…لكن هذا التفكير نفسه بدا بلا جدوى ، إذ أدركت سريعًا أن كمية المعلومات في رأسي قليلة على نحوٍ ميؤوس منه ..
الشيء الوحيد الذي أتذكّره بوضوح هو محتوى الرواية التي كنت أقرؤها حتى لحظةٍ قريبة ..
[يا له من منظرٍ مُرضٍ …]
وفوق ذلك ، كان هناك سوارٌ واحد أمامي يتحدث وكأن وضعي الحالي يبعث على شماتته الشديدة
«هل تعرف من أكون؟»
كان غريبًا أن يتكلم السوار ، لكن بما أن فراغ رأسي التام كان أغرب من ذلك بكثير ، فقد كففتُ عن الاكتراث بهذه النقطة ..
[من يدري؟ ربما نعم ، وربما لا ..]
لماذا هذا السوار بالذات وقحٌ إلى هذا الحد؟
ومع ذلك ، لم يكن بوسعي أن أبحث عن سلة مهملات وأرميه فيها؛ فكل ما أستطيع التعلّق به الآن هو هذا السوار أمامي ..
«…إن لم تكن تعرف ، يمكنك أن تقول ببساطة إنك لا تعرف ، لن أنهار وأبكي بسبب ذلك.»
عندها انقطع صوت الضحك المتقطّع فجأة ..
[حتى مع فقدان الذاكرة ، لم يذهب ذلك الطبع الماكر إلى أي مكان ، بعد أن اصبحتِ على هذه الحال ، ما زلتِ تستفزينني لتحصلي على إجابة.]
«أفهم أنك لا تحبني كثيرًا …»
[……]
أدرتُ بصري بعيدًا عن السوار ونظرتُ حولي ببطء
لا شيء سوى رفوف كتب لا نهاية لها ، شعرتُ بدوارٍ يكاد يصيبني ، فعُدتُ أنظر إلى السوار من جديد ..
لا أعرف ، أين هذا المكان؟ ولماذا أنا هنا؟
«أعلم أنك لا تحبني ، لكن… هل يمكنك على الأقل أن تكلّمني؟»
[……]
«إن لم أتكلم ، أشعر أنني سأفقد حتى القدرة على الكلام…»
قلتُ إنني لن أبكي ، لكني شعرتُ بأن الدموع ستنهمر قريبًا ..
[كهاهاها! لم أتوقع أن نجد أنفسنا في موقعين متعاكسين هكذا ، حقًا ، لا بد أن المرء يعيش طويلًا ليرى مثل هذا الوضع …]
«كم عمرك حتى تقول إنك عشت طويلًا؟ وماذا تقصد بالموقعين المتعاكسين؟ هل كنا نعرف بعضنا جيدًا؟»
[عشتُ دهورًا لا تُحصى ، ولا ، لم نكن كذلك ، أنتِ وحدكِ من كنتِ تعرفينني ، وقد خدعتِني …]
هل خدعتُ هذا السوار؟
«أنا آسفة ، أعتذر بصدق.»
إذن عليّ أن أعتذر ..
ذاكرتي مفقودة ، لكن الحقيقة الواضحة الآن هي أنه لا يوجد لديّ سواه ..
[هذا بالذات! هذه السهولة الوقحة هي الخداع بعينه! يا لجرأتكِ! لا تتذكرين شيئًا ، ومع ذلك تسمّين هذا اعتذارًا!]
«حتى هذا… أنا آسفة.»
التقطتُ السوار بسرعة ووضعته باحترام فوق كفّي …
[ارفعي يدكِ! كنتِ دائمًا تنظرين إليّ من علٍ هكذا! كيف تجرؤين على النظر إليّ من فوق؟ هل تعلمين من أكون؟!]
«نعم ، نعم.»
رفعتُ يديّ الاثنتين بأدب حتى أكون على مستوى نظر السوار ، وعدتُ إلى المكان الذي كنت أقرأ فيه الرواية ..
من الواضح أن هذا السوار لا يحبني ، ولا يبدو أنه سيساعدني كثيرًا…
على الأقل ، ولحسن الحظ ، هذا المكان لم يكن مغلقًا تمامًا ، كان هناك باب للخروج ، إن خرجتُ ، يمكنني أن أبحث عن شخص يعرفني ..
[إن كنتِ تفكرين بالخروج ، فمن الأفضل أن تنسي الأمر …]
«ماذا كنت أفعل هنا أصلًا؟»
[هل طارت الذاكرة والذكاء معًا؟ حاولي أن تتذكري ما كنتِ تفعلينه قبل لحظة …]
كان للسوار موهبة حقيقية في إزعاج من يخاطبه…
«كنت أقرأ رواية.»
[ليست رواية ، لكن على أي حال ، من الأفضل أن تواصلي ذلك ، أليس كذلك؟]
كان صوته وكأنه يمنحني تلميحًا على مضض ، ومع ذلك ، راودني شعور قوي بأن عليّ ألّا أواصل قراءة هذا الكتاب ..
أولًا ، لم يكن على الغلاف أي عنوان ، وهذا مريبٌ للغاية ..
