في «دليل الوحوش الروحية» كانت تُسرد آراء العلماء الذين افترضوا وجود «الرسول» (ملك الوحوش الروحية)، مع ما قدّموه من أدلة خاصة بهم ، وكان بعض تلك المراجع حالاتٍ مذكورة في «مجموعة حكايات الحدود».
كان ذلك حدثًا وقع في قرية آران في الإمبراطورية الشرقية ..
كان هناك زوجان طالما تاقا إلى إنجاب طفل ، لكن مهما فعلا لم يُرزقا بولد ، وفي يومٍ ما ، سمعا قصة تقول إن من يتوسل إلى كيانٍ مجهول يسكن الغابة يمكنه أن يحقق أمنيته ، فبرغم معارضة أهل القرية ، توجها إلى الغابة ..
ومرت عشرة أشهر وأكثر دون أي خبر ، فظن أهل القرية أن الزوجين قد هلكا. لكن قبل أن تمضي سنة كاملة ، عاد الزوجان إلى القرية على نحوٍ معجز—وهما يحملان بين ذراعيهما طفلة رضيعة ،
شرح الزوجان أنهما التقيا بذلك الكيان المجهول ، وبعد أن تمنّيا أمنيتهما ، رُزقا بطفلة سليمة معافاة.
لم يستطع أهل القرية تصديق القصة ، وظنوا أن الزوجين قد سُحرا على يد وحشٍ روحي ، فراقبوا نمو الطفلة بنظراتٍ قاسية ..
غير أن الأيام مضت ، وبدأت الطفلة تشبه والديها أكثر فأكثر ، حتى لم يعد بمقدور أحد إنكار أنها ابنتهما الحقيقية ..
بعد ذلك ، صدّق بعض الناس حديث الزوجين فعلًا ، فانطلقوا كلٌّ يحمل أمنيته إلى الغابة في مغامرة خطرة ، لكن أقل من نصفهم عاد حيًا ، ومن بين أولئك الناجين لم يلتقِ أحدٌ بالكيان المجهول الذي وصفه الزوجان بأنه يشبه الأيل ..
بدا أن الزوجين وطفلتهما يعيشون حياة أسرية هانئة ..
لكن حين بلغت الطفلة عامها العاشر ، وقعت حادثة غريبة ..
بدأ ظهور الزوجين وابنتهما في القرية يقل شيئًا فشيئًا، ثم أغلقوا باب منزلهم بإحكام ولم يخرج أحد منهم ..
وأحيانًا ، كانت صرخات الطفلة الحادة تتسرب إلى الخارج ، وبعد زمن طويل ، خرجت الأم أخيرًا إلى القرية تشكو قائلة إن عليهم أن يقيموا نوبات حراسة عند الطريق المؤدي إلى الغابة ..
وعندما سُئلت عن السبب ، قالت إن ابنتها قد سُحرت بذلك الكيان المجهول وتحاول الذهاب إلى الغابة ..
وكانت الحقيقة على النحو التالي:
قبل عشر سنوات ، التقى الزوجان بذلك الكيان المجهول وعقدا معه صفقة ، فقد وعدهما بأن يمنحهما طفلًا ، على أن يأخذ ، حين تبلغ الطفلة العاشرة من عمرها ، أغلى ما يملكان ..
تردد الزوجان في البداية ، لكنهما كانا معروفين بذكائهما حتى إن أهل القرية كانوا يستدعونهم كلما احتاجوا إلى حسابٍ أو تقدير ، فأدركا أن العرض لم يكن حلوًا على نحوٍ بريء ..
فسألاه:
“إن كان أغلى ما نملك هو الطفل الذي سيولد ، فهذا يعني أننا سنفقده في النهاية ، عندئذٍ ما معنى إنجابه أصلًا؟ لا يمكننا أن نُنشئ طفلًا ليُسلب منا.”
فضحك الكيان المجهول وأجاب:
“إذن ، ما رأيكما أن نتفق على أمرٍ آخر؟ إن قرر طفلكما أن يأتي إليّ بإرادته ، فلا تمنعاه ..”
أي إن ذهبت الطفلة بنفسها إلى الكيان المجهول ، يتخليان عنها ، أما إن لم تفعل ، فسيعيشان معها بسعادة طوال حياتهما ..
كان الزوجان واثقين من قدرتهما على تربية طفلتهما بحب لا يُضاهى ، وعلى إسعادها إلى حدٍ لا يجعلها تفكر يومًا في مدّ يدها إلى ذلك الكيان ،
وهكذا قبلا الصفقة، ونالا طفلة غالية على قلبيهما.
وقد ربّى الزوجان ابنتهما فعلًا بكل حب ورعاية ، حتى إن أهل القرية جميعًا كانوا شهودًا على ذلك
لكن ، بحسب ما قاله الزوجان ، ما إن مضت عشر سنوات على ولادة الطفلة حتى بدأت تتصرف على نحوٍ غريب ..
“كانت تستيقظ من نومها وتمشي حافية القدمين باتجاه الغابة ، في البداية كان ذلك ليلًا فقط ، أما الآن فأصبحت تقول بلسانها إنها تريد الذهاب إلى الغابة!”
ومهما سُئلت عن السبب ، لم تكن تجيب إلا بأنها تريد الذهاب إلى الغابة ..
