وسط هذا الاضطراب ، لفت انتباهي أن تعبير وجه الجميل المدهوس لا يختلف عن تعبير الرجل الذي يحملني ؛ كان جامدًا كدمية ..
هذا يعني أنه كان يطلق نية قتل قادرة على طعني حتى الموت بمجرد عينيه وحدهما ..
عندما أبدى الفتى ذو الشعر الأسود حركة وكأنه سيحاول النهوض ، قام الرجل ذو الشعر الفضي بإخضاعه فورًا بقوة عنيفة تجاوزت الحد ..
وبسبب ذلك ، بدأت الأرض من حول موضع الفتى تتشقق ..
«لا تتدخل ، هذا الموت كان مقدّرًا منذ البداية ، قبل أن نلاحظه نحن حتى ، ولمسُك لها لن يفعل سوى أن يحبسَك في الزمن ، لا تريد ذلك ، أليس كذلك؟»
«……»
رغم كونه في حالة يرثى لها ، ظلت عيناه السوداوان تلاحقاني بإصرار ، والآن بعد أن انتبهت ، أدركت أن ذلك العداء لم يكن موجّهًا إلى “نحن”، بل إليّ أنا وحدي ..
بعقلٍ بلا ذاكرة ، كان من المستحيل عليّ
فهم ما يجري…
ولم تكن لديّ قوة للكلام ، فقط أرخيتُ جسدي وانتظرتُ أن يأتي الموت ..
أليس من المفترض أن يتكفّل “أنا” التي ستستعيد ذاكرتها بكل شيء لاحقًا؟
في تلك اللحظة ، قال الفتى المثبّت على الأرض بصوتٍ هادئ لا ينسجم مع الموقف:
«أظنني أدرك الآن ، ولو بشكلٍ ضبابي ، من أكون ، وأفهم أيضًا لماذا جعلتُ نفسي على هذه الحال ، أريد قتلكِ ، وفي الوقت نفسه أتمنى ألا تموتي ، ربما كنتِ عائقًا لا يُحتمل إن أردتُ فقط أن أحميكِ وأعتزّ بكِ ، مشاعر مدمّرة إلى هذا الحد.»
«……»
«بعد أن فصلتُ هذا الجزء عني ، صرتُ قادرًا على التركيز على هذه المشاعر وحدها ، رأسي الآن ممتلئ بالدوافع فقط.»
مدّ الفتى يده الملطخة بالدم نحوي ..
«لا.»
لكن ما إن قيلت الكلمة بصوتٍ أشبه بتهدئة طفل ، حتى دُهس مرة أخرى ، وكان صوت الفتى المتوسل موجّهًا إليّ:
«ستموتين قريبًا ، أتعلمين؟ انظري… أنتِ تحفرين قبركِ بنفسكِ في كل مرة ، هذا الأمر يبهجني ، ويُفزعني في الوقت ذاته ، أريد أن أراكِ تتحطمين إلى شظايا بين يديّ ، لكنني أتساءل بصدق إن كنتُ سأتحمّل ذلك حقًا.»
تحوّل التوسل تدريجيًا إلى استجداء ، وانشقّ طرف فم الفتى ببطء ..
«لكن بما أنكِ ستموتين على أي حال ، وبأي طريقة كانت ، فلتكوني أنتِ من يموت على يدي ، وإن لم أستطع تحمّل ذلك ، فسأتحطم أنا أيضًا ، هذا التعلّق البائس الذي حاولتُ عبثًا التخلي عنه بكل ما أملك… أظنني إن رأيتُكِ تتحطمين ، سأتمكن أخيرًا من رميه كله دون تردّد …»
بدأ الرجل الذي يحملني بسحب القوة التي كان يكبت بها الفتى ببطء ، ثم قال له مرة أخرى بنبرة مهدِّئة ، وفيها شيء من اللطف:
«تحمّل …»
«لا أستطيع.»
لم يكن في جواب الفتى أي تردّد ..
«نعم ، توقعتُ ذلك.»
وفي اللحظة التالية ، ومن دون أدنى تردد ، داس الرجل ذو الشعر الفضي على رأس الفتى حتى انفجر ..
ثم تراجع خطوة واحدة ببطء عن الوحل ..
تلفّت حوله ، متأملًا الخراب من حوله ، ثم تنهد وجلس على أطلال قلعة قريبة منهارة ..