ثانيًا ، بما أن محتوى هذا الكتاب هو كل ما تبقى لي من ذكريات ، فأنا أتذكر بوضوح أن آخر جملة قرأتها كانت…
«(وأنتِ أيضًا لن تتذكّري ، أي شيء.) كانت مكتوبة هكذا بالتأكيد ، وبعد أن قرأتها ، فقدتُ ذاكرتي كلها وكأن الأمر كذبة.»
[من الأفضل لكِ أن تواصلي القراءة فحسب.]
«أنت تكرهني ، أليس كذلك؟ ربما تريد أن تؤذيني عمدًا بجعلي أقرأ هذا الكتاب ، لذلك أظن أن من الأفضل ألّا أقرأه.»
[أن تكوني حذرة مني إلى هذا الحد… بالنظر إلى وضعكِ ، لا بد أن هذا مخيفٌ لكِ حقًا ، أليس كذلك؟]
من الواضح أن السوار يعرف عني شيئًا ، لكنه بدلًا من أن يشرح بوضوح ، كان يكتفي باستفزازي وإغاظتي ، لذا بدا من الصعب اعتباره عونًا حقيقيًا ..
[احفظي جيدًا هذا الشعور الذي تعيشينه الآن ، فكل من كان حولكِ قد اختبر هذا الإحساس مرةً واحدة على الأقل عندما كان معكِ …]
«أتقصد أنني كنت أستفزّ الناس وأتحدث بوقاحة مثلك؟»
[كنتِ تتركيهم في حالة عجز ، تتظاهرين بأنكِ تعرفين كل شيء ، لكنكِ لا تشرحين شيئًا بوضوح …]
اختفى أثر الضحك من الصوت الأجشّ الصادر عن السوار ..
[كان ينبغي لكِ أن تُخفي الأمر حتى النهاية.]
«…أعرف أنك غاضب ، لكنني حقًا لا أتذكر شيئًا ، ألا يمكنك أن تشرح لي بهدوء ، خطوةً خطوة ، ماذا فعلتُ بالضبط؟»
كان قصدي تهدئته ، لكن يبدو أنني زدتُ الطين بلّة ، بدأ السوار يرتجف بعنف ، ثم دوّى صراخه كالصاعقة ..
[كان لديّ طفلٌ ضائع! صمدتُ آلاف السنين على هذه الحال ، فقط لأعثر ولو على بقاياه المتحجرة! وأنتِ قلتِ إن ذلك الطفل لا يظهر في الكتب ، وإن كل شيءٍ مجرد حكايات! هكذا كنتِ ترين الأمر!]
في اللحظة نفسها ، دوّى طنينٌ حاد في أذني ، شعرتُ بسخونةٍ في داخلها ، وحين رفعتُ يدي ، سال دمٌ لزج ..
ما إن رأيتُ الدم حتى هوى قلبي فجأة ،
الهدوء الذي كنت أتحلّى به قبل لحظات تلاشى ، وبدأت أطراف أصابعي ترتجف ..
[لا أحتاج إلى اعتذار! أنتِ لا تعرفين ، من لم يختبر ذلك بنفسه لن يفهمه أبدًا ، حتى لو متِ! لن تفهمي ما الذي شعرنا به!]
حملتُ الكتاب الذي يُرجَّح أنني فقدتُ ذاكرتي بسببه ، وبدأت أركض ..
عليّ أن أخرج أولًا ..
أن أخرج وأجد إنسانًا ، لا هذا السوار المجنون ..
بهذا التفكير ، فتحتُ باب المكتبة ، وخطوتُ دون تردد إلى ممرٍ باردٍ ومظلم ..
«آه! أخفتني!»
لم يكن هناك أحد قبل لحظة ، لكن فجأة ظهر فارسان يرتديان دروعًا حديدية قاتمة ، كأنهما ظلّان ، من الجانبين ..
إنسان!
«مـ… مرحبًا؟ هل… هل تعرفان من أكون؟»
كانا يرتديان خوذتين ، فلم أستطع رؤية وجهيهما، لكنني أدركت أنهما لا ينظران إليّ ..
كانت أنظارهما معلّقة على الكتاب الذي أضمه إلى صدري ..
هل لا يجوز إخراجه؟
«ا- انتظرا… دعونا نتكلم ، نتكلم فقط…»
لم يكن لديّ وقت حتى للتراجع
رفع أحدهما سيفه ، والآخر رمحه ..
ومن خلفي ، انطلق ضحك السوار ..
[اخبرتكِ… لن تعرفي إن لم تختبري الأمر بنفسكِ.]
طخّ
هكذا ، وأنا مطعونة كقطعةٍ مشوية على سيخ ، متُّ عبثًا وبلا معنى …
—
فتحتُ عينيّ ..
لسببٍ ما ، كنتُ قد عدتُ إلى داخل المكتبة ، تمامًا قبل أن أفتح الباب المؤدي إلى الخارج ..
حاولتُ الابتعاد عن الباب متراجعةً ، لكن ساقيّ خانتني ، فسقطتُ على الأرض بشكلٍ مثيرٍ للشفقة ..
