أسقط ملك الوحوش الذراع التي كان قد رفعها ارتخاءً ..
«مونجو.»
«أحتاج إلى دليل ، أنا لا أحب نقض العقود…»
«مونجوجو.»
«وإن كان كذبًا ، فسأجعل حياتكِ أسوأ من الموت …»
«مون—جو.»
«يبدو أنكِ سئمتَِ من الرجوع عبر الزمن ، لكنكِ ستدفعين ثمنًا قاسيًا يجعل حتى ذلك أمرًا تتشبثين به بشدّة.»
فتح ملك الوحوش فمه على اتساعه ، خلف الأسنان التي نبتت متزاحمة كان ظلامٌ بلا قاع حبيسًا ..
تذكّرتُ اللحظة التي رأيتُ فيها هويريون بعينيّ المجرّدتين .
«هذا الذي أمامي حاكم أيضًا.»
اضطربت معدتي فجأة ، فأشحتُ بنظري على عجل ، ثم شددتُ على فكي المرتجف قسرًا وقلت:
«اسمك ومقامك محفوظان على هيئة كتاب ، إنهما موجودان ككيانٍ مادي ، من المؤسف اختصار ما مررتُ به في سطرٍ واحد ، لكن باختصار: قرأتُ ذلك الكتاب بنفسي ، وأصابتني لعنته ، غير أنني تحرّرت منها بفضل الرجوع.»
«……»
«لذلك أنا وحدي أعرف أين يوجد ذلك الكتاب ، وأنا وحدي القادرة على إحضاره ، من دوني لن تستطيع حتى الوصول إلى ذلك المكان.»
لم يتحرّك ملك الوحوش قيد أنملة ، تسلّل خيطٌ ساخن من الدم عبر قبضتي المشدودة ..
«إن لم يكن الشخص من سلالة الدم الإمبراطوري—بل من نال إذن الإمبراطور تحديدًا—فلن ينفتح الباب الذي يوجد خلفه ذلك الكتاب ، سواء صرتَ حاكما أم أيًّا كان ، فالباب أصلًا لن يُظهر نفسه! والآن ، الطريقة الوحيدة التي يمكنك بها استعادة اسمك هي من خلالي أنا!»
وفي تلك اللحظة—
عانقني أحدهم من الخلف ..
«لا بأس …»
كان وينتر. وفي الوقت نفسه بدأ بصري يَغرق في السواد…
«آه… لماذا…؟»
الظلام المحبوس داخل مونجو ، انفرش في الفضاء كما لو أن سماء الليل قد بُسطت ، لقد كان فمًا ، مئات ، آلاف ، عشرات الآلاف من الأسنان الشبيهة بالمناشير نبتت من ستار العتمة ..
وكانت تنمو ، بلا نهاية ، حادّةً نحو شخصٍ واحد بعينه…
«لِمَ… لماذا؟ لماذا؟»
وسط السواد الدامس ، لم يكن يُرى سوى تهديداتٍ تلمع كالنجوم ..
وحين لم أعد أرى وينتر ، لوّحتُ بذراعي أبحث عنه ، لأدرك بعد لحظة أنه يقف أمامي مباشرة
تحسّستُ بذراعي ذراع وينتر ، وشددتُها بكل ما أوتيتُ من قوة ، عندها استدار نحوي وينتر ، الذي كان يحدّق في الأسنان بصمت ..
في الظلام ، بدأ ظلامٌ آخر يلمع ..
حتى في عتمة الحاكم ، استطعتُ أن أجد عينيه دون عناء ..
فإن عيني وينتر السوداوين كانتا تكشفان عن هاويةٍ أعمق ، كأنهما تسخران من الظلام المحيط.
منذ انفصاله عن الجسد ، كان وينتر دائمًا ذا نظرةٍ شرسة ، أو بابتسامة سخرية وتهكّم كمن يلاعب الآخرين ، وكان ذلك يمنحه مسحةً من الغرور ،
لكن عينيه الآن كانتا مختلفتين عن كل تلك اللحظات ، هادئتين على نحوٍ لا يحتاج إلى مقارنة .