وفي النهاية ، قام الزوجان بإغلاق البيت من الداخل لحماية ابنتهما، وبدآ يتناوبان على مراقبتها…
“لا بد أن الكيان المجهول قد سحر ابنتي! وقد يُسحر باقي أهل القرية أيضًا ، لا شيء يضمن أنها وحدها! يجب أن نحذر جميعًا ، علينا أن نقيم نوبات حراسة جماعية في القرية ، ابتداءً من هذه الليلة!”
سأل أحد السكان الأم التي كانت أشبه بمن فقدت صوابها:
“لكن… ألم تتعهدوا بألا تمنعوها إن قررت بنفسها الذهاب إلى ذلك الكيان…؟”
آه ، في تلك اللحظة ، تشوهت ملامح الأم على نحوٍ مخيف ..
وفي تلك الليلة نفسها ، اشتعلت النار في بيت الزوجين ، فماتا كلاهما ..
أما آثار أقدام الطفلة ، فقد انقطعت قرب الطريق المؤدي إلى الغابة ..
ويُقال إن حارس النوبة الذي رآها آخر مرة سمعها تقول:
“لقد قال إنهم إن أوفوا بالوعد حقًا ، فسيُحسن تربيتي حتى أنجب نسلًا يعمر أجيالًا بعد أجيال ، أكانت رغبتهم الصادقة لا تتجاوز هذا الحد؟ كم أنا خائبة الأمل …”
ولم يستطع أيٌّ من سكان القرية منع الفتاة من التوجه إلى الغابة ..
وهكذا تُروى هذه القصة ، جيلًا بعد جيل ..
الانطباع الأول الذي خطر لي بعد قراءة هذه القصة كان هذا:
«مونجو بالتأكيد لا يعرف أن يقول سوى “مونجو”.»
لكنني حين تحققت من زمن تدوين هذه الأسطورة ، تبيّن أنها تعود إلى ما يقارب ألف سنة مضت ، ومنذ ألف عام كانت لغة الإمبراطورية مختلفة في نواحٍ كثيرة عن اللغة المستخدمة اليوم ، لذلك لم يكن غريبًا أن مونجو لا يستطيع التحدث بلغة الإمبراطورية الحالية ..
غير أن هذا يعني ، إذا كانت هذه الحكاية صحيحة ، أن مونجو كان قادرًا على تعلم لغة البشر والتحدث بها ، كما يعني أيضًا أنه عاش مختلطًا بين البشر في وقت ما . .
وبالطبع ، كان ذلك أيضًا من أجل الحصول على جسدٍ بشري ..
بدأت أفتش أكثر في كتاب «مجموعة أساطير الحدود» بحثًا عن حكايات مشابهة يُشتبه فيها بأن مونجو هو المحرّك الخفي للأحداث
لم تكن كثيرة ، لكن وُجدت بضع قصص أخرى ..
غير أن هناك مشكلة واحدة
«الجميع ماتوا……»
كل من لم يلتزم بشروط الصفقة مع مونجو انتهى به الأمر ميتًا ، لم ينجُ أحد ممن نكث بوعده ..
إلا قصة واحدة فقط ..
كانت هناك حكاية غريبة ، شاذة عمّا سواها ، لفتت انتباهي ..
كانت هناك امرأة…
قال بعضهم إنها أميرة جاءت من الجنوب ، وقال آخرون إنها زوجة راعٍ ، تلك المرأة كانت حاملاً ، أثناء عبورها الغابة أُصيبت بجراح وسقطت ، وهناك صادفت صدفة كائنًا غريبًا ..
كان ذلك الكائن ذا عنقٍ طويل كعنق الزرافة ، ولبدة أسد ، وصدر دب ، وأجنحة نسر ، طلب منها ، مقابل إنقاذ حياتها ، مصير الطفل الذي في بطنها ..
رفضت المرأة ، وعرضت بدلًا من ذلك أن تهب جسدها هي ، كان الكائن يرغب في جسدٍ فتى ، لكن المرأة لم تكن كبيرة في السن أيضًا ، فوافق على مضض ..
استراحت المرأة تحت جناحي ذلك الكائن الغريب ، وأنجبت صبيًا ، وحاولت بهدوء أن تفي بوعدها بتقديم جسدها ..
لكن الكائن الغريب وقع في حب المرأة ، وفي النهاية تراجع بنفسه عن الصفقة التي عقدها
غير أن لهذه القصة رواية أخرى ..
في تلك الرواية ، تسلّم الكائن الغريب جسد المرأة فور إبرام الصفقة ، قبل أن تلد طفلها ، ثم أنجب الطفل مستخدمًا جسدها ، واعتنى بذلك الطفل بعناية بالغة وربّاه بحب ..
أي الروايتين هي الحقيقة؟ لا أحد يعلم
بل لا يُعرف أصلًا إن كانت هذه القصة قد حدثت فعلًا أم لا ..
لقد كُتبت وكأنها حكاية «صدّق أو لا تصدّق».
قصة غامضة ، لا يُعرف أيها الصحيح ، ولا حتى إن كانت واقعة حقيقية ، أسطورة خالصة تناقلتها الألسن ..
ومع ذلك ، كانت هذه القصة هي الحالة الوحيدة في «مجموعة أساطير الحدود» التي نجا فيها من عقد صفقة مع «الوجود المجهول» الذي يأخذ الأجساد مقابل الثمن ، دون أن يدفع الثمن المتفق عليه ..
قلّبت الكتاب مرة أخرى صفحةً صفحة ، لكن باستثناء هذه القصة ، لم أجد سوى نهايات مأساوية تنتظر الجميع ..
التعليقات لهذا الفصل " 180"