وينتر ذو الشعر الأسود ، الأصغر سنًا قليلًا مقارنة بالحاضر ..
كان وينتر مقيدًا من رأسه حتى قدميه بحلقات حمراء ..
«…لاجيليا ، عودي الآن.»
مع ندائي ، أطلقت الحلقات الحمراء وميضًا قويًا، ثم عادت بهدوء لتلتف حول معصمي ..
بعد أن استعدت لاجيليا ، فلعل وينتر سينشغل لفترة بمراقبة “وينتر” الموجود في هذه الغرفة ، ولن يكون لديه متسع كبير للاهتمام بي ..
كأن وجود نسخته الممددة لا يعنيه بشيء ، بدأ وينتر يتحدث عن ما هو قادم ..
«نوي روستين سيصل إلى الإمبراطورية الغربية ، وقبل موجة الوحوش القادمة ، سيتعين علينا إنزال “نبوءة” جديدة …»
«نبوءة تخصّ الأخ جوزيف ، أليس كذلك»
عندما تبدأ موجة الوحوش ، سيتوجب على جوزيف التوجه إلى سواحل الإمبراطورية الشرقية لمواجهة “نين”..
نين ، ذلك الكائن الذي يتسلل إلى شقوق قلوب البشر ويُريهم الأوهام ..
الشخص الوحيد القادر على مواجهته هو جوزيف ، الذي لا يعرف الخوف ويمتلك قوة هائلة ..
وبحسب “النبوءة” التي سأنزلها ، سيتجه جوزيف حتمًا إلى الإمبراطورية الشرقية ، وسيتولى دور إبقاء نين منشغلًا بينما يتصدى الآخرون لبقية الوحوش
خطر ببالي ذلك القشر الذي كان بحوزة جوزيف ،
وإن كان الهدف تشتيت انتباهه ، فالأفضل إنزال النبوءة وإرساله إلى الشرق في أقرب وقت ممكن ، ولو ليوم واحد فقط ..
«هل… هذا كل ما أردت قوله لي؟»
«وجهكِ ممتلئ بالهمّ والقلق والاضطراب.»
شعرتُ ببرودة خفيفة عند طرف ذقني ..
كان وينتر قد اقترب دون أن أشعر ، ورفع وجهي بلطف وهو ينظر إليّ بنظرة معقدة ، بينما أحدق أنا في سريره ..
وجه جميل إلى حد يجعل الضحك المرّ يكاد يفلت من شفتي ..
«ومع ذلك… لا أستطيع أن أقرأ شيئًا من وجهك.»
«ما الذي يقلقكِ؟ أنا لم أتغير ..»
تمتمتُ وقد أصابني الذهول ..
«كيف… كيف تستطيع أن تقول إنك لم تتغير؟»
أمام عيني كان يرقد جزء من وينتر أورشيرس الذي قطعه بيده ، فكيف يمكنه أن يقول ذلك بكل هدوء؟
«علاقتنا لم تتغير ، لم أتخلَّ عن فكرة أن أُقدّركِ وأعتبركِ ثمينة …»
«……»
«أيًّا كان ما تريدينه ، أستطيع فعله ، وإن أردتِ ، أستطيع أن أكون أيّ شيء ..»
كما قال وينتر ، لو أغمضتُ عيني قليلًا وتجاهلتُ الأمر ، لشعرتُ وكأنه وينتر الذي عرفته ..
فهو منذ البداية لم يكن شخصًا يُظهر مكنون قلبه بسهولة .
ولو واصلتُ العيش هكذا ، مع إدارة وجهي قليلًا عن الحقيقة ، فربما تُحلّ كل المشاكل فعلًا ..
لن أضطر حتى لمحاولة تغيير قلب ملك الوحوش ،وسيكون كل شيء منتهيًا بمجرد تقديم هذا “الوينتر أورشيرس” قربانًا .
«ربما تكون محقًا ، رغم أنك تغيّرت إلى هذا الحد ، يكفيني أن أغمض عيني حتى أنسى ذلك بسهولة.»
صوت وينتر ، اللطيف دائمًا كآلة ، يده الباردة ، التي لا تحمل سوى البرودة ..
«ربما لأنني لم ألتقِ يومًا بـ“وينتر الحقيقي”.»
…في النهاية ، لم أكن أعرف عن وينتر سوى ذلك القدر فقط ..
