا جدًا! حتى لو لم يكن هناك حل الآن ، من يدري؟ ربما يظهر لاحقًا حل جديد لم يخطر ببال أحد …»
«نعم… هذا ممكن.»
«قد أكون أتكلم بسهولة لأنني لا أعرف شعور العودة بالزمن ، لكن كلامي ليس خطأ ، أليس كذلك؟»
«كلامك صحيح.»
قدّرتُ محاولة نوي لرفع معنوياتي ، وحاولتُ أن أتفاعل معه بقدر استطاعتي ..
لكن يبدو أنه لم يستطع إخفاء حقيقة أن جهده لم يُحدث أثرًا كبيرًا ، إذ أخذ يطرق جبهته مرتين أو ثلاثًا وهو يتنهد بعمق ..
«هووف… لكن بما أنكِ استيقظتِ ، لماذا لا تذهبين لرؤية وينتر؟»
«…لأنني أشعر بالمرارة تجاهه ، ولأنه أحمق أيضًا.»
«وينتر؟»
ضحكتُ بخفة ..
«كان هناك حل ، كان يمكنه ببساطة التخلي عن السهل الاوسط ، أي التخلي أصلًا عن العقد مع ملك الوحوش ، ففي جميع خطوط الزمن قبل أن يلتقي بي ، لم يكن ذلك العقد موجودًا من الأساس.»
«…لكن عندها سيموت عدد أكبر من الناس أثناء موجة الوحوش.»
أومأتُ برأسي بهدوء ..
«ومع ذلك… ومع ذلك ، لو كان القرار بيدي ، لظننت أنني كنت سأضحي بأي شيء من أجل إنقاذ وينتر …»
اتسعت المسافة قليلًا بين حاجبي نوي وجفنيه
«ولهذا لا أريد رؤيته الآن ، بصراحة ، الأمر مضحك جدًا ، عندما التقيتُ وينتر لأول مرة ، كنت أتمنى بشدة أن يستعيد صورته القديمة كبطل ، لكن الآن ، وبسبب ذلك ، أوشك أن أفقده.»
سأصاب بالجنون ..
العالم يحتاج إلى وينتر ، لكنه لا يريد سوى امتصاصه حتى آخر قطرة ثم رميه بشكل بائس ..
«والآن ، بعد كل هذا ، ها أنا ألوم وينتر ، مع أنني أنا من لم أجد حلًا في النهاية ، لذلك… لا أستطيع رؤيته الآن.»
بدا أن حلق نوي قد جفّ ، فراح يجرع الشاي بلا توقف حتى فرغ الإبريق تمامًا ، ولما لم تبقَ فيه قطرة واحدة ، تناول حتى فنجاني وشربه ..
«أليست لديك حساسية من الكحول؟ فلماذا تُصرّ على تقليد شرب الخمر بالماء أو العصير؟»
وضع نوي الكأس وهو يقول: «كـه!»
«لكن اسمعي ، لأنكِ أنتِ هكذا ، يستطيع وينتر أورشيرس أن يعيش ، كائن مثل وينتر أورشيرس… مهما فعل ، يحتاج إلى شخص يبقى في المكان نفسه ، ينظر إليه وحده مثل دوّار الشمس ، بإخلاص أعمى ، من دون ذلك ، لا يستطيع الصمود …»
ما هذا الكلام؟
لم أتمالك نفسي وضحكتُ ..
«المهم هنا هو: “مهما فعل”، و“بإخلاص أعمى”. إلى أي حد؟ إلى حدّ يكون مؤلمًا حتى لصاحبه ، ومع ذلك لا يستطيع التخلي ، إلى هذا الحد من العمى.»
شعرتُ وكأن وجودي ليس سوى جزرة وضعتها الدنيا لترويض وينتر كما تشاء ..
«وينتر أورشيرس يحتاج إلى شخص مثلكِ ، يلوم نفسه لأنه غير أناني ، لذلك ، إن كنتِ لا تلتقين به بسبب هذا السبب ، فهو مجرد إضاعة للوقت.»
«……»
«إن كان رأسكِ ما يزال معقدًا ، فلنحرّك الجسد أولًا ، أنتِ بحاجة إلى تغيير جو.»
نظرتُ إلى نوي شزرًا من شدة السخرية ..
«مقابلة أمي التي تتوق لقتلي هي تغيير جو؟»
ابتسم نوي ابتسامة ماكرة ..
«هذه المرة سأذهب معكِ ، كنتُ آسفًا لأنني لم أستطع مساعدتكِ كثيرًا طوال هذه الفترة بسبب الأخت روز.»
«يبدو أن من يريد الترفيه عن نفسه بمشاهدة بيت يحترق ليس أنا بل أنت ، لم تتصالح مع العم بعد ، أليس كذلك؟»
«العم؟ من هذا؟»
«العم هو والدك.»
برزت عروق متقاطعة على جبهة نوي وهو يعضّ على أسنانه ..
«ماذا؟ عمّ تتحدثين؟ ليس لدي سوى أمي وأختي.»
—
قصر لوهيا ازداد إشراقًا عامًا بعد عام خلال السنوات السبع الماضية ..
حتى الداخل ، الذي كان قاتمًا إلى حدّ يبعث على الضيق ، امتلأ الآن بزينة من أزهار ملوّنة ..
الثريات تغيّرت لتصبح فاخرة إلى حدّ البذخ ، ولم تبقَ ستارة واحدة من دون حواف مذهّبة
أما السجاد فكان من أجود الأنواع ، يُطلب خصيصًا من نقابة التجار التي لا تزور المكان سوى مرتين في السنة ، وحتى تنانير الخادمات كانت مغطاة بالدانتيل ..
«لقد طال غيابكِ ، إيزانا.»
كنتُ أفكر: هذا المكان يتغير في كل مرة آتي فيها، لكنني ضحكتُ بخفة عندما سمعتُ الصوت المألوف من خلفي ..
هذا المكان يتغير في كل مرة ، نعم…
لكن هناك أمرًا واحدًا لا يتغير أبدًا ، إلى حدّ يبعث على السأم ..
إنه شفقة ذلك الشخص على نفسه ، وقسوته ..
«مرّ وقت طويل فعلًا ، يا أمي ، هل كنتِ بخير طوال هذه المدة؟»
«هل أقول إنني كنتُ بخير لتسعدي ، أم أقول إنني لم أكن بخير لتسعدي……؟»
كانت جوديث لا تزال جميلة إلى حدٍّ لا يُستهان به ..
«أودّ أن تكون ابنتي ، التي ألتقي بها بعد زمن طويل ، سعيدة ، لذا اخبريني ، كيف تحبين أن تُجيبكِ هذه الأم؟»
وبدا مزاجها أفضل من أي وقت مضى ..
«بما أنكِ تبدين في هذا القدر من السعادة ، فلا أظن أن هناك حاجة لإجابة محددة ، أليس كذلك؟
هل لأنكِ ستصبحين عروسًا جديدة قريبًا……؟»
عند سماع كلمة عروس جديدة ، أمسكت جوديث بيدي بكلتا يديها ، وتوسلت بعينيها الدامعتين وكأنها تشعر بالأسف ..
«أنا آسفة لأن الأمور آلت إلى هذا الشكل ، لكنكِ تعلمين أنه لا يمكن رفض النبوءة ، أليس كذلك؟»
«يا إلهي ، أمي…….»
يبدو أنها تحبّ جلالة الإمبراطور حقًا ..
وإلا فكيف ، وهي تذرف الدموع بهذا الشكل ، لا تستطيع إخفاء انحناءة شفتيها الصاعدة……؟
التعليقات لهذا الفصل " 199"