بل أدقّ من ذلك… نعم، كان يبدو في غاية الرضا.
أمسك وينتر بيدي ، ووضعها على صدره مع يده ، ثم انحنى قليلًا ..
«أخيرًا صار بوسعي أن أعرّف بنفسي ، أنا قلب وينتر أورشيرس.»
بدا وكأنه يبتسم ..
«وبعبارة أخرى ، أنا قلبه ومشاعره ، اسمي الآخر هو المودّة والحب ، والشفقة والحزن.»
كانت الأنياب تطول أكثر فأكثر ، تلمع بتهديدٍ متزايد ، كنجومٍ خُطّت في ليلٍ دامس ، وكأنها ستسحقه في أية لحظة ..
حاولتُ أن أحميه بذراعيّ ، لكن وينتر نفسه أوقفني بحزم ..
«أنا ثقيل ، ثقيلٌ إلى حدٍّ يفوق قدرتكِ على تحمّله ، بل ويفوق قدرتي أنا على تحمّل نفسي.»
«لا، لا…!»
إن تركتُ وينتر الآن ، فلن تُرمَّم روحه غير المستقرة أبدًا ، وحتى لو بلغنا النهاية بشقّ الأنفس ، فسيموت وينتر بعد ذلك بوقتٍ قصير ..
«ما دمتُ موجودًا ، فلن يستطيع وينتر أورشيرس أن يبلغ النهاية معكِ ، أنا غير مستقر ، وأنا متغيّرٌ كبير للغاية..»
آه… كان قويًّا أكثر من اللازم ..
لا أستطيع إيقافه ..
بدأت القوة تفلت ببطء من ساقيّ…
«أونيكس ، افعل شيئًا ، أيّ شيء ، كيف انتهى بنا الأمر إلى هذا؟»
<إنه حاكم ، في اللحظة التي حاولتِ فيها فهمه بعقل كائنٍ فانٍ ومخلوق ، كنتِ قد خسرتِ بالفعل…>
ما الذي يعنيه ذلك؟
لا أستطيع أن أفهم
لا أستطيع أن أتركه يضيع هكذا ..
كانت الأنياب قد لامست بالفعل عنق وينتر ، وفي تلك اللحظة ، هبط إحساس غريب على شفتيّ…
«أمـ……»
شعرتُ وكأن عقلي يوشك أن يفرغ ، لكن الخوف من أن أفقده هكذا أعاد إليّ وعيي ، فتشبثتُ به بكل ما أوتيتُ من قوة، خشية أن ينفلت من بين يديّ ..
لم يكن ذلك رومانسيًا على الإطلاق
لم يكن لطيفًا ولا حلوًا ..
بل كانت تفوح منه رائحة دم نفّاذة ، وكنت أشعر حتى بألمٍ حاد …
أغمضتُ عينيّ واحتملتُ للحظة ، لكنه انسحب بسهولة في النهاية ، ثم مرّ إلى أذني صوتٌ بدا راضيًا إلى حدٍّ ما ..
«الحب الذي يستطيع وينتر أورشيرس أن يمنحه لم يعد سوى هذا.»
وكان ذلك آخر شيء ..
«لا… تفعَل…؟»
ابتلعت آلاف ، عشرات الآلاف من الأنياب وينتر دفعةً واحدة ، وكأنه انجذب إلى ثقبٍ أسود ، اختفى وينتر من أمام عيني في لحظة ..
وأخيرًا ، بدأت ستارة الظلام تنقشع ببطء ،
جلستُ على الأرض مترنّحة ، ورفعتُ رأسي بذهول ..
لم يكن هناك شيء..
«إيـزانا!»
ما إن انقشع الحجاب حتى انفتح مجال الرؤية فجأة ، واندفع نوي نحوي ، أمسك بكتفيّ وهزّني بعنف ، ثم اندفع بخطوات واسعة نحو مونجو الواقف في وسط الغرفة ..
