بعد أن أنهيتُ بصعوبة قراءة الكتاب الأول حتى نهايته ، رميتُه جانبًا ..
«أن أقرأ الكتب هنا مئة عام؟ لا أدري أي ثقةٍ عمياء كانت لدىّ قبل أن أفقد ذاكرتي …»
بحسب ما قاله السوار ، فإن الكتب التي تحمل نقوشًا حمراء من بين كتب هذا المكان تصيب قارئها حتمًا بلعنةٍ مجهولة ..
والكتاب الذي قرأته وفقدتُ بسببه ذاكرتي كان واحدًا من تلك الكتب الملعونة ..
كان هناك كتاب آخر كنتُ أنوي قراءته أصلًا ، لكنني قررتُ تأجيل هذه «الكتب المحرّمة» إلى وقتٍ لاحق ..
فإن فقدتُ ذاكرتي مرةً أخرى أثناء القراءة ، فسيذهب كل شيءٍ سدى ..
يبدو أن الهدف الذي يجب أن أبحث عنه هو «الحاكم المنسي»، الذكرى الوحيدة المتبقية لدي
ولذلك ، أخرجتُ جميع كتب أساطير الخلق والكتب الدينية الموجودة في هذه المكتبة ، وراكمتُها أمامي ..
بلغ عددها ما لا يقل عن أربعمئة كتاب ، وكان من بينها أيضًا بعض الكتب المحرّمة ..
ولا أستطيع حتى تقدير كم استغرقني العثور عليها كلها وإخراجها ، بحسب إحساسي بالزمن ..
وفوق ذلك ، فهذا النوع من الكتب عادةً ما يكون مملًا ، جافًا وأقرب إلى الكتب المدرسية ..
بل كانت سميكة إلى حدّ يمكن معها استخدامها كسلاح قتل أو كوسادة دون أن تخيب الظن .
شعرتُ وكأن رمح الفارس الواقف خلف الباب يمكن صده بهذا الكتاب وحده ..
ولهذا ، استغرقني إنهاء قراءة الكتاب الأول وحده ما شعرتُ أنه أسبوع كامل …
«لا أستطيع.»
[……]
منذ ذلك الحين ، لم يعلّق السوار بشيءٍ يُذكر ، بل تجاهلني تمامًا…
شكواي ، تنهداتي… تجاهلها كلها ببرودٍ تام ..
سحبتُ السوار أمام عيني وقلت:
«كنتَ واثقًا من أنني حتى لو استسلمتُ في منتصف الطريق وخرجت ، فسأعود إلى هنا في النهاية ، أليس كذلك؟ لكن هل تظن حقًا أن الأمر كذلك؟ أليس من الممكن أنني حينها قلتُ ذلك فقط لأنني لم أكن أعلم أن هذا الأمر سيكون مرعبًا إلى هذا الحد؟»
[……]
«هذا شيءٌ لا يمكن لإنسانٍ تحمّله ، أن أجلس هنا ، دون أن أعرف إن كان يومًا أو أسبوعًا أو عشر سنوات أو مئة عام ستمر ، وأقرأ الكلمات دون أن أعرف حتى ما الذي أبحث عنه تحديدًا؟ هل تظن أن هذا منطقي؟»
بدا أن السوار قد قرر تجاهلي تمامًا ، فلم يتحرك قيد أنملة …
شعرتُ بأن رأسي يسخن …
وفي لحظةٍ من الضيق والخوف ، كدتُ أفقد صوابي وأصرخ—
«كح…»
تلونت راحة يدي التي لفظت حرارةً حارقة باللون الأحمر ..
كان بطني يغلي من الداخل ، وتلاشى بصري ..
عندها فقط ، عاد السوار وأطلق صوته النادر من جديد:
[كان هناك رجل ..]
«آه ، كفى حقًا ، الحديث عن رجلٍ لا أذكره مهما طال لن يغيّر شيئًا…»
ما أهمية رجل في هذا الوضع؟
وأنا أحتضر بسبب السم ، هل هذا هو المهم الآن؟
[ذلك الرجل أيضًا اضطر إلى التخبّط وحيدًا زمنًا طويلًا جدًا بحثًا عن جوابٍ لمسألةٍ لم يستطع حلّها.]
«دعني أخمّن ، هو الآخر عانى قرابة مئة عام؟»
[لا أعلم.]
هاه ، توقعتُ ذلك ، لا بد أنها بضع سنوات من الضياع لا أكثر ..
[قيل إنها عشرات آلاف السنين …]
«…ماذا؟»
نسيتُ ألمي ورفعتُ صوتي من شدة الصدمة.
«ليس عشرات السنين… بل عشرات آلاف السنين؟»
كحّ ، كح ..
ربما بسبب انفعالي ، تقيأت دمًا مرةً أخرى ..
