على الرغم من الثقل الذي يوحي به اسم «الكتب المحرّمة»، فإن الصفحات كانت تنقلب بخفّة ، لا تختلف عن أي كتاب آخر…
[كان هناك حاكم منسيّ ، في زمنٍ مضى…]
حتى اللحظة التي فتحتُ فيها الصفحة الأولى وقرأتُ السطر الأول—تلك اللحظة التي لا تكاد تُذكر—تجمّع العرق البارد على جبيني حتى سال ..
على الرغم من جرأتي في ابتلاع زهرة السم وفتح الكتاب المحرّم ، كنتُ خائفةً في داخلي بطبيعة الحال ، لقد متُّ مراتٍ عديدة من قبل ،
الألم مخيف بلا شك ، لكن الموت نفسه لم يعد يرعبني ..
الناس عادةً يخافون الموت ، لأنه أسوأ ما يمكن أن يواجهه المرء ضمن حدود التصوّر ..
أما بالنسبة لي ، وقد أصبح الموت مجرّد حسابٍ آخر ، فإن أسوأ ما يمكن تخيّله لم يعد الموت ، بل المجهول ذاته ..
كأن أُصاب بلعنةٍ لا يمكن التنبؤ بها ، كلعنة هذا الكتاب مثلًا ..
بعد قراءة السطر الأول ، أغمضتُ عينيّ للحظة قبل أن أتابع ، وأخذتُ نفسًا عميقًا ..
ثم تفحّصتُ نفسي ..
هل راودتني فجأة رغبة في اقتلاع عينيّ بأصابعي؟
هل شعرتُ بجنونٍ لا يُحتمل يزحف على ظهري؟
أم هل بدأ الدم يسيل من أنفي فجأة؟
«يبدو… أنني بخير؟»
لم أشعر بأن لعنةً قد أصابتني ، صحيح أنني لم أقرأ سوى السطر الأول فحسب ، لا شك أن التغيّرات ستظهر مع مواصلة القراءة ، لكن حقيقة أنني تجاوزتُ السطر الأول بسلام كانت مصدر راحةٍ كبيرة لي ..
صفحة واحدة لا تحوي سوى سطرين تقريبًا ، وحين قدّرتُ سماكة هذا الكتاب الذي لا يمكن اعتباره سميكًا ، ارتسمت على شفتيّ ابتسامة واثقة ..
وسرعان ما بدأت أقرأ ما يليه بانسياب ..
[إنه حارس التوازن ، وقاتل الحيّة المجنّحة ، وهو سيّد الميزان الذي صُنع في بُعدٍ لا يعترف بالانفراد ، عند ولادة هويريون ، وُلد ليكون شرًّا حين يوجد الخير ، وليكون خيرًا حين يوجد الشر …]
كان هذا الكتاب واحدًا من الكتب التي استدعاها جوزيف اعتمادًا على الكلمات المفتاحية المتعلقة بـ«ملك الوحوش» التي ذكرتُها ..
لذا لا بد أن هذا الكتاب صُنّف على أنه مرتبط بتلك الكلمات ، ومن ثمّ فإن «الحاكم المنسي» المذكور هنا يُرجَّح أنه يشير إلى ملك الوحوش ..
«أفالتنين ذو الأجنحة يعني التنين؟»
الذي أبيدت به التنانين كان البشر ..
لكن هذا الكتاب يقول إن من فعل ذلك هو ملك الوحوش ..
لا، وقبل ذلك… هو حاكم؟
[كان الحاكم المنسي وهويريون يتعايشان في توازن ، غير أن ذلك التوازن بدأ يتصدّع حين خلق هويريون التنانين ، كانت التنانين كائناتٍ مفرطة القوة ، ونالت حظوةً عظيمة لدى هويريون ، ومع مرور الوقت ، ازدادت غطرستها ، حتى إنها في النهاية استهانت بالعهد القائم بين هويريون والحاكم المنسي ..
وحين وصلت إلى حدّ قتل نسل الكائنات الخيالية التي تعيش في السهول ، أثارت غضب الحاكم المنسي …]
[وعندما اختفى الحاكم الرئيسي هويريون فجأة ، تجاوزت التنانين الغطرسة لتجرؤ على الطمع في مقام هويريون ذاته ، ولإعادة التوازن ، عقد الحاكم المنسي صفقةً مع البشر—وهم أيضًا من مخلوقات هويريون—وقطع أجنحة الحيّة.]
