حين أعاد جوزيف السؤال ، ناولته الصفحة من «دليل الوحوش المقدّسة» التي تتحدث عن الأسد ، إن كانت معلومات متاحة للجميع ، فلا بأس أن أطلع جوزيف عليها ..
وفوق ذلك ، كنتُ فضولية لأعرف لماذا انكبّ فجأة على قراءة كتب عن التنانين ، فأن أسأله فقط بينما أخفي هدفي سيكون مريبًا أكثر مما ينبغي ..
ألقى جوزيف نظرة على الصفحة التي ناولتُه إياها ، ثم هزّ رأسه ..
«ليس من مجال اختصاصي ، لكن خلال السنوات القليلة الماضية ، ومع ازدياد التبادل فجأة مع السهول الوسطى ، يبدو أن الأوساط الأكاديمية بدأت تولي هذا الكائن المسمّى “الأسد” اهتمامًا متزايدًا ، وعلى حدّ علمي ، شُكِّلت حتى بعثات استكشافية للبحث عنه ، لكنها عادت في النهاية خالية الوفاض …»
عادوا خاليي الوفاض .
على الأقل عادوا ، هذا وحده مدعاة للاطمئنان ، ففي العادة ، من يضلّ طريقه داخل الغابة يختفي إلى الأبد .
لحسن الحظ، بدا أن مونجو يفي بوعده لي ولوينتر ، ولا يعتدي بلا سبب على البشر الذين يدخلون الغابة ..
«كنتُ أبحث عن أدلة أو شهادات أكثر واقعية عن الأسد ، لكن كل ما وجدته لم يكن سوى أساطير مقنعة لا أكثر …»
توقّف بصري لحظة عند ركام الكتب المحرّمة ،
لا يمكن معرفة نوع اللعنة التي قد تصيب المرء قبل فتحها ..
…لكن أيًّا كانت اللعنة ، فقد كنتُ أملك القدرة على إبطالها ..
«وأنت؟ هل وجدتَ ما كنتَ تبحث عنه؟»
أشرتُ إلى كومة الكتب المكدّسة أمام جوزيف
«لا، أنا أيضًا لم أجد ….»
«حقًا؟ وماذا كنتَ تبحث عنه؟»
ابتسمتُ بهدوء وأنا أقلّب الكتب التي اختارها
«تنانين؟ لو سألتَني ، كان بإمكاني أن أسأل الدوق مباشرة.»
«الدوق أورشيوس لا يحبّني كثيرًا ، فلا داعي لإقحامه في الأمر …»
وبما أنني أدركتُ أن الدوق ما يزال يعادي جوزيف بسبب قضية أغريسين ، وأن عداءه شديد إلى درجة قد تعيق المسار العام مستقبلًا ، بحيث اضطررنا حتى إلى فصله عن بعض الأمور ، فلم أستطع إنكار كلامه بثقة ..
«أنا لا أعرف الدوق جيدًا ، ومع ذلك ، فهو يكرهني رغم أنه لا يعرف عني شيئًا …»
راح بصر جوزيف يتيه في الفراغ برهة ، كأنه غارق في أفكاره ..
«بالمناسبة ، ماذا حلّ بذلك الرجل؟ أقصد ذاك الذي قال إنه يُعجب بالدوق ذي الشعر الأسود ، ذلك الذي هاجمكِ… ذلك المطارد.»
«قال الدوق إنه تكفّل بالأمر ، ربما يكون قد مات بالفعل …»
هزّ جوزيف رأسه على جوابي ، لكنه بدا غير مهتم كثيرًا بعد الآن ، ثم أغلق الكتاب الذي كان بيده
«كنتُ فقط أبحث لأرى إن كانت التنانين تكره الرجال ذوي الشعر الأشقر على وجه الخصوص ، لو كان الأمر كذلك ، فقد أجد سببًا مقنعًا لكره الدوق لي …»
ومع ذلك كنتَ تقرأ أربعة كتب بتأنٍ ..
صحيح أن جوزيف يكون عنيدًا حين يعلّق بشيء ما ..
