وعندما لم تجد عيناي ملجأً ، استقرتا هذه المرة على أسفل السرير ..
صرير!
…السرير السليم انقلب فجأة رأسًا على عقب ..
«سيبرد الشاي.»
كان وينتر جالسًا ينتظرني بملامح أكثر تصلبًا من المعتاد ، وحين ارتعشتُ ، ارتسمت على وجهه ببطء ابتسامة تشبه ظلّ منتصف الصيف …
«وبالطبع ، يمكن تسخينه مجددًا في أي وقت ، لذا لا مانع من الذهاب إلى الحمّام إن شئتِ.»
نقر وينتر بأصابعه ، وبدأ البخار يتصاعد مجددًا من فنجان الشاي الذي كان يبرد تدريجيًا ..
«الحمّام موجود داخل هذه الغرفة أيضًا ، فاستعمليه براحتكِ في أي وقت.»
تشبثتُ بفكرة كالغريق الذي يمسك بقشّة
‘أونيكس ، قلتَ إنك تعرف كل شيء ، أليس كذلك؟’
<صحيح ، لا يوجد في هذا العالم كائن يفوقني تهذيبًا ومعرفة ..>
‘إذًا أخبرني بطريقة أتجاوز بها هذا الموقف دون إحراج ، وإن أمكن ، فالفرار من هنا على هذه الحال سيكون الأفضل ، وطبعًا مع الحفاظ على كرامتي …’
<همم …>
‘إن كنت ستبدأ بالثرثرة عن «طفلي» أو ما شابه ، فالأفضل أن تصمت.’
<أفضل حل هو التظاهر بالإرهاق والإغماء… لكن الخصم ساحر ، سيوقظكِ فورًا…>
‘إذًا؟’
<…خخررر……>
هل هذا الوغد يتظاهر بالنوم…؟
لم يكن أمامي خيار ، فتقدمت بخطوات قصيرة وبطيئة نحو الطاولة ..
جسدي المتخشب من شدة التوتر ، حتى إنني كدت أن أنسى كيف يكون المشي ، كان يصدر أصواتًا ميكانيكية كدمية مفاصل مع كل خطوة ،
وبرغم ذلك ، أظهر وينتر لياقته وسحب الكرسي لي ، لكنني ، وقد فقدتُ القدرة على التصرّف ، دسستُ جسدي على عجل بين الكرسي قبل أن يُسحب تمامًا ، في مشهد مثير للشفقة ..
دفع وينتر فنجان الشاي نحوي ..
وعندها قال وينتر ذو الشعر الأسود ، الذي كان يراقبني بصمت بنظرة حادة:
«وأنا عطشان أيضًا.»
كان أمام وينتر فنجانه الخاص ، لكن يبدو أنه اتخذ إجراءً ما ، إذ لم يكن قادرًا على تحريك ذراعيه الآن ..
رفع وينتر قطعة قماش تشبه الشريط وكمّم بها فم وينتر الآخر كأنه يضع له لجامًا ..
«يمكنكِ تجاهله ، إنه يبالغ فقط.»
قبل وينتر الكمّامة دون مقاومة ، لكنه ظل يحدق في فنجان الشاي ، ثم رفع نظره إليّ بنظرة يصعب تجاهلها ..
عندها وضع وينتر مكعبين من السكر في فنجاني وقال:
«لا أحد يعرفكِ بقدر ما أعرفكِ ، إنه يحاول تحريككِ كما يشاء ، فلا تعيريه اهتمامًا.»
ثم بدا وكأنه يفكر قليلًا ، وأضاف:
«أم هل تفضلين الشعر الأسود؟»
كنتُ أختبر حرارة الشاي عند طرف شفتي ، وكدتُ أسقط الفنجان من يدي ، فصرختُ على عجل:
«م، مستحيل!»
مال وينتر بحاجب واحد وكأنه يزن صدق كلماتي ، في تلك اللحظة ، مزّق وينتر الكمّامة بأسنانه بسهولة وبصقها ، ثم قال:
«أبدأ أتساءل إن كان من الضروري حقًا الاحتفاظ بلسانك عندما أسلّمك لتلك الكتلة القطنية.»
وسط الأجواء التي كانت تزداد حدّة تدريجيًا حتى كدت أختنق ، صفّقتُ بيديّ لأجذب انتباه الاثنين ، ثم ابتسمتُ ابتسامة مصطنعة ، متظاهرةً بالمرح ، وقلت:
«لا تقولوا مثل هذا الكلام ، لقد وجدتُ حلًا.»
التفت وينتر نحوي ببطء ، وبدلًا من أن يسأل عمّا فعلته ، عرض عليّ الشاي مرة أخرى ..
«سيبرد الشاي ، أستطيع تسخينه مجددًا قدر ما تشائين ، لكن ألذّ ما يكون الشاي حين يُحضّر أول مرة.»
«لو كنتُ مكانكِ ، لما شربته.»
على كلمات وينتر ، نظرتُ مرة إلى فنجان الشاي الذي كنتُ على وشك رفعه ، ثم رفعتُ بصري إليه من جديد ..
حين رمشتُ بعيني بهدوء ، عقد وينتر حاجبيه مرة واحدة وكأنه غير راضٍ ، ثم جذب فنجاني إليه ..
سكب نصفه في فنجانه ، ثم أعاده إلى أمامي.
«هل ستشربين حقًا؟»
همس وينتر بنبرة اختبار ..
نظرتُ إلى فنجاني لحظة ، ثم سحبتُ فنجان وينتر وقسمتُ منه قليلًا مرة أخرى إلى فنجاني ،
ثم اصطدمتُ بخفة بفنجاني وقلت:
«نخبك.»