منذ البداية ..
بل إنني لم أحاول أصلًا أن أعرف أكثر ..
«لا أستطيع أن أتركك هكذا ، قبل أن ألتقي بك الحقيقي …»
أمسك وينتر بكتفيّ وكأنه يوبخني ..
المسافة بيننا لم تعد تتجاوز شبرًا واحدًا
«إيزانا ، لقد عشتُ طويلًا جدًا ، تغيّرتُ كثيرًا ، حتى إنني لم أعد أستطيع تمييز من أكون حقًا ،
لذلك، فإن “ذاتي الحقيقية” لم يعد لها أي معنى ..”
همس وينتر بنبرة قوية، كأنه يفرض هذا العهد على نفسه ..
«أنا الذي أمام عينيكِ الآن ، هو أنا الحقيقي ، كل ما أملكه هو هذا!»
«بالطبع ، أنت الذي أمامي الآن هو أيضًا وينتر أورشيرس الحقيقي …»
ربما لأن الوقت الذي أمضيته قريبًا من وينتر طال ، بدأت أشعر بالبرد ..
شخص إن بقيت معه ، يزداد كل شيء برودة بلا نهاية ، حتى يضطرك في النهاية إلى التراجع خطوة إلى الوراء ..
كأنه وُلد أصلًا غير قادر على الاندماج العميق مع أي أحد ..
شخص خُلق وكأنه ممنوع عليه أن يتآلف حقًا مع الآخرين ..
«لكن ماذا لو فعلتُ أنا الشيء نفسه؟ ماذا ستفعل حينها؟»
«افتراض بلا معنى ..»
«وإن قمتُ أنا بتهذيب روحي ، وتخلّيتُ عن مشاعري؟ هل سيكون الأمر عاديًا بالنسبة لك؟»
أغمض وينتر عينيه وزفر زفرة مكبوتة ..
«من الأساس ، لن أسمح بأن تصلين إلى ذلك.»
نعم ، وينتر لن يسمح لي بذلك ..
فهو شخص يلتقط نبضات قلبي ، وأنفاسي ، وتغيّر حرارة جسدي حتى من دون أن أتكلم ..
حين فكرتُ في الأمر هكذا ، بدا وكأنه كائن وُلد فقط ليحمي شخصًا ما ..
ابتسمتُ ابتسامة مُرّة واستدرت ..
«كان ينبغي أن أكون أنا كذلك.»
ومن هناك ، توجهت مباشرة إلى طبيبي الخاص
«ما الذي جاء بكِ إليّ هذه المرة؟ إن كان جرحًا ، فـ[إيغريو] كفيل بعلاجه على الأغلب… آه ، هل قررتِ أخيرًا أن تريحين هذا العجوز؟»
«يا لك من مضحك فعلًا… كل ما تفكر به هو كيف تتنعم بالأراضي التي انتزعتها مني ، أليس كذلك؟»
تهدلت كتفا بيريز وهو يجيبني ..
«يبدو أنكِ لا ترين كم ذبل هذا العجوز خلال السنوات السبع الماضية……»
كان بيريز في الأصل أقرب إلى السِمنة ، لكن بعد سبع سنوات من مرافقتي ، بدا نحيلًا بشكل ملحوظ ..
ولهذا ، ومنذ بضع سنوات ، وهو يطالب بالتقاعد بلا توقف ، لكن ذلك كان مستحيلًا ..
لأنني ما أزال بحاجة إليه ..
«أنا رجل مسن! إلى متى تنوين استغلال عجوز مثلي! إن جررتني مرة أخرى إلى الإمبراطورية الشمالية فلن أتحمل بعدها! عندما تبلغين سني ستفهمين ماذا يعني أن تكون عظامكِ مليئة بالثقوب يدخلها الهواء البارد! لهذا لا يمكنني التفاهم مع الشباب!»
«كفى تمثيلًا. لم آتِ اليوم بسبب إصابة ، جئت لأنني أحتاج إلى سم …»
«هاه؟ سم؟»
عدّل بيريز نظارته وقطّب حاجبيه ..
«أي سم؟ ولماذا فجأة؟»
«أحتاج إلى سم يقتل بعد نحو ساعة من تناوله.»
«مَـ مَن تنوين قتله؟! هل نسيتِ أنني طبيب؟ أنا طبيب! والطبيب وظيفته إنقاذ الناس!»
