كانت عيناها الورديتان ، اللتان طالما امتلأتا بالحيوية ، ذابلتين كأوراق الخريف المتساقطة ، لم يعد يعرف كم مرة رآهــما …
«من البداية ، لنبدأ من جديد …»
وكذلك لم يعد يعرف كم مرة سمع هذه الكلمات ..
لكن ردّ وينتر هذه المرة كان مختلفًا ..
«هذا غير ممكن …»
—
لو جُمِعَت كتلة الزمن التي ارتدّ فيها وينتر إلى الوراء ، لبلغت حدًّا يضاهي الخالق .
كان إحساسه بالزمن فريدًا؛ بطيئًا إلى حدّ يبعث على الضيق ، كمن يراقب حلزونًا ..
ومع ذلك ، صارت تلك الأزمنة في نظره أشبه بالريح ، شيء يمرّ به فحسب ، يلامسه ثم يمضي ، لا حاجة للإمساك به ، ولا حتى للتفكير في ذلك ، كان فقط يطفو فوق بحرٍ شاسع بلا نهاية ..
إلى أن ظهرت فجأة فتاة هزيلة ذات شعر أخضر .
«أنا [ماتيريا]!»
[ماتيريا] ..
في زمنٍ ما ، جاب وينتر العالم بأسره بحثًا عن ذلك الوجود ، استخدم كل وسيلة يمكنه حشدها، لكنه لم يعثر على شيء ، وفي النهاية توصّل إلى استنتاج واحد:
[ماتيريا] ماتت فور ولادتها ..
لذلك كان من المستحيل العثور عليها ، وحتى لو وُجدت ، فلا بد أنها كانت قد ماتت بالفعل
وهكذا عاش متخليًا عن [ماتيريا]… إلى أن ظهر أمامه شخص لم يره من قبل ، حاملًا اسمًا صار يعرفه أكثر مما ينبغي ، بل سئم منه ..
«اسمي إيزانا لوهيا ، [ماتيريا] ليست يوبيل ، بل أنا، إيزانا لوهيا ، الابنة الثالثة في هذا البيت.»
لوهيا ..
كان يظن أن حتى كراهيته لذلك الاسم قد تلاشت ، حملتها الرياح إلى مكانٍ ما بعيد ،
لكن منذ اللحظة التي أدرك فيها أن إيزانا لوهيا هي [ماتيريا]، بدأت رياحه تعود محمّلة بآثار الماضي ..
وعادت ساعته لتسير بوتيرتها الأصلية ..
أكان الزمن الذي تحوّلت فيه الفتاة إلى امرأة قصيرًا إلى هذا الحد؟
كل شيء بدا قصيرًا ، لحظةً عابرة لا أكثر ..
ولهذا السبب…
«لنبدأ من جديد …»
«……»
«من البداية ، لنبدأ من جديد …»
عندما واجه هذا الموقف نفسه تمامًا لأول مرة ، لم يرفض وينتر طلبها ..
في الأصل ، كان ربط موتيهما معًا أمرًا طلبته إيزانا ..
كانت تخشى أن تختفي «إيزانا لوهيا» الحالية إن عاد وينتر بالزمن دون أن تدري ، ففرضت هي هذا القيد بنفسها ..
لكنها الآن هي من نقضته ، وطلبت أن يبدأ كل شيء من جديد ..
لم يجد وينتر سببًا للرفض ..
هي أرادته ، وهو تأثّر بها ..
«ليس وينتر أورشيوس ، بل أنا… ايزانا هي البطلة.»
«بطلة جديدة ظهرت من أجل إنقاذ بطل العمل الأصلية.»
كان يظن دائمًا أنه في مركز كل شيء ، لكن منذ اللحظة التي اقتحمت فيها حياته ، لم يعد كذلك ،
وكان ذلك خلاص وينتر …
خلال ذلك الزمن الطويل ، وهو يحمل عبء كونه مركز العالم ووجوده الوحيد ، أنزله عن كاهله بسهولة مذهلة ..
كل هذا بسبب فتاة واحدة فقط .
لو اختُصرت حياته كلها في يوم واحد ،
فإن تلك الثواني القليلة كانت كافية لتغييره بالكامل ..
وبفضلها ، صار زمن وينتر يجري بسرعة ، كالسنجاب الذي يدور بلا توقف في عجلة ..
حتى لو بدأ من جديد ، سيعود إلى هذه اللحظة سريعًا ..
وحتى لو طال الزمن قبل أن يلتقي بخط زمني يلتقي فيه بإيزانا لوهيا مرة أخرى ، فلن يشعر به بطيئًا ..
لأنه لم يعد انتظارًا عبثيًا ..
لقد تأكد من حقيقة خلاصه ، رآه ، التقاه ، ولمسه بيديه ..
أمسك بيقين أنه يستطيع امتلاك ذلك مرة أخرى.