«إذًا؟ هل وجدتِ ما كنتِ تبحثين عنه ، حتى وأنتِ تتسببين بكل هذا الخراب؟»
هل كان يكلّمني أنا؟
لم أكن قادرة على استيعاب الموقف ، ولا حتى أملك الوعي الكافي لذلك ، بقيتُ متراخية دون أن أنطق بكلمة ..
كان الرجل يحدّق بهدوء في الأفق حيث بدأ الفجر يلوح ..
وفي تلك الهيئة الخالية على نحوٍ غريب من أي إحساس ، التوى بطني ، وانتزعتُ صوتي بصعوبة:
«…بماذا كنتَ تفكّر؟»
كأن الرجل لم يسمعني ، تجاهلني تمامًا لبرهة ، ثم ، وهو لا يزال يثبت نظره على خط الأفق ، أجاب بنبرة أسف:
«الآن ستفهمين ، لماذا قلتُ إنني بحاجة إلى ذلك ، لا داعي للشفقة ، كان مجرد مرضٍ أحمله ، ولذلك قمتُ باستئصاله فحسب.»
وعند كلامه ، سمعتُ في رأسي صوت أونيكس ينقر بلسانه باستياء ..
< يتحدث عن الأمر وكأنه استأصل ورمًا سرطانيًا من جسده ، لكن ما فعله [إيغريو] هو تمزيق روحه ، لن يعيش طويلًا أبدًا ..>
وعند تلك الكلمات ، هوى قلبي فجأة إلى القاع.
أنا في وضعي الحالي ، من دون ذاكرة ، لم أستطع أن أحمل تجاه الرجل الذي أمامي انطباعًا خاصًا يتجاوز كونه وسيمًا ..
لكنني قبل أن أفقد ذاكرتي ، لا بد أنني كنت أراه شخصًا مميزًا إلى حدّ أن جسدي وحده ما زال يتذكّره ..
وبما أن حياتينا مرتبطتان ببعضهما ، فلا بد أن الرجل يفكّر بي بالطريقة نفسها ..
وسرعان ما سأستعيد ذاكرتي ، وعندما يحدث ذلك ، فإنني إن عرفت أن الرجل محكوم عليه بعمرٍ قصير ، فلا شك أنني سأقع في حزنٍ عميق ..
‘أنا المستقبلية ، سأساعدكِ قليلًا ، لذلك أبرمي معي وعدًا ، قولي إنكِ لاحقًا ستتبادلين مع ذلك الرجل قبلةً عميقة على الأقل.’
المعاناة كلها وقعت عليّ أنا ، ومع ذلك شعرت بشيء من الظلم ، أليس من حقي أن أطلب هذا القدر؟
وعلى أي حال ، فنحن لسنا سوى علاقة من ذلك النوع ..
«حتى لو وجدتِ وسيلةً ما ، فلن أُعيد ذلك إلى داخلي مجددًا ، لقد قمتِ بتصرّفٍ عبثي ، كنت أفكّر في تركه حتى ينهك نفسه ، لكنكِ في كل مرة تتجاوزين التوقعات بما تفعلينه …»
هل غضب؟
على الأرجح نعم ، فحالتي هذه كافية لذلك ، لكن ما دام يقلق إلى هذا الحد ، فمن الواضح أن علاقتنا ليست عادية ..
إذًا ، ينبغي عليّ أن أهدّئه قليلًا ، أليس كذلك؟
حرّكتُ يدي التي لا تكاد تتحرّك بالقوة ، ولمستُ بخفة وجه الرجل المتجه نحو شروق الشمس ،
عندها فقط نظر إليّ أخيرًا نظرًة كاملًة ، ومع عينين دامعتين تمتمتُ بصوتٍ مفعم باللوعة:
«أنتَ تحبّني ، أليس كذلك……؟»
«……؟»
اتّسعت عينا الرجل فجأة ، وانفرجت شفتاه قليلًا ، وللمرة الأولى ، بدا وكأن تعبيرًا يشبه المشاعر قد ارتسم على وجهه ..
تقيّأتُ دفقةً خفيفة من الدم ، ثم تشبّثتُ به بإلحاحٍ أشد ..
«كيف… كُح كُح… كيف تستطيع أن تقول لي كلامًا قاسيًا كهذا……؟ أنت تعرف جيدًا أن روحك انشقّت إلى نصفين… وأنك لن تعيش طويلًا.»