«اختفاء هويريون في ذلك التوقيت لا بد أنه كان لأنه رأى مستقبله الفاسد فاختار أن يختم نفسه بيده …»
وبينما أجد القصة شيّقة ، تابعت القراءة بشيء من الترقّب ..
[وقدّم البشر ، المنهكون من طغيان التنانين ، أقوى جسدٍ بشري للحاكم المنسي ، فدفع لهم الحاكم المنسي الثمن الموافق لذلك ..]
لكن ذلك كان فخًّا نصبه البشر ، لا للإطاحة بالتنانين فحسب ، بل للإمساك الحاكم المنسي أيضًا ..
وحين توقّف هويريون في وقتٍ ما عن الاستجابة للصلوات ، ظنّ أتباعه أن اختفاءه كان بسبب الحاكم المنسي.]
إذًا ، لنتوقّف لحظة ونرتّب الأمور ..
أتباع الحاكم هويريون ، عندما بدأ حاكمهم يتوقّف عن الاستجابة ، اعتقدوا أن السبب هو حاكم آخر يماثله في المنزلة ، فقرّروا الإمساك بذلك الكائن المسمّى «الحاكم المنسي»؟
[الحاكم المنسي مقيّد بالجسد ، وحين علم البشر بذلك ، دبّروا حيلة ، قبل أن يقدّموا له الجسد ، ألقوا عليه تعويذة ، وبعد أن أُبعدت التنانين أخيرًا، بدأ الجسد الذي سكنه الحاكم المنسي يتعفّن وهو حي ، حاول الحاكم المنسي أن يبدّل جسده ، لكنه وقع في فخ البشر ، فلم يتمكّن من الحصول على جسدٍ جديد ، وتعفّن في أعمق باطن الأرض.]
شعرتُ بالشفقة تجاه الحاكم المنسي ..
الحاكم هويريون له اسمٌ واضح ، فلماذا لا يُذكر اسم الحاكم المنسي؟ أهو لأنه نُسي فعلًا؟
رجوتُ في سرّي ألّا يكون الحاكم المنسي قد مات هباءً على هذا النحو ، وقلّبت الصفحة التالية .
لكن الصفحة التالية لم يكن فيها سوى جملة واحدة فقط:
[بالمناسبة ، ما اسمكِ؟]
…هاه؟
ما هذا؟ كانت الأمور تسير على ما يرام ، فما هذه السخافة فجأة؟
«هل هناك خطأ في الطباعة…؟»
تمتمتُ بذلك وقلّبت الصفحة التالية فورًا
وعادت القصة وكأنها رواية من جديد
كنتُ متشوّقة لمعرفة ما آل إليه مصير الحاكم المنسي ، فاعتبرتُ أن الصفحة السابقة مجرّد خطأ من دار النشر ، وحاولتُ أن أركّز مجددًا على الكتاب ..
[الحاكم المنسي ، ليخرج من ذلك الجسد ، صعد بنفسه إلى كفّة الميزان ، قدّم اسمه ومرتبته قربانًا ليحفظ وجوده ، وهكذا أصبح حاكماً منسيًّا ،
هذا كتابٌ يحفظ اسمه ومرتبته ، لكنه وُعِد بأن يُنسى ، وأنتِ أيضًا ، لن تتذكّري ، شيئًا على الإطلاق …]
…عندها ، سمعتُ من مكانٍ ما صوتًا غامضًا ،
[يا سيّدي ، ما اسمك؟]
«ماذا؟»
رفعتُ رأسي بفزع ، ونظرتُ حولي ..
لم يكن هناك أحد ..
لم أشعر بأي أثرٍ لحياة ، سوى صوت أنفاسي ،
هذا المكان… كان مكتبة ، ومثل كل المكتبات ، كان هادئًا للغاية ..
[هيه.]
«ما هذا! من هناك؟!»
وعندما سمعتُ الصوت مجددًا ، نهضتُ هذه المرة واقفةً دفعةً واحدة ..
[أنا.]
وانجذبت عيناي تلقائيًا إلى الجهة التي صدر منها الصوت ..
التعليقات لهذا الفصل " 183"