«ما… ما الذي يحدث بحق الجحيم…؟»
[عدتِ إذن ..]
قال السوار ، الذي كنت قد تركته على الطاولة ، موجّهًا كلامه إليّ وأنا في حالة ذهول ..
[إن علقتِ في الزمن ، فأنا أُحبس معكِ ، لذلك سأشرح مرةً واحدة فقط ، فاسمعي جيدًا ، عندما تموتين ، تعودين إلى اللحظة التي سبقت مباشرةً السبب الذي أدّى إلى موتكِ…]
تشبّثتُ ببطنِي ، حيث طُعنتُ قبل قليل ، ولم أجرؤ على الحركة ..
لم يكن هناك أي جرح ، لكنني شعرتُ أن أي حركة ستؤلمني ..
[لهذه المكتبة عدة قوانين ، وبمجرد أنكِ قادرة على دخولها ، فأنتِ معفاة من معظمها ، لكن هناك قاعدة واحدة خالفتِها: لا يجوز إخراج أي كتاب من هنا ، لذلك متِ..]
«إ- إذن لو تركتُ الكتاب وخرجتُ…؟»
[لا ، لا يمكنكِ الخروج الآن ، أنتِ مرتبطة بالموت مع رجلٍ خارج هذه المكتبة ، لقد علم للتو أنكِ متِ ثم عدتِ ، وسيبدأ بالبحث عنكِ ..]
رجلٌ مرتبطٌ بموتي
لا أعرف كيف حدث ذلك ، لكن هذا يعني أننا كنا قريبين جدًا ، أليس كذلك؟
إذن سيساعدني ..
[لن أنكر أنه قد يساعدكِ ، لكن إن حدث ذلك ، فلن تتمكني من إنقاذه …]
«ما معنى هذا؟ أرجوك ، تحدث بطريقة أستطيع فهمها…»
[أتيتِ إلى هنا لتجدي طريقةً لإنقاذ ذلك الرجل ، كان احتمال تعرّضكِ لأمور أسوأ بكثير مما مررتِ به الآن قائمًا ، ومع ذلك اخترتِ المجيء ..]
كنتُ أحاول جاهدًة متابعة كلام السوار ، ثم فجأة خطرت لي فكرة أفقدتني كل قوتي ..
«لا أعرف كم هو شخصٌ عزيز عليّ ، لكن… ما الفائدة من كل هذا إن كنتُ لا أتذكره أصلًا؟»
طار السوار حتى توقف أمامي ، وسدّ الباب كأنه يمنعني من الخروج ..
[ستعود ذاكرتكِ ، لأنكِ ، بمجرد خروجكِ من هذا الباب ، ستموتين مجددًا خلال ساعة على الأكثر ، لقد تناولتِ سمًّا يقتلكِ بعد ساعة تحسّبًا لمثل هذا الموقف ، فإن متِ بالسم لا بسيف فارس ، فستعودين إلى ما قبل تناول السم مباشرةً ، وستعود ذاكرتكِ كاملة …]
أنا… تناولتُ سمًّا؟
عضضتُ على شفتيّ وتنهدتُ بعمق ..
«لا عجب أن بطني كانت تؤلمني منذ أن عدتُ ، ظننتُ أن السبب هو الطعنة بالرمح والسيف!»
[قلتُ ساعة واحدة ، لكن الزمن داخل المكتبة يختلف عن الزمن في الخارج ، الزمن هنا يتدفّق ببطءٍ غير طبيعي ، لذلك ، لكي تموتي هنا ، يجب أن يمرّ ما يعادل مئة عامٍ حسب إحساسكِ ، هذه قوانين هذا المكانٌ.]
«يعني هذا أنه لو خرجتُ من المكتبة سأموت سريعًا؟»
[في غضون ساعة على الأكثر ، لكنكِ لن تتمكني من مغادرة هذا المكان قبل أن تجدي ما جئتِ تبحثين عنه ، سواء استغرق الأمر يومًا ، أو عشر سنوات ، أو مئة عام ، إن متِ قبل أن تحصلي على ما تريدينه ، فستعودين إلى هنا في النهاية.]
مئة عام؟
ذلك الرقم… 100… الذي أعرفه؟
أطلقتُ ضحكةً جافة وأنا أفكّر: مستحيل ..
لكن ما إن أدرتُ رأسي ورأيتُ بحر الكتب الممتد بلا نهاية ، حتى سقط طرف فمي دون إرادة ..
[إن حالفكِ الحظ ، ستجدين الجواب في الكتابين الموضوعين على الطاولة ، وإن لم تجديه ، فعليكِ أن تنبشي كل ما في هذا المكان وتبحثي من جديد ، بحثًا عن خيط أملٍ رفيع ، ولو كان واهيًا.]
«…هذا غير معقول.»
همس السوار بصوتٍ قاتم:
[تجوّلي في زمنٍ لا نهاية له ، من دون أن تعرفي شيئًا ، وموتي فيه ، لكن لا تنسي: إن لم تستطيعين الصمود حتى مئة عامٍ فقط ، فلن تصلي أصلًا إلى قلب ذلك الرجل …]
التعليقات لهذا الفصل " 184"