قرّبتُ الفنجان من فم وينتر ..
«ما رأيك أن نشرب نحن الثلاثة معًا؟»
على كلماتي ، ارتسمت غمازة عميقة عند زاوية فم وينتر ، كان هو أول من قرّب شفتيه إلى فنجانه ،
وحين أخذ وينتر رشفة ، رفعتُ فنجاني وشربته دفعة واحدة بنَفَسٍ واحد ..
‘آه ، ساخن…!’
وبينما كنتُ أفرك شفتي نادمة ، لم يكد الفنجان يلامس الطاولة حتى سألني وينتر:
«إذًا ، بين الشعر الأسود والشعر الفضي ، أيّهما تفضلين حقًا؟»
في اللحظة التي ظننتُ فيها أنني نسيتُ ما أقول بسبب هذا السؤال المفاجئ ، خرج الكلام من فمي:
«شخصيًا أحب الشعر الأسود ، اللون الأسود ، كيف أصفه… إنه مثير نوعًا ما.»
«……»
«بفت… آههاها!»
سارعتُ إلى تغطية فمي بكلتا يديّ ، مذعورة من ثرثرة لساني ..
ضحك وينتر وكأن الأمر ممتع بالنسبة له ، بينما أومأ وينتر الآخر ببطء ، محاولًا استيعاب كلامي
«هكذا إذًا.»
«ماذا فعلتما بالشاي…؟»
صحيح ..
أنا… في الحقيقة كنتُ أحب الشعر الأسود ، طبعًا ، مجرد تفضيل شخصي بحت ، وكما هو الحال دائمًا ، نادرًا ما يتطابق المثال مع الواقع ..
فقط ، إن وقف عدة أشخاص معًا ، تنجذب عيناي تلقائيًا مرة إضافية نحو صاحب الشعر الأسود ،
ومع ذلك ، لم أكن أنوي أبدًا التفوه بهذا الأمر ، لكن لساني سبق أفكاري وأجاب من تلقاء نفسه ..
أمال وينتر إبريق الشاي وأضاف قليلًا إلى فنجانه، ثم قال:
«لا شيء يضاهي الحلوى في تحويل الطفل السيئ إلى طفل طيب …»
توجّه بصري إلى مكعّبات السكر الموضوعة في وسط الطاولة ..
«الكذب من شيم الأطفال السيئين ، مع أن لا أحد يستطيع أن يتغلب عليكِ في الكذب ، أليس كذلك ، أيتها الكاذبة؟»
قال وينتر بسخرية ..
كان وينتر أكثر تعبيرًا عن مشاعره مقارنة بوينتر الآخر ..
ولأنها كانت المرة الأولى التي أرى فيها هذا التعبير على وجهه ، لم أملك إلا أن أحدق في ملامحه بتمعّن ..
ثم التقت أعيننا .
«يا ترى ماذا نفعل الآن ، يا وينتر؟ يبدو أنها تفضّلني عليك …»
«ليس هذا صحيحًا!»
مرة أخرى ، بدأ فمي بالتحرك قبل أن أفكر
«الأمر فقط أنني سعيدة برؤية وينتر بنسخ متعددة ، إن كان هناك وينتر ذو شعر فضي ، فمن الطبيعي أن أرغب برؤية وينتر ذي شعر أسود أيضًا ، بل في الحقيقة ، سواء كان الشعر ورديًا أو أخضر أو أزرق… لا يمكن أن يَقبُح عليه أي لون ، أليس من الطبيعي أن أودّ رؤية الجميع مرة واحدة على الأقل؟»
…توقفي .
«أعني ، ما أقصده هو!»
توقفي عن هذا!
«كلاكما… جميل جدًا.»
«……»
«……»
[هههههههههههههههههههههههه]
حين بدأ يصدر من السوار صوت يشبه غليان إبريق ، قال وينتر:
«انظر يا وينتر ، الصراحة أمرٌ جيد بلا شك.»
أغمضتُ عينيّ بإحكام ..
«لأنكِ صادقة ، هذا ما يجعلكِ أكثر استحسانًا ، وأنتَ أيضًا لا بد أنك تشعر بذلك ، أليس كذلك؟»
كعادتي ، فكرتُ أن أطلق مزحة لأخفف الجو ، لكن الشجاعة لم تسعفني هذه المرة ..
وبوجهٍ احمرّ كحبة طماطم ، أنزلتُ رأسي فجأة.
وفي اللحظة التي كان الصمت على وشك أن يخيّم من جديد ، قال وينتر:
«الصمت ليس جيدًا..»
كان صوته يحمل نبرة ضاحكة بلا شك ، لكنني لم أستطع التخلص من إحساسٍ ببرودة خفية فيه.
«لديّ دافعان ، دافعٌ لأن أقتلكِ هنا مرارًا وتكرارًا ، ودافعٌ لأن أختطفكِ وأرحل بكِ إلى مكانٍ ما.»
تسللت ابتسامة إلى عينيه السوداوين ..
«وبفضلكِ الآن ، أشعر برغبة في التركيز على دافع خطفكِ والرحيل بكِ ، لذا من الأفضل أن تواصلي الثرثرة ، أي كلامٍ سيكون كافيًا ، إن لم تكوني راغبة في الموت أو القتل ، أعني …»
وعلى النقيض تمامًا من الكلمات التي نطق بها ، أطلق وينتر ضحكة صافية جميلة ، أنقى حتى من ضحكة وينتر الجالس إلى جانبه ..
«لقد قلتُ كل الطرق الجيدة بالفعل ، يبدو أن الحلوى هي فعلًا أفضل وسيلة لتحويل الطفل السيئ إلى طفلٍ طيب ، هاها!»
التعليقات لهذا الفصل " 190"