منذ أن استعدتُ ذكرياتي عن الأرض ، كنتُ أزحف ببطء فوق أرضية من زجاج متشقق ، ثم فجأة ، تحطمت بالكامل ..
سقطتُ بلا توقف طوال ثلاثة أيام ..
لم تكن هذه أول مرة يلتقيني فيها وينتر في أحد الخطوط الزمنية…
ولا الثانية ، ولا الثالثة ..
كنتُ إيزانا لوهيا رقم n ، إلى درجةٍ لم يعد ممكنًا عدّها ..
ومع ذلك ، لم يكن هذا الأمر مهمًا لي الآن ..
«غريب ، أليس كذلك.»
في وقتٍ ما ، كنتُ أخشى أن لا أكون إيزانا لوهيا الأولى بالنسبة لوينتر ..
وكان أكثر ما أخافه هو أن يترك الحياة التي قضاها معي ، أنا «الحالية»، ويرحل وحده بحثًا عن خطٍ زمني آخر ..
لكن الآن ..
كان القرار الذي اتخذه وينتر بعدم الرحيل إلى خطٍ زمني جديد حيث تنتظره إيزانا لوهيا رقم n+1 هو أكثر ما أرعبني ..
لماذا؟
لأن وجودي الحالي لم يكن ليتحقق لولا أن إيزانا لوهيا الأولى—أول «أنا»—سمحت بوجود عددٍ لا يُحصى من إيزانا لوهيا رقم n …
أم لأنني عرفتُ هذه الحقيقة بعد أن عزمتُ بالفعل على البدء من جديد؟
لا ، لم يكن أيٌّ من ذلك ..
«هل يمكنه أن يرضى برؤية وجهٍ آخر غير هذا الوجه؟»
المستقبل الذي لن يوجد فيه وينتر في هذا العالم ، ذلك المستقبل الذي قد تواجهه إيزانا لوهيا الحالية قريبًا… كان مخيفًا إلى حد أن حقيقة كوني إيزانا لوهيا رقم n بدت بلا أي أهمية بالمقارنة ..
بالطبع ، إن فشلنا في تجاوز «النهاية» في هذا الخط الزمني ، فلن يكون أمام وينتر سوى أن يعود بالزمن وحده مرة أخرى ..
وحينها، لن يلتقي بي—إيزانا لوهيا رقم n—بل بإيزانا لوهيا رقم n+1 ..
لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن وينتر ، في النهاية ، سيضطر إلى شطر نصف روحه وصنع جسدٍ لـ«الحاكم المنسي» ..
لذلك ، حتى لو فشلنا هذه المرة في تجاوز «النهاية»، فإن إحدى إيزانا لوهيا رقم n+x ستواجه حتمًا مستقبلًا يموت فيه وينتر مبكرًا جدًا ..
«…تبًّا.»
لا أعلم متى استعدتُ وعيي ..
بين الكلمات المتطايرة في رأسي المشتعل ، وبين تيهٍ محموم داخل اليأس ، بدأتُ أرى العالم الضبابي بين جفنيّ يتضح شيئًا فشيئًا ..
وفي اللحظة التي أدركتُ فيها أنني عدتُ إلى واقعٍ لا يمكن إنكاره ، خرجت من فمي لعنة بلا تفكير ..
عندها ، قال شخص ما بنبرةٍ مستنكرة:
«أخيرًا استيقظتِ …»
فتحتُ عينيّ نصف فتحة وأدرتُ رأسي ، فرأيتُ الإمبراطور ، بعينين غائرتين ، يطوي الوثيقة التي في يده ويحدّق بي بغيظ ..
لكن سرعان ما أمسكت بي قبضة عصبية ورفع جفنيّ بالقوة ، فبدأتُ أرتجف كسمكة طازجة ..
صرخ الإمبراطور وهو يفتح عينيّ بكلتا يديه ، ووجهه ممتلئ بالغضب:
«أيتها المشاكسة! هل تعلمين كم أفزعتِني؟!»
«مـمـم!»