«لن يموت أحد ، أعدك ، إن أعطيتني الدواء سأعيده كما هو غدًا.»
ارتجفت يدا بيريز وهو يسأل:
«أنتِ… لن تشربيه بنفسكِ ، أليس كذلك؟»
«لن يموت أحد ، أعدك.»
«إذًا لماذا تطلبينه أصلًا؟! إن أصابكِ مكروه ، أنا… أنا سأُقتل لا محالة!»
«يا إلهي ، كم أنت ثرثار! فقط أعطني إياه!»
حين رأى أنني لن أتراجع ، ظل بيريز يتمتم بقلق وهو يختار عدة قوارير من الرف ..
ثم تردد قليلًا ومدّ إحداها نحوي .
كانت قارورة بداخلها زهرة زرقاء ..
«زهرة سامة ، لكن حقًا ، فيما تنوين استخدامها……؟»
أخذت القارورة وتمعنت في الزهرة بتركيز ..
«يجب أن يكون سمًا قاتلًا حتمًا ، وإلا فسيكون ذلك كارثة حقيقية.»
عندها راقبني بيريز بحذر ، ثم خطف القارورة من يدي ووضع بدلًا منها أخرى ..
«انتظري ، هذا أكثر ضمانًا.»
كانت هذه المرة قارورة بداخلها زهرة صفراء
«يجب مضغ زهرة كاملة حتى يظهر مفعولها بوضوح ، إن أكلتِ القليل فقط ، ستتألمين دون أن تموتي …»
«شكرًا لك ، وبالطبع ، لن تخبر أحدًا بما جرى اليوم ، صحيح؟»
ارتجف بيريز عند سؤالي ..
«حتى [إيغريو]؟»
«وحتى جلالة الإمبراطور أيضًا.»
بدا أن بيريز أدرك أن الأمر غير عادي ، فأخذ يعدّل نظارته مرارًا قبل أن يقول:
«لِمَ لا أذهب معكِ؟ إن كنت هناك ، سأتمكّن من التصرّف فورًا.»
«اخبرتك ، لن يموت أحد ، سأعيد لك هذه الزهرة كما هي غدًا ، فاطمئن.»
بعد أن وعدتُ بيريز ، الذي بدا غير قادر على الاطمئنان مهما قيل له ، بأن أعود إليه فور انتهاء الأمر ، توجهتُ مباشرة للبحث مجددًا عن الجدار الأسود الذي يُخفي باب مكتبة القصر الإمبراطوري ..
ما إن اقتربتُ حتى ظهر فارسان من جديد بانسيابية ، وحين أخرجتُ المفتاح الذي كان لا يزال بحوزتي ، انكشف باب المكتبة المخفي .
عبرتُ الباب بسرعة ، وبدأتُ أتجوّل في أرجاء المكتبة الواسعة بحثًا عن كتابين من الكتب المحرّمة اللذين لم أتمكن من قراءتهما حين كنت مع جوزيف ..
على الرغم من أنني كنت قد تركت علامات مسبقًا لتسهيل العثور عليهما ، فإن إيجاد هذين الكتابين وحدهما استغرق—بحسب إحساسي—نصف نهار
وبالطبع ، لم يكن هناك ما يدعو للقلق ، فداخل مكتبة القصر الإمبراطوري يتدفّق الزمن على نحوٍ مختلف عن الخارج ..
«وجدتهما!»
سحبتُ الكتابين وجلستُ إلى المكتب ، ثم أخذتُ نفسًا عميقًا وفتحتُ الزجاجة التي تلقيتها من بيريز ، ومضغتُ الزهرة وابتلعتها دفعةً واحدة.
بعد ساعة من الآن… سأموت ..
لا أحد يعرف أي لعنة قد تصيب من يقرأ الكتب المحرّمة ، يُقال إن الإمبراطور السابق ، بعد دخوله المكتبة وخروجه منها ، أصيب بالجنون وأصبح طاغيةً أحمق خُلّد اسمه في التاريخ ..
وبما أنني لا أظن أنني سأكون قادرة على الحكم بعقلانية بعد قراءة الكتب المحرّمة ، فقد قررتُ أن أموت مرةً واحدة على الأقل ..
وبينما كنتُ أعبث بمرارة الزهرة على طرف لساني ، فتحتُ أول كتابٍ محرّم ..
التعليقات لهذا الفصل " 182"