«هل يمكننا الذهاب الآن؟»
«نعم……»
حفظنا عناوين الكتب المحرّمة جيدًا ، ثم بدأنا بترتيب المكان ، نهض جوزيف ليعيد الكتب إلى أماكنها ، وقال:
«بالمناسبة ، يبدو أنكِ لم تعودي ترتدين لاجيليا هذه الأيام ، هل استخدمتِها آخر مرة عندما سيطرنا على الرجل الذي جلبه الدوق ، ومنذ ذلك الحين لم تُعاد إليكِ بعد؟»
لمستُ معصمي الخالي ..
صحيح… عليّ أن أستعيد لاجيليا …
«…قال إنه سيعيدها قريبًا.»
«لاجيليا هي أكثر وسيلة موثوقة لحمايتكِ ، من الأفضل أن تعودي لارتدائها في أقرب وقت.»
…هاه؟
لكن ، في اللحظة التي نهض فيها جوزيف ليضع كتابًا على الرف ، وقع بصري على شيء ما ..
شيء صغير يلمع .
اقتربتُ لأراه بوضوح ، وفي اللحظة التالية سرت قشعريرة باردة في ظهري ..
«حرا…شف؟»
حرشفة تنين
في هذا العالم ، لم يكن هناك تنين سوى وينتر ، لذا فهذه الحرشفة لا بد أنها تعود إليه ..
ووينتر بطبيعته لا يُسقِط حراشفه هكذا ، فحرشفة التنين ليست كشعرة بشرية ، وليست شيئًا يسقط بسهولة ..
لو كان الأمر كذلك ، لكنتُ أملك واحدة على الأقل من حراشف وينتر ، لكنني لم أكن أملك أيًّا منها
‘لا… ليس صحيحًا أن وينتر هو التنين الوحيد في هذا العالم ، على الأقل ، ليس بعد الآن …’
أغريسين ..
أغريسين لم يعد موجودًا في هذا العالم ، لكن في ذلك الوقت كان لا يزال حيًّا ، وفي اللحظة التي أُمسك فيها بأغريسين ، كان جوزيف حاضرًا ،
هل أسقط أغريسين حرشفة في ذلك الوقت ، فالتقطها جوزيف؟
«إيزانا ، ماذا تفعلين هناك جالسة القرفصاء؟»
فاجأني الصوت الذي اقترب فجأة ، فانتفضتُ لا إراديًا ، وأخفيتُ اليد التي أمسكتُ بها الحرشفة خلف ظهري .
هل عليّ أن أسأله عن الحرشفة؟ أم أتجاوز الأمر بمزاح؟
هل أسأله لماذا يحتفظ بها حتى الآن؟
ولِمَ لم يخبرني عنها من قبل؟
«لا شيء.»
جلستُ ببطء على الكرسي ، وأسقطتُ الحرشفة التي كنتُ أمسكها خفيةً فوق المقعد ..
لو قال جوزيف إنه التقطها يومها من الرجل الغامض ، فكيف سأجيبه؟
ولأنني لم أكن مستعدة لذلك الجواب بعد ، لم أستطع الخوض في هذا الحديث مع جوزيف ..
خرجنا من المكتبة هكذا .
وكأننا اتفقنا ، لم ينبس أيٌّ منا بكلمة ..
—
«إيزانا تتخذ هذا التعبير حين تكذب……»
تمتم جوزيف بهدوء ..
لم يكن وجهًا يجهله؛ لقد رآه مرات عديدة من قبل ، ولذلك كان الألم أشد ..
«أنتِ لا تجيدين الكذب ، بخلافـي. ليتكِ كنتِ تجيدينه أكثر …»
وضع جوزيف كأس الخمر جانبًا وفتح النافذة بعنف ، كان نسيم الليل البارد الذي لامس وجهه المتورد ممتعًا ..
الحرشفة… أسقطها عمدًا ..
لم يكن ذلك ليستجوبها بشأنها ، بل لأنه كان يتمنى أن تسأله ، أن تسأله كيف حصل على هذه الحرشفة ..
فهذا النوع من الحديث يمكن أن يخرج طبيعيًا من أي شخص ..
لكن إيزانا قررت أن تتظاهر بعدم رؤيتها ..
