بدأ أونيكس ، بينما كنتُ واقفةً في صدمة أحدّق في الفراغ ، يفتّش أرجاء عقلي زاويةً زاوية ..
<ولماذا كل هذا اليأس؟ لا يوجد شيء خاطئ على الإطلاق ، سأساعدكِ ، وإن كان هناك كذب ، فيكفي أن نجعله حقيقة ، فلا تبقي شاردة ، تحرّكي بسرعة وأريني شيئًا جديدًا آخر ..>
<أنا أعرف أكثر عبارةٍ مفيدة في تاريخ البشرية لجعل الطرف الآخر يقع في حبّي ، سأعلّمكِ لغة الحب ، إن سمعتِ كلامي ، فلن يمرّ ليلٌ واحد إلا ووجهكِ لا يفارق ذهن ذلك الرجل …>
وعندها ، ألن يتحوّل ما كان مجرّد حادثةٍ عابرة إلى حقيقة؟
<حسنًا ، إن كنتِ قد حفظتِها ، فذلك الرجل أصبح لكِ الآن ..>
«اخرس… اخرس… اخرس……!»
<…ألا تثقين بي؟ يا لكِ من حمقاء ، لديّ تاريخٌ طويل من الأحداث الصغيرة والكبيرة التي بنيتموها معًا ، الطريق الذي أقدّمه هو الأعلى نسبةً للنجاح …>
«اخرج! اخرج من رأسي!»
<…ما زلتِ غير مستعدة لتقبّل المعرفة العظيمة ، يا للغباء ، يا للغباء ، حسنًا ، لا بأس ، من لا يعرف قيمة الشيء ، فلن تختلف عنده ألف قطعة ذهب عن حجرٍ على قارعة الطريق ..>
عندما بدأتُ أصرخ وأشدّ شعري بعنف ، تمتم أونيكس بنبرةٍ منزعجة ثم تلاشى بهدوء ..
عندها ، شعرتُ فورًا بنظرةٍ لاذعة ترتفع من الأسفل ، فأنزلتُ رأسي ببطء ، لم تكن هناك عيون، ومع ذلك كنتُ أعرف أنه يحدّق بي مباشرة ،
ابتسمتُ ابتسامةً ملتوية ..
«بالمناسبة… كان هذا الوغد هنا ، أليس كذلك……؟»
ارتعش ..
يبدو أن السوار المعلّق في معصمي ارتجف بخفّة بعدما فُوجئ بنظرتي المشحونة بالقتل ..
[إن كنتِ ستجنّنين ، فافعليها بذوق ، ما هذا الهراء الذي تهذين به فجأة في الهواء……]
«أنت… كم صبرتَ وأنتَ مطبق فمك فقط لتغيظني ، أليس كذلك……؟»
بدت الحيرة على لاجليا للحظة ، ثم صرخ وكأنه فهم الوضع على نحوٍ تقريبي ..
[هل انتهى كل شيء وعدتِ بالفعل؟]
آه ، صحيح ..
هذا اللعين لا يعود بالزمن ، لذلك مهما فعل بي داخل هذه المكتبة ، فهو قادر على نسيانه كله ..
قبضتُ على السوار أحدّق فيه وكأنني سأحطّمه ، فبدأ يهدر ويتلوّى ..
[من ملامحكِ يبدو أن شيئًا ما قد حدث ، همف! وماذا في ذلك؟ لومي نفسكِ الضعيفة!]
«……»
[اتركيني! اتركيني! وماذا ستفعلين؟! أنا جسدٌ ميت أصلًا ، ولا أذكر شيئًا!]
طال صمتي ، فبدأ القلق يتسرّب إلى صوته ويعلو شيئًا فشيئًا ، لكنه ، وكما هو لاجليا دائمًا ، لم يتراجع بل ضحك بصوتٍ أعلى وهو يستفزّني أكثر …
[يبدو أنكِ تلقيتِ ضربةً قاسية! لكن لاجليا الحالي نقيّ وبريء! مهما قلتِ فلن يكون سوى تنمّرٍ على لاجليا البريء، أيتها الإنسانة الشريرة!]