«……»
«من دونك… كيف تريدني أن… أعيش وحدي……؟»
كنت أتألّم حتى الموت ، وبفضل ذلك ، انهمرت الدموع من تلقاء نفسها ، فلم يعد في الأمر ما يُسمّى تمثيلًا ..
بعد الزمن الطويل الذي قضيته في المكتبة ، الغارق في الألم والمعاناة ، وقد فقدتُ في النهاية رباطة جأشي ، قرّرت أن أستمتع بهذه اللحظة ، فأنا سأموت قريبًا على أي حال ..
ربما لأنني بلا ذاكرة ، شعرتُ وكأنني شخص مختلف تمامًا عن نفسي عندما كنت أملكها ، لذلك لم أشعر بالخجل …
وبفضل ذلك ، تماديتُ خطوةً أبعد ..
«أُحِبّك…»
تجمّد الرجل في مكانه ، كأنه تلقّى صدمة ..
وبما أنني بين ذراعيه ، استطعتُ أن أشعر بوضوح كم اختلف توتّر عضلاته عمّا كان عليه قبل لحظات ..
ووهو.
خال لي أنني سمعتُ صفير أونيكس يتردّد في رأسي ..
وسرعان ما أغمضتُ عينيّ ، بينما كان وعيي يبتعد ببطء ..
—
آه ، اللعنة ..
فتحتُ عينيّ وتنهدتُ بخفوت ، كان في يدي قارورة صغيرة تحتوي على زهرة سامة
لقد عدتُ ، إلى اللحظة التي تسبق ابتلاع زهرة السم مباشرة ..
وفي الوقت نفسه ، بدأت الذكريات تتدفّق سريعًا إلى رأسي ..
حقيقة ملك الوحوش ..
الإله المنسي …
زمن طويل ، طويل إلى حدٍّ لا نهائي ..
و…
«أُحِبّك…»
؟!!
صفعتُ خدي على الفور ، شعرتُ وكأن حرارة جسدي تهبط فجأة ، بدأت قطرات العرق البارد تتكوّن على جبيني ، فمسحتها وأنا أبتسم بتكلّف.
«أوف… أيّ حلمٍ تافهٍ هذا……»
<ليس حلمًا …>
في تلك اللحظة ، دوّى صوت أونيكس في رأسي.
«ماذا؟! وكيف تعرف أنت؟! كيف تعرف إن كنتُ أحلم أم أغمي عليّ أصلًا؟!»
عندها فقط تذكّرتُ أنني ، حين فقدتُ ذاكرتي ، عقدتُ صفقةً مع أونيكس ..
«ماذا فعلتَ بي وأنا بتلك السذاجة؟!»
<أيتها الروح القادمة من عالمٍ آخر ، أيّ فعل؟ أنتِ من فعلتِ ذلك بنفسكِ ، أنا لم أفعل سوى اقتراح صفقةٍ متكافئة …>
أمسكتُ رأسي وأنا أتأوّه بخفوت ، متضايقةً من ذلك الصوت الغريب الذي يرنّ في داخلي ..
<أيتها الروح القادمة من عالمٍ آخر ، ألم أقل لكِ؟ إن من يستطيع إنقاذي هو أنتِ وحدكِ …>
أشعر وكأنني سمعتُ تلك الكلمات من قبل……
<أيتها الروح القادمة من عالمٍ آخر ، هناك فجوة بين روحكِ وجسدكِ ، لا بدّ أن ذلك بسبب كونكِ روحًا من عالمٍ آخر ، وبفضل تلك الفجوة ، استطعتُ التسلّل إلى داخلكِ ، وهكذا تمكّنتُ من الخروج من هذه المكتبة عبر جسدكِ ، وبالطبع ، تقبّلتُ بامتنان ذكرياتكِ عن قراءة كتاب الحاكم المنسي …>
«أيها المحتال اللعين……»
<محتال؟ لا، لا ، سأفي بالعقد تمامًا ، وكما أنني أشارككِ وعيكِ وذكرياتكِ ، يمكنكِ أنتِ أيضًا الاطلاع على كل ما أملكه أنا ..>
هتف أونيكس بصوتٍ مفعم بالحماس:
<كان اختياري صائبًا ، رأسكِ مليءٌ بأشياء جديدة! عالمٌ آخر؟ ما أروع هذا! لقد أحسنتُ اختيار الشخص فعلًا! …>
سواء كان أونيكس سعيدًا أم لا، لم يكن ذلك هو المهم الآن ..
التعليقات لهذا الفصل " 188"
اعترفت 😭😭😭😭😭