«هيه ، مونجو! ما الذي تفعله فجأة…!»
«شش ، يا بني ، ليس هذا وقت الغضب.»
«ليس وقت الغضب؟! لقد رأيتَ ما حدث للتو…!»
«اصمت ، نوي!»
ألقى هوزن نظرة متوترة على مونجو ، ثم صفع نوي في النهاية ، حدّق نوي فيه بعينين لا تصدّقان ، وهو يمسك خده ..
سرعان ما بردت ملامحه ، وامتلأت عيناه بازدراء وهو ينظر إلى هوزن ، أما هوزن فأغمض عينيه ، كمن يتألّم لكنه لا يملك خيارًا ..
«العقد… عقد ، والعقد مع هذا الكائن… لا يمكن نقضه ، لو حاولتَ عرقلة تنفيذ العقد ، فأنت أيضًا…»
أدار نوي ظهره وكأنه لا يريد سماع المزيد ، ثم ساعدني على الوقوف ..
برد الهواء في لحظة ، أما أنا فظللتُ أحدّق حولي بذهول ، أبحث عنه ..
لم يكن وينتر موجودًا ..
لا، كان موجودًا…
وينتر الذي فقد قلبه كان يقف على مسافة ، ينظر إليّ ..
كانت نظرته ساكنة بلا نهاية ..
سخنت عيناي ..
لقد… فقدته حقًا ..
«مونجو.»
«صحيح كما قلتِ ، هذا الجسد غير ناضج ، واستخدامه الآن سيكون متهوّرًا ، إن استُخدم هكذا فسيتلف سريعًا.»
«مونجوجو.»
«سأصلحه داخلِي حتى يصبح صالحًا للاستخدام، ثم أستعمله بعناية ، وبهذا يكون العقد قد نُفّذ …»
قال مونجو ذلك ، ثم قفز إلى كتف هوزن واستقرّ عليه ..
«لكنني… عرضتُ عقدًا جديدًا.»
حاولتُ كبح صوتي المرتجف بعضّ شفتيّ ، لكن الأمر لم ينجح.
«قلتُ إنني سأعطيك… لماذا؟ لماذا فعلتَ هذا…؟»
«مونجوجو …>>
(يكفيني أنني عرفتُ أن اسمي ومقامي موجودان في هذا العالم على هيئةٍ مادية.)»
انهمرت الدموع ، شعرتُ وكأنني على وشك فقدان الوعي ..
«مون~جو>>
(سأقلب هذا العالم رأسًا على عقب لأستعيد اسمي ومقامي ، سواء استغرق الأمر عشرات السنين أو مئاتها ، فلا يهم ، لقد عشتُ آلاف السنين منسيًّا من الجميع ، انتظارٌ أطول قليلًا لا يبعث فيّ استعجالًا كهذا الذي تشعر به مخلوقات هويريون.)»
الآن فقط فهمتُ كلام أونيكس ..
الذي أمامي حاكم ، وساعته تختلف عن ساعتي ،
ومن حاول إقناعه من موقعي أنا ، كان فاشلًا منذ البداية ..
«مونجومونجو>>
(وبما أنكِ هنا ، فاحتمال وجوده في هذه المملكة الغربية مرتفع ، ربما لا يستغرق الأمر مئات السنين، بل عشرات فقط ، وهذا بالنسبة لي لا يختلف عن بضع دقائق تشعرون بها أنتم.)»
أمام ذلك الصوت الذي اخترق عظامي ، أغمضتُ عيني ببطء…
«مونمونجو>>
(أما الخطر الذي يهدد نسلي ، فهو مسألة عاجلة ، لم أرد سوى جسد أقوى المخلوقات لحماية نسلي ، أنا لا أسرق ، ميزاني لا يسمح بذلك ، لذا أخذتُ حقي بما هو عادل.)»
التعليقات لهذا الفصل " 194"