«تبًّا لكِ ، أيتها الكارثة المتحركة! ألم أحذّركِ أن الملك السابق فقد عقله بعد دخوله ذلك المكان؟ ماذا تريدينني أن أفعل وأنتِ تعودين بهذا الحال؟!»
انزلقت يد الإمبراطور إلى فمي ، ثم أمسك بخدّيّ وبدأ يمدّهما بلا رحمة ، مرة إلى أعلى ومرة إلى أسفل ، بشكلٍ قطري ..
وبعد أن أفرغ غضبه وأفلتني ، رفعتُ الغطاء حتى أسفل ذقني وسألته بصوتٍ مرتجف:
«مـ… من أنت؟! ولماذا تتصرف وكأنك تعرفني؟!»
في تلك اللحظة ، انهار تعبير الإمبراطور انهيارًا مريعًا ..
هل بالغتُ في المزاح؟
يا للهول ، يبدو أن حسّي الفكاهي تعطّل بسبب الصدمة النفسية ، فأسأتُ تقدير التوقيت ..
«أوه؟ لا، انتظر… حين أنظر جيدًا ، أليست هذه جلالة إمبراطورنا الأنيق؟»
ابتسمتُ بخفة وحركتُ خديّ ..
والنتيجة…
«آه… آسفة! جلالتك ، آآه! آسفة، أرجوك توقّف!»
«……»
اضطررتُ أن أترجاه بكل ما أملك لأهدّئه ، وهو يحاول حملي مع السرير كله ورميي من النافذة.
وبعد أن انتهت تلك الفوضى القصيرة…
«يبدو أنني دللتكِ أكثر مما ينبغي …»
«هيك… هيك…»
«لا تُنزلِي ذراعيكِ خلسة ، ارفعيهما جيدًا.»
حدّق الإمبراطور بي بنظرة حادة وأنا أقف للعقاب ، ثم ألصق منديلًا ورقيًا جافًا على أنفي الذي لا يتوقف عن الشهيق ، وسأل:
«إذًا ، بعد أن سببتِ كل هذه المصيبة ، لا بد أنكِ خرجتِ بشيءٍ ما ، أليس كذلك؟ هل حققتِ ما أردتِ؟»
ازداد نشيجي قليلًا ..
«…أم أن الوضع ازداد سوءًا؟»
أومأتُ برأسي بخفة ..
وعندها ، أظلم وجه الإمبراطور بدوره ..
«هل يعني هذا أن [إيغريو] قد يموت قبل أن يُنجز مهمته؟»
آه ، ذراعاي تؤلمانني كثيرًا ..
في النهاية ، وتحت ذريعة أنني أنفخ أنفي ، أنزلت ذراعيّ بخفة ونفخت أنفي بقوة في المنديل ..
«…لا، ليس هذا ما أقصده ، ما حدث لم يكن لـ[إيغريو]، بل لـ‘وينتر أورشيرس’.»
كرر الإمبراطور كلماتي ببطء ، وكأنه يتذوقها ..
«ليس [إيغريو]، بل وينتر أورشيرس……»
«نعم… لذلك لا داعي للقلق الشديد ، على الأقل ، فيما يتعلق بما قلته ، لن يتعرض طرف ثالث لأي أذى.»
«وكيف لا أقلق؟»
تصلب صوت الإمبراطور ..
«أنتِ خطيبته ، الاستمرار في هذه العلاقة وأنتِ تعلمين أنه رجل سيموت قريبًا لن يؤدي إلا إلى تدمير نفسكِ …»
«إنه ليس شخصًا سيموت قريبًا!»
صرخت بحدة دون أن أشعر ، كنت أقبض على الغطاء وكأنني سأمزقه ..
«سأجد طريقة ما، مهما كلف الأمر!»
بدا أن الإمبراطور قد تفاجأ بزخمي العاصف ، فأطلق ضحكة جافة ..
«أولئك الذين أخبروني إن تربية البنات أسهل من تربية الأبناء يجب أن يروا هذا المشهد……»
«أبدًا! لا فسخ للخطوبة!»