حدّقتُ في السوار بصمت ، ثم أعدتُ وضعه بهدوء في معصمي وقلت:
«لقد ساعدتني.»
[واهاها! تعبيركِ يستحق— هـم؟]
«قلتُ ساعدتني ، أنتَ ساعدتني.»
“لا تعرفين حتى تجرّبي بنفسك……”
لا يمكن أن تعرف ما لم تختبره بنفسك
الزمن الطويل من الوحدة الذي عاشه وينتر لم يكن شيئًا يمكن تخمينه بالخيال وحده ، صحيح أنني أنا أيضًا عدتُ بالزمن ، لكنني لا أُقارن بوينتر ، وينتر كان وحيدًا طوال الوقت ، بينما كان وينتر دائمًا إلى جانبي ..
كم من الوقت قضيتُه في المكتبة ، أفتّش بين أكوام الكتب كالجبل وأنا فاقدة للذاكرة؟
ذلك الشعور حين تمضي قدمًا ، متظاهرةً بعدم المعرفة ، رغم إدراكك لوجود الموت الذي يعلو حتى حافة ذقنك ، وأنتِ لا تعرفين حتى ما الذي يجب أن تبحثي عنه بالضبط ..
كان الأمر مخيفًا إلى حدٍّ لا يُحتمل ..
خوفًا خالصًا ، لا غير ..
لم أكن أعرف حتى ممَّ أخاف على وجه التحديد
لا بد أن وينتر كان كذلك ، ولا بد أنه ما يزال كذلك حتى الآن ..
«لنبحث معًا.»
[مـ… ماذا؟!]
«ذلك الصغير الذي فقدتَه منذ زمن بعيد ..»
عند كلمتي ، خيّم الصمت على لاجليا مرةً أخرى ،
وفي ذلك الصمت ، أنزلتُ رأسي ببطء ..
«أنا آسفة.»
قبل سبع سنوات ..
في تلك الليلة التي أخبرته فيها أن هذا العالم هو عالمٌ داخل رواية ..
حكى لي لاجليا قصته عندما كان حيًّا ..
التنانين تولد في البيض ، لكنها تدرك العالم خارج البيضة قبل أن تفقس ، وكان من مسؤولية الوالدين أن يحتضنوا تلك البيضة ويُريوها العالم ،
لاجليا، الذي كان يعتز بالبيضة التي وضعتها شريكته الراحلة ، علّمها العالم مبكرًا وبكل حرص ..
وكان ذلك سبب هلاكه ..
وقع في فخ ، وقبيل أن يُؤسَر ، ألقى بالبيضة بيده إلى ما وراء جرفٍ لا يُعرف إلى أين يؤدي ..
لأنه إن وقعت في أيدي البشر ، لكانت ستعيش كعينة تجارب ثم تموت ميتةً بشعة ..
حين كان لاجليا حيًّا ، كان عصر التنانين يشارف على الانتهاء ، وكان البشر يلقّبونه بآخر كارثة …
وحتى بعد موته ، ظل يبحث عن تلك البيضة.
كان مقصد لاجليا من سرد قصته لي واضحًا ،
هذا العالم ليس عالم رواية ..
وفي الرواية التي قلتُ إنني قرأتها ، رغم أنها لم تذكر سطرًا واحدًا أو تلميحًا ، فإن طفله لم يكن وهمًا ، بل كان موجودًا فعلًا ..
كان يريد أن يخبرني بذلك ..
لكنني ، قبل سبع سنوات ، تجاهلتُ توسّله ..
«يا للأسف… لا بد أنك تعبتَ كثيرًا…….»
لم يخرج من فمي سوى عزاءٍ آلي لا فائدة منه ، لم تكن لديّ ثقة ، لم أستطع أن أقول بثبات إنني سأساعده ..
