وحين أمسكتُ بلا وعي واحدةً مما سقط على جسر أنفي ، شقّت راحة يدي بحدّة ..
لم يكن ثلجًا… بل حراشف ..
«يبدو أن الوعي قد استعاد يقظته بفعل الارتداد ، لكن الجسد ما يزال غير ناضج.»
دوّى أنينٌ مليء بالألم ..
كنتُ مستلقية ، ثم رفعتُ جسدي ببطء ، كان التنين الأسود قد أطاح بي—أنا التي وقفتُ حاجزًا أمام وينتر—بقدمه الهائلة ومخالبه ، ثم كبسني تحتها …
خلال ذلك ، أُصبتُ بجرحٍ في ذراعي ، لكنني لم أطلق صرخة واحدة ..
التنين الأسود الذي أسقطني بدا وكأنه سيعضّ رأسي في اللحظة التالية ، لكنه سرعان ما أخذ يصرخ متألّمًا ويتمايل ..
كانت غرفة وينتر واسعة فعلًا وذات سقفٍ عالٍ ،
لكنها ، على أي حال ، لم تكن تتّسع لتنينٍ كامل
ومع ذلك ، لم يُسقط التنين الأسود عمودًا واحدًا ، كان ذلك لأن جسد وينتر الحالي يعادل جسد فتى في الخامسة عشرة تقريبًا ، ولأن بنيته لم تكن مستقرة بما يكفي لتكبر أكثر من ذلك أصلًا …
التحوّل المفاجئ بدافع المشاعر كان شديد عدم الاستقرار ، ولم يستطع وينتر الحفاظ على هيئة التنين طويلًا ، فبدأ ينهار بسرعة ..
ومن جلده الممزّق أخذت الحراشف السوداء تتساقط تباعًا ..
أسندتُ وينتر المتمايل ، لكن قوتي لم تسعفني ، فانتهى بنا الأمر إلى السقوط جالسين مرة أخرى.
تمتم وينتر:
«سئمتُ…»
وبعد أن عدّلتُ جلستي ، استقرّ رأس وينتر على ركبتي بشكلٍ غير متناسق ..
رمق كمّه الذي كان يبتلّ بالدم نظرةً عابرة ، ثم رفع بصره إليّ بوجهٍ وديع ، كأن الضجة التي أثارها قبل قليل لا تمتّ إليه بصلة ..
«يؤلمني.»
كان وينتر الأسود كيانًا تشكّل من جمع نقاط ضعف وينتر ، شخصية تشترك معه في الذكريات نفسها ..
وبعبارة أخرى ، كان تجسيدًا لرغبات وينتر الأصلية—تلك التي لم يجرؤ على إظهارها
الأنين البائس ، والملامح الساذجة الوقحة بعض الشيء الآن—كلّها نابعة من ذلك المصدر ..
«سأعالجك ، فقط ابقَ ساكنًا.»
لكن وينتر الآخر ، وقد ضاق ذرعًا ، أمسك بذراعه ، فهزّه وينتر الاسود بعنف وأبعده ..
«لا حاجة ، ابتعد …»
قطّب وينتر حاجبيه ، حاول رفع رأسه كأنه سينهض ، لكنه سرعان ما أسنده من جديد على ركبتي وأطلق تأوّهًا ..
«يا إلهي… لا أظنني أستطيع أن أخطو خطوةً واحدة بعد الآن.»
خفض وينتر عينيه بحزنٍ وتنهد ..
«يبدو أن لا شيء بوسعي فعله سوى أن ألتزم الصمت وأستمع ، أتمنى أن تتحدثا بصوتٍ لطيف قدر الإمكان ، بل سيكون الأفضل لو لم تقولا شيئًا على الإطلاق.»
أغمض وينتر عينيه ببطء ، بملامح تشبه طفلًا يُجبر على المذاكرة وهو كاره ..
نظرتُ إليه بوجهٍ مرتبك ، لكنه لم يكن يختلف عني شعورًا ..
غطّى وينتر وجهه بكفّيه وأطلق زفرةً عميقة ، ومن بين أصابعه بدا وجهه محمرًّا قليلًا ..