وبينما كنت ألهث غضبًا ، رفع الإمبراطور يديه وقال:
«يبدو أنني قلت ما لا داعي له ، حسنًا ، فهمت ، في الوقت الحالي لدينا مشكلات أخرى ، ومع موجة الوحوش التي تطرق الأبواب ، لا يوجد متسع لمثل هذا الحديث ، لنتكلم في الأمر لاحقًا.»
فجأة ، فاضت مشاعري ، وبعد أن استعدت هدوئي قليلًا ، بدأت كلمات وينتر التي قالها لي تدور في رأسي ..
مسحت دموعي التي اندفعت فجأة بظهر يدي وتمتمت:
«حتى لو صار وينتر كلبًا قبيحًا ، أو زهرة ، أو نباتًا منزليًا… لن أفسخ الخطوبة ، بالطبع! قبل ذلك سأجد طريقة ما بكل تأكيد! على أي حال ، لا يجوز!»
«……؟»
بدا أن الإمبراطور قد أُصيب بالدوار ، ففرك ما بين حاجبيه وأطلق زفرات متتالية ..
«حسنًا ، كفى الآن ، أعيدي المفتاح ، لن تدخلي تلك الغرفة مرة أخرى.»
بتردد ، نزعت المفتاح الذي كان ما يزال معلقًا في عنقي وسلّمته له ..
لا بد أنه كان يعلم أنني ما زلت أحتفظ به ، ومع ذلك انتظر حتى أستعيد وعيي بدل أن يأخذه مني فورًا ..
ظل الإمبراطور يحدق في المفتاح الذي تسلمه لفترة طويلة ..
«السبب الذي يجعلني لا أدخل تلك الغرفة ليس فقط لأن الإمبراطور الراحل أُصيب بالجنون بعد أن دخلها وخرج منها.»
كان تعبيره وهو ينظر إلى المفتاح مثقلًا ، كأنه يريد إحراقه في الحال ..
«بعد وقت قصير من ذهابه إلى هناك ، أعطاني الإمبراطور الراحل هذا المفتاح وطلب مني أن أدخل ، كنت سعيدًا جدًا ، فمنذ عودته من هناك ، كنت أتوق شوقًا لدخول الأرشيف.»
«ليس لأنك لم تكن تريد الدخول ، بل لأنك كنت ترغب في الدخول؟»
ابتسم الإمبراطور ابتسامة باهتة…
«كنت أعتقد أن ‘أبي الحقيقي’ محتجز داخل الأرشيف ، فقد أصبح الإمبراطور الراحل شخصًا مختلفًا تمامًا بعد عودته ، لذلك ، وبعقل طفل ، ظننت أن وحشًا في الأرشيف قد سجن أبي وخرج متقمصًا هيئته ، ولهذا ظللت أبحث عن فرصة للدخول ، وفي أحد الأيام ، وكأن الإمبراطور الراحل قد تنبه إلى نواياي ، أخبرني—من دون مقدمات—أن أذهب.»
كان الإمبراطور يتوق بشدة لعودة أبيه الذي عرفه ، ولعلّه كان يشعر في أعماقه أن يومًا ما سيأتي يضطر فيه إلى إدانة أبيه بنفسه ..
ولهذا تمنى بإخلاص أن يكون والده الحقيقي محبوسًا في الأرشيف ، وأن الذي في الخارج ليس سوى مزيف ..
«وقف الإمبراطور الراحل في نهاية ذلك الممر الأسود ، يراقبني بصمت وأنا أمسك بالمفتاح وأقف أمام الحراس ، ثم ظهر مدخل الأرشيف.»
وفجأة ، انتفخت عروق يده التي تمسك بالمفتاح من شدة قبضته .
«وفي تلك اللحظة ، حين رأيته يدير ظهره وكأنه خائب الأمل ، أدركت الحقيقة ، لقد كان أبي يتمنى أن أُقتل على يد الحراس …»
التعليقات لهذا الفصل " 197"