«عدني ألا تأتي للبحث عني أولًا …»
قالت إيزانا التي التقاها في أول حياة ، قبل إعادة الزمن ، مرارًا وتكرارًا:
«عليك أن تجدني أنا الحالية ، حتى أبلغ العاشرة وأصبح نجمة [ماتيريا]، سأبقى على قيد الحياة بنفسي ، أستعيد ذكرياتي ، وأستدعيك بإرادتي ، لا تبحث عني قبل ذلك ، وإن متّ دون أن يسمع بي أحد قبلها ، فلن أكون أصلًا الـ(أنا) التي يمكنها الوصول إلى هنا ، انسَني حينها.»
أن يجد إيزانا لوهيا الحالية، لا غير .
.
«إلى أن أصل أنا الحالية إلى نفسي ، لا تكشف أي حقيقة ، هكذا فقط يمكن الحفاظ على كل ما تحقق حتى الآن …»
ووعدها وينتر بذلك عن طيب خاطر ..
«سأنقذ العالم ، وأنت يا وينتر ، أنقذ نفسك ، ابحث عن نفسك ، اعثر على طريقة تحمي بها ذاتك حتى بعد أن تنتزع تعاون السهل الأوسط من ‘الحاكم المنسي ..’.»
وهكذا ، ولأول مرة في كل حياته ..
«سأكون هنا ، في هذا الوقت بالذات ، أنتظرك.»
بدأ وينتر ارتداده الخاص مرة أخرى ، ليس من أجل العالم ، بل من أجل إنقاذ نفسه وحده ..
في تلك العودة الجديدة التي بدأت على هذا النحو ، كان أكبر عائق هو أن يكتفي وينتر بالمراقبة من بعيد ، دون أن يفعل شيئًا ، إلى أن تبلغ إيزانا لوهيا العاشرة من عمرها ..
«لا تبحث عن أخباري ، وتصرف وكأن شخصًا مثلي لم يكن موجودًا أصلًا ، عِش وأنت تظن أن كل ذلك لم يكن سوى حلم عابر ، وحين تصل قصتي إلى أذنيك أولًا ، عندها فقط ، كما فعلت في هذه الحياة ، تعال وابحث عني.»
وكان عليه أيضًا أن يقتلها بيديه ، مرة بعد مرة ، بعد أن يلتقيها أخيرًا بصعوبة بالغة …
«يجب أن تتصرف بالطريقة نفسها تمامًا ، خصوصًا في البداية ، فهذا الجزء بالغ الأهمية ،
أنا ، بخلافك يا وينتر ، أنانية بعض الشيء ، ولا أصحو إلا بعد أن أتذوق طعم القسوة مبكرًا ، لذلك ، عندما نلتقي للمرة الأولى ، عاملني بالطريقة نفسها تمامًا ، وإلا فسأنشأ شخصًا متكاسلًا ومتراخيًا ، وسأفسد كل شيء دون شك …»
لكي يظهر من جديد خطّ زمني تنمو فيه إيزانا لوهيا بسلام حتى تبلغ العاشرة ، كان لا بد من عدد لا يحصى من العودات ..
إن لم تنجُ إيزانا ، كان وينتر يعيد الزمن فورًا ،
ودون أن يشعر ، صار عاجزًا عن إيجاد أي معنى في خطوط زمنية لا وجود لها فيها ..
ثم ، وكأنه كذبة ، بدأ التغيّر يظهر ..
عدد العودات اللازمة حتى يظهر خط زمني تنجو فيه إيزانا بدأ يتناقص تدريجيًا ..
إن كان الأمر في البداية يحتاج إلى ألف عودة ، صار بعدها ثمانمئة ، ثم خمسمئة ..
وهكذا ..
إلى أن جاء وقت بدأت فيه إيزانا لوهيا ، في كل مرة ، بالنجاة حتى تبلغ العاشرة ..
وحينها ، فاجأت إيزانا وينتر مرة أخرى ..
«إلى أن أصل أنا الحالية إلى نفسي ، لا تكشف أي حقيقة.»
إيزانا في الحياة الأولى كانت تفصل بين «نفسها الحالية» و«هي» في خطوط زمنية أخرى ..
كانت تخشى اختفاء «أناها الحالية» إلى هذا الحد
وكان ذلك شعورًا يمكن تفهّمه تمامًا ..
وينتر اختبر بنفسه ، عبر العودات، مدى لا نهائية الاحتمالات التي يمكن أن يحملها الشخص نفسه.
وإيزانا أيضًا قرأت ذلك ، وعاشته ، ولو بشكل غير مباشر ..
حين يتغيّر الظرف ، يتغيّر الإنسان ، وأحيانًا يكفي تغيّر طفيف للغاية ليصبح شخصًا مختلفًا كليًا ..
وبحسب خبرته ، لم يكن هناك من يخرج عن هذه القاعدة سوى اثنين فقط:
التعليقات لهذا الفصل " 195"