هل… يشعر بالحرج؟
«…في زمنٍ بعيد ، كنتُ أنا أيضًا متعجرفًا إلى حدٍّ لا بأس به.»
«ليس متعجرفًا بقدر ما كنتَ… حادّ الطبع قليلًا.»
«في ذلك الوقت ، كان كل شيء يبدو خفيفًا.»
ابتسم وينتر ، ولانت ملامحه وهو يستعيد الذكريات.
«وُلدتُ أميرًا ، وكنتُ منذ ولادتي [إيغريو] ، قيل لي إنني نلتُ بركة الحاكم لأنني تنينٌ انقرض منذ زمن بعيد ، كنتُ أسمع هذا الكلام دائمًا ، لذلك اعتبرتُ كل الأشياء الجيدة أمرًا بديهيًا …»
«……»
«ولهذا ، كنتُ أعتقد تلقائيًا أنني سأنجح بسهولة ، وهذا هو السبب أيضًا في أنني لم أُصب بصدمة أو يأس كبيرين عندما سمعتُ أن العالم كتاب وأن له نهاية.»
«صحيح ، كان… حادًّا بعض الشيء ، ولهذا كنت أظنّ أن نهايةً شبيهة بأي حكاية بطولية مألوفة كانت تنتظرني ، أن أهزم العدو ، وأعيش حياة أنال فيها كل ما أريده ، محاطًا بهتافات الجميع وتصفيقهم وإطرائهم.»
مستقبلٌ يُهزم فيه العدو ويُغمر بالمديح وسط هتافات الجميع ..
رأيتُ في ذلك تفكيرًا طفوليًّا بعض الشيء ، فضحكتُ بخفّة ورفعتُ كتفيّ ..
«قد لا يكون إلى هذا الحد ، لكن يمكننا على الأقل أن نطمح إلى مستقبلٍ قريب من ذلك ، مرةً أخرى… معًا.»
«في وقتٍ ما ، كانت تلك الفكرة سندي ، لكن لأنها كانت كذلك… كان وقع الصدمة أعنف عندما انهرت.»
اتجه نظر وينتر إلى وينتر الآخر ، الذي كان قد غفا وحده وسط هذا الحديث ، يتنفس بهدوء
تساءلتُ إن كان نائمًا حقًا ، فلوّحتُ بيدي أمام عينيه ، لكنه بدا غارقًا في النوم فعلًا ..
«……»
«……»
أن ينام وحده في مثل هذا الموقف ..
لا شك أن لديه نزعة قوية للعيش في عالمه الخاص ..
ضغط وينتر على ما بين حاجبيه وواصل حديثه وهو يجزّ على أسنانه:
«…لذلك ، حتى لو كان هذا العالم داخل كتاب وله نهاية محددة ، لم يتغيّر شيء ، كل ما حدث هو أن النهاية التي كنتُ واثقًا منها تغيّرت من نهاية سعيدة إلى نهاية حزينة.»
عندها هززتُ رأسي بحزم ..
«لم تتحوّل إلى نهاية حزينة ، لا وجود لنهايةٍ محددة أصلًا ، يكفي أن يكون المستقبل الذي سنصنعه من الآن فصاعدًا نهايةً سعيدة.»
«صحيح.»
ابتسم وينتر ..
«الآن أعلم أن كلامكِ هذا صحيح.»
نظرتُ إلى وينتر النائم بملامح مرهقة ، فطقطق وينتر لسانه وقال بحدّة:
«سيؤلمكِ ساقكِ ، يمكنكِ فقط أن تدفعيه جانبًا.»
«لا، كنت أفكّر أن لديّ حديثًا مهمًا ، فتساءلتُ إن كان يجب أن أوقظه.»
«لا داعي لإيقاظه ، على أي حال ، لن يهتم ، إنه مجرد تجمّعٍ من الرغبات ، لا يهتم بشيء سوى تحقيق ما يريده. ..»
إذا كان الأمر كذلك…
«ربما تعرف ، لكنني ذهبتُ إلى المكتبة التي لا يُسمح بدخولها إلا لأفراد العائلة الإمبراطورية في الإمبراطورية الغربية.»
بدأتُ الحديث بنبرةٍ خفيفة ..