أنا لا أحب الكذب ..
وفي أعماقي ، لم أكن أؤمن حقًّا بوجود طفل لاجليا ..
لأنني لا أذكر أنني قرأت شيئًا كهذا ..
كانت كلمة «الأصل» تقيدني كالسلاسل ..
ومنذ تلك الليلة ، توقف لاجليا عن الحديث معي.
«كنتُ مخطئة.»
والسبب نفسه جعلني لا أولي وينتر اهتمامًا كافيًا ، بدلًا من النظر إلى ألمه ، حاولتُ أن أبحث عنه في الحروف التي قرأتها ..
الآن ، بعد أن اختبرتُ الأمر بنفسي ، فهمت ،
هذا المكان لا يمكن أن يكون مجرد رواية
لم أعد أستطيع تصديق أن هذا العالم محبوس داخل ستة مجلدات من الكتب …
–
وقفتُ أمام باب المكتبة ..
فالزمن هنا يجري على نحوٍ مختلف عن الخارج ، لذا فالعالم في الخارج سيكون ، عمليًا ، في اللحظة نفسها التي أعقبت عودتي بالزمن مباشرة
لا بد أن وينتر قد عاد أيضًا …
وبالتحديد ، عاد وينتران اثنان ، وبهذا المعدّل سيبدأ التنين الأسود بالهيجان من جديد ، لذا ، ما إن أخرج من هنا ، سأسيطر أولًا وبأمان على التنين الأسود الذي استيقظ لتوّه ، مستخدمةً لاجليا ..
كان وينتر سيعامله بعنف ، لذلك كان من الأفضل أن أسبقه أنا وأسقطه بسرعة ..
ثم بعد ذلك……
«أنتَ تحبّني ، أليس كذلك……؟»
اللعنة!
صفعتُ خدي بعفوية ، لا تتذكّري ، هذا مجرد حلم!
شعرتُ وكأن الدم ينسحب من شفتيّ ، حين تذكّرتُ ما فعلته أنا الفاقدة للذاكرة ، كدتُ أتقيأ دمًا من شدة الخجل ..
بدل أن يتلاشى ، ازداد وضوح صوتي المتوسّل ، الذي حاولتُ فيه جاهدَة أن أبدو مثيرة للشفقة ، يتردّد في أذني، فتمتمتُ لا إراديًا
«أنا مجنونة……»
انتهى أمري
مهما فعلت ، لم يخطر ببالي أيّ سبيل لتدارك الموقف ..
عند الضرورة ، سأضطر إلى الهرب والاختباء في قلعة لوهيا ..
وبينما أفكّر بذلك ، فتحتُ باب المكتبة أولًا لأمنع هيجان التنين الأسود ..
هذه المرة ، لم يظهر أمامي الحصن المتداعي ، بل ذلك الممرّ الأسود الكئيب الذي أعرفه ..
انطلقتُ مسرعة نحو غرفة وينتر ..
ثم فتحتُ الباب بعنف واندفعتُ إلى الداخل صارخةً:
«لاجليا، أمسك بالأسود أولًا!»
لكن……
«؟»
«آه ، لقد وصلتِ.»
كان المشهد أمامي مختلفًا تمامًا عمّا توقّعت ، لم تكن هناك وحوش عارية القشور تحاول قتل بعضها البعض ..
«هل تودّين كوبًا من الشاي؟»
ابتسم وينتر وهو يجلس إلى الطاولة ، يرفع إبريق شاي بدا وكأنه أعدّه مسبقًا ، ويسكب في الفنجان.
وبجانبه كان وينتر ذو الشعر الأسود يحدّق بي بعينين هادئتين ، وكأنه يشارك هو الآخر في جلسة شاي بعد الظهر …
طبعًا ، كان يبدو مقيّدًا بالكرسي بأدواتٍ مشبوهة من شتى الأنواع ..
التعليقات لهذا الفصل " 189"