وهذا يعني أن المسافة التي كان جوزيف يقدّرها بينه وبين إيزانا ، والمسافة التي كانت إيزانا تشعر بها ، لم تكونا متطابقتين على الإطلاق ..
«التمثال اختفى الآن ، لكن الثقة الحقيقية يجب أن تُبنى حتى من دون مثل هذه الأشياء ، أليس كذلك؟»
«نعم ، هذا صحيح.»
إيزانا هي من قالت ذلك له يومًا .
«كل علاقة تحتاج إلى ثقة ، والثقة التي تنهار مرة واحدة يصعب جدًا بناؤها من جديد ، وربما لا يمكن ذلك أصلًا.»
كان يؤمن تمامًا بأن الثقة هي الأهم ، وبالاعتماد على تلك الكلمات وحدها ، كان جوزيف واثقًا من أنه ، خلال السنوات السبع الماضية ، لم يكذب على إيزانا ولو كذبة واحدة ..
لأنه كان يريد أن يبني ثقة حقيقية معها ..
«في الماضي… كنتُ أشعر أنكِ تثقين بي حقًا.»
أليس لهذا السبب أخفى عنها أمر الكونت بلو بيل؟
لقد تراجعت إيزانا خطوة إلى الخلف حينها ، وحاولت أن تفهم أعماقه ..
ومع أنها عرفت اختلافه ، لم تخف ولم تبتعد ، بل مدت يدها أولًا ..
كان الكونت بلو بيل يقول إن الجميع سيتجنبون جوزيف ، وإنه لا يجب أن يثق إلا به ، لكن الكونت كان مخطئًا ..
في ذلك الوقت ، كانت إيزانا تعرف… ومع ذلك اقتربت أولًا ..
لكن لماذا لا يشعر الآن بالإحساس نفسه؟
لماذا يبدو الآن وكأن إيزانا لم تعد تثق به؟
خلال السنوات السبع الماضية ، حاول جوزيف أكثر من أي وقت مضى ..
فلماذا يشعر وكأنه صار أسوأ مما كان عليه قبل سبع سنوات؟
لماذا الآن لا يبدو أن إيزانا تثق بي؟
«أنا لا أثق بك ..»
قال دوق وينتر أورشيرس بوضوح إنه لا يثق بجوزيف …
لماذا اختار هذه العبارة تحديدًا؟
ليس «لا أحبك»، بل «لا أثق بك» ، لماذا قالها بهذه الصيغة بالذات؟
كأنّه يعرف كل شيء.
…يعرف كل شيء؟
أم أن دوق وينتر أورشيرس يعرف أيضًا ما جرى بينه وبين الكونت بلو بيل؟
ولهذا قال إنه لا يثق به…؟
لكن ماذا عن ذلك الرجل؟
الرجل الذي كان ينظر إليّ بالعينين نفسيهما اللتين ينظر بهما وينتر أورشيرس ، بدا وكأنه يكرهني هو الآخر ..
ما العلاقة بين ذلك الرجل ووينتر أورشيرس؟
أيعقل أن الجميع يعرف؟
يعرفون ما اقترفه جوزيف في صغره ، ولهذا يحتقرونه إلى هذا الحد؟
أغمض جوزيف عينيه وتمتم ، بينما كان يشعر بأن قطع اللغز بدأت تتركب معًا ..
«إيزانا كاذبة……»
كان جوزيف يعرف جيدًا أن حدسه أقوى من حدس الآخرين بكثير ..
عاد إلى مكتبه ، وراح يفتش بين الأوراق حتى أخرج ورقة رسالة واحدة ..
كانت الرد على الرسالة التي أرسلها سابقًا إلى أرلين ، بطلب من إيزانا ..
حرشفة تنين أسقطها رجل غامض ، رجل لم يره من قبل ، ومع ذلك شعر وكأنه يعرفه .
وينتر أورشيرس ، الذي كان ينظر إليه دائمًا بتلك النظرة المزعجة، كأنه يعرف كل شيء عنه
ثم… إيزانا ..
شعر بإحساس قوي بأن ثلاث قطع من اللغز باتت متشابكة معًا ..
التعليقات لهذا الفصل " 181"