«الزمن داخل تلك المكتبة بطيء على نحوٍ متطرّف ، لدرجة أنك إن قضيتَ فيها ساعات ، فلعلّ ثواني معدودة فقط تكون قد مرّت في الخارج.»
«ذلك مكانٌ لم أستطع دخوله أنا أيضًا ، فإمبراطور الإمبراطورية الغربية لم يكن يومًا ودودًا معي ، عبر كل الحيوات التي مررتُ بها.»
تلألأت عينا وينتر باهتمام ..
«المفتاح الذي يمتلكه إمبراطور الغرب لتلك المكتبة يبدو على هيئة مفتاح ، لكنه ليس مفتاحًا في الحقيقة ، بل مجرد تصريح دخول ، ذات مرة سرقته وحاولتُ دخول المكتبة مستعينًا بأحد أفراد السلالة الجانبية ، لكن لسببٍ ما ، ورغم استيفائنا للشروط ، لم يسمح لنا الحارس بالدخول …»
يبدو أن وجود مكانٍ لم يزره من قبل كان ، من وجهة نظره ، أمرًا غير طبيعي، بل بدا وكأنه متحمّس قليلًا ..
«وفوق ذلك ، لم يكن لذلك الحارس كيانٌ مادي ، وحين قرر الحراس معاداتي ، لم يكن من الممكن تفادي هجماتهم ، على الأرجح كان ذلك المفتاح أداةً سحرية تحكم ، من منظورٍ مطلق ، ما إذا كان الإمبراطور—صاحب المفتاح—قد سمح بإرادته بدخول الشخص أم لا.»
<—كما قال تمامًا ، ذلك المفتاح الوقح شيءٌ يمتلك إرادةً ويتبع صاحبه ..>
مع صوت أونيكس الذي اقتحم الحديث فجأة ، شعرتُ بدوارٍ لحظي ..
«…الروح التي تتطفّل داخل رأسي تقول إن المفتاح ، كما ذكرتَ ، تسكنه إرادة.»
«روحٌ تتطفّل داخل رأسكِ؟ هذه أول مرة أسمع فيها بذلك.»
شرحتُ لوينتر ، على نحوٍ مناسب ، سلسلة الأحداث التي جرت داخل المكتبة ، مركّزةً على الكتاب المحرّم المتعلّق بـ«الحاكم المنسي» والكتابين الغامضين اللذين كان أونيكس محبوسًا داخلهما ..
«أي أن ما كان مكتوبًا في ذلك الكتاب هو…»
<—لا ، إن قرأتِ نصوص كتاب «الحاكم المنسي» حرفيًا ، فقد يقع ذلك التنين ضحيةً للكتاب ، قد يفقد ذاكرته ، من الأفضل أن تتخلين عن إخباره بمحتواه مباشرة ، فهذا النوع من الكتب ليس مجرد سحر عادي ، بل نتاج صفقة عقدها حاكم مباشرةً مع هذا البُعد ، ولذلك تتدخل فيه إرادة البُعد نفسه ..>
«…هذا ما يقول.»
ولحسن الحظ ، كان أونيكس ، كما تباهى ، عونًا لا بأس به هذه المرة ..
«والنتيجة أننا أصبحنا هنا ، على هذه الحال.»
لكنّه لم يكن دائمًا مفيدًا ، بل أحيانًا كان وجوده أسوأ من عدمه ..
< أنتظري ، يبدو أنكِ لم تحكي كل شيء ، هناك حديث عن وعدٍ مهم ..>
«هاه؟»
حين عقدتُ حاجبيّ باستغراب ، نقش أونيكس في ذهني ، بصوتٍ جاد ، ذلك «الوعد» الذي كنتُ قد نسيته تمامًا ..
<أنتِ ، قبل أن تفقدي ذاكرتكِ ، عقدتِ وعدًا مع نفسكِ بوضوح ..>
«أنا المستقبلية ، سأساعدكِ قليلًا ، لذا عديني بشيء ، لاحقً ، قولي إنكِ ستتبادلين قبلةً حارّة مع ذلك الرجل …»
……؟
وفي اللحظة التي أعاد فيها أونيكس إحياء ذكرى ذلك «الوعد السخيف»، بدأ فمي يتحرّك من تلقاء نفسه ..
التعليقات لهذا الفصل " 192"