«أنتَ تقول هذا فقط لأنني فاقدة الذاكرة ، أليس كذلك؟»
[قبل أن تفقدي ذاكرتكِ ، كان ذلك الرجل إلى جانبكِ ، دائمًا معكِ ، لكن قبل أن يلتقي بكِ ، كان قد صمد وحده عشرات آلاف السنين.]
ذلك الرجل… الذي قيل إن مصيره مرتبط بموتي
إذًا فهذا يعني أن ذلك الرجل أيضًا ، مثلي ، يعود بالزمن إلى الوراء عندما يموت ، أليس كذلك؟
«آه… يؤلمني كثيرًا فعلًا.»
تمتمتُ بذلك ، ثم ضحكتُ ضحكًا مكتومًا ..
كانت قصة غير واقعية إلى حدٍّ بعيد ، وكذلك كان وضعي ..
«يا سوار ، كنتُ أظن أنني قبل فقدان ذاكرتي لم أكن في كامل قواي العقلية ، كنتُ مجنونة ، أن أقرر قراءة هذه الكتب حتى الموت ، دون أن أعرف أصلًا ما الذي يجب أن أبحث عنه ، ولا متى سينتهي كل هذا… حتى لو فكرتُ الآن بعقلٍ فقد ذاكرته ، فهذا تصرّف لا يقوم به شخصٌ سوي.»
[……]
«لذلك ، إن كان ما تقوله صحيحًا فعلًا ، فذلك الرجل لا بد أنه مجنون ، إن كان قد عاش هكذا عشرات آلاف السنين ، فلا بد أنه فقد عقله تمامًا.»
أن يُحبس في سجنٍ زمني لا يُعرف متى ينتهي ،
وأن يطلب إجابة لا يملك حتى يقينًا بوجودها ،
مجرد الزمن الذي اختبرته وأنا أقرأ كتابًا واحدًا كاد يدفعني إلى الجنون ..
[نعم ، ذاك الرجل مجنون ، ليس سويًّا.]
أكّد السوار كلامي بلا تردد ، بل زادني تيهًا ..
[ولهذا ، وبغضّ النظر عن رغبتكِ في مساعدته ، لم تكوني قادرة على فهمه ، لقد تحطّم ، تحطّمت روحه وجسده ، وارتكب أفعالًا فظيعة دمّر بها نفسه بنفسه ، أستطيع أن أعرف ذلك لأنه من جنسي ، «نحن» لا نرتكب مثل هذه الأفعال بسهولة.]
«إذًا الجواب واضح ، علينا أن نتخلى عنه ، عن ذلك الرجل.»
[الذي لم يتخلَّ عنه هو أنتِ.]
قال السوار بنبرةٍ ضجرة ..
[أكررها لكِ ، حتى لو خرجتِ الآن ، ستعودين إلى هنا في النهاية ، وستكررين الشيء نفسه.]
ثم أطلق السوار تنهيدةً طويلة ..
[وستواصلين إزعاجي هكذا ، اللعنة ، أي شقاء هذا! توقفي عن إضاعة الوقت واقرئي بهدوء! بسرعة!]
«بعيدًا عن كون الكتب مملة حدّ الموت ، جسدي أصلًا في حالة سيئة جدًا.»
[……]
صمتَ السوار نحو خمس ثوانٍ ..
لم تكن له عينان ، لكنني كنتُ متأكدة أنه يحدّق بي ..
ثم فجأة ، طار السوار إلى مكانٍ ما ..
تنقّل بين رفوف الكتب ، وتوقف عند رف قريب ، ثم دفع كتابًا ليسقط على الأرض …
[انظري إلى هذا.]
زحفتُ تقريبًا حتى وصلتُ إلى الكتاب ، وكان غلافه كالتالي:
«دليل وسيمي القارة»
تنهد السوار مرةً أخرى بعمق ، وقال بانفعال:
[أكثر واحد مقبول شكلًا هناك هو ذلك الرجل.]
عند عبارة «الأكثر قبولًا شكلًا»، انجذبت عيناي تلقائيًا إلى صاحب المركز الأول ..
وفي تلك اللحظة ، نسيتُ الألم ، ونسيتُ حتى التنفّس ..
لكن السوار انفجر غاضبًا مرةً أخرى:
[ليس غلاس أورشيوس! ألا ترين أن العمر مكتوب في الملف الشخصي؟ عمره يقارب ضعف عمر جسدكِ ، فلماذا تسيلين اللعاب بلا أي شك! آه ، يبدو أنه مختلف قليلًا عمّا رأيته آخر مرة لأنه ليس الإصدار الأحدث… على أي حال ، انظري أسفل منه ، أسفل منه!]
التعليقات لهذا الفصل " 185"