“لم أكن أتوقع أبدًا أن يوجد مكان كهذا داخل القصر الإمبراطوري …”
همس جوزيف وكأنه يطلق صفيرًا خافتًا ..
بدلًا من الإجابة ، اكتفيت بهزّ رأسي وأنا أنظر إلى ظلٍّ باهت يقف في نهاية الممر الأزرق الداكن ..
“التحذير الأول: إذا لم يكن برفقتكم شخص يحمل دم العائلة الإمبراطورية ، فإن حرّاس المستودع سيقطعون رقبة أي شخص يقترب دون استثناء ، صحيح أن بين النبلاء من يحمل دمًا إمبراطوريًا من حين لآخر ، لكن يبدو أن الحد المسموح به هو حتى قرابة الدرجة السادسة عشرة تقريبًا ، حرّاس المستودع كائنات تحرس هذا المكان منذ زمن سحيق ، أي أنهم ليسوا بشرًا ، لذا فالتوسل أو الاستجداء لن يفيدكِ بشيء ، يجب أن ترافقكِ حتمًا شخصية تحمل دم العائلة الإمبراطورية ..”
لم يكن إحضار جوزيف ضمن حساباتي أصلًا ، لكن الأمر أصبح مزعجًا ..
“الابن الثاني لعائلة لوهيا سيفي بهذا الشرط بالكاد ، اذهبي معه ، ويفضّل أن تذهبا حالًا ، أما سبب الزيارة ، فاختلقي له عذرًا مناسبًا ، هذا أمر تجيدينه ، أليس كذلك؟”
“إيه؟ ألا يمكن لجلالتك أن ترافقنا بنفسك؟ وإن كان من الصعب عليك الذهاب الآن ، يمكنني الانتظار قليلًا!”
“…أنا لا أذهب إلى المستودع الإمبراطوري …”
“هل يمكنني أن أسأل عن السبب…؟”
“سرّ ، كما أن لديكِ أسراركِ ، فمن حقي أن يكون لي سر واحد على الأقل ، أليس كذلك؟”
“إذًا سأذهب مع جدي الطبيب!”
“تسك ، لا ، هو غير مقبول ، لا أثق به ، من الواضح أنه بدافع الفضول سيلمس الكتب المحرّمة ، أما بيريز… فقرابته العائلية على الحافة ، وقد يموت ، لن أسمح إلا بالابن الثاني.”
إذا كان حرّاس المستودع لا يقبلون إلا من يحمل دمًا إمبراطوريًا كثيفًا ، ففي الحقيقة يمكنني العبور وحدي دون مشكلة ..
فأنا وجوزيف إخوة أشقاء ، أي أن دم العائلة الإمبراطورية يجري في عروقي أنا أيضًا ..
لكن بما أنني لا أستطيع كشف هذه الحقيقة ، فلا خيار أمامي ..
تقدّمنا نحو الظلال الزرقاء الباهتة ، وعندما اقتربنا ، سرعان ما تجسّد الظلان اللذان كانا أشبه بالأشباح ..
ظهر فارسان عملاقان عند طرفي الجدار ، يرتديان دروعًا مصقولة بعناية حتى إن الوجوه كانت تنعكس عليها ..
الفارس الواقف على اليسار كان يحمل رمحًا ، أما الذي على اليمين فكان يمسك بسيف ضخم وسميك أقرب ما يكون إلى فأس ..
سلّمتُ جوزيف المفتاح الذي أعطاني إياه الإمبراطور ، فأبرزه جوزيف نحو الفارسين اللذين أدارا رأسيهما نحونا ..
لم تمضِ إلا لحظة حتى مرّ علينا نظر بارد مسحنا من الرأس إلى أخمص القدمين ، ثم أعاد الفارسان نظرهما إلى الأمام ، وعادا ببطء ليتحوّلا من جديد إلى هيئة أرواح زرقاء شبحية ..
وعندها ، بدأ باب مقوّس بالتشكّل على الجدار الذي لم يكن سوى سوادٍ دامس ..
“الابن الثاني يجب ألا يبتعد عن إيزانا داخل المستودع أبدًا ، إن تعرّف المستودع على إيزانا باعتبارها «وحيدة»، فسينتهي الأمر بمحاولة الحرّاس القضاء عليها …”
كان هذا في الحقيقة قانونًا لا معنى له بالنسبة لي ، لكن مهما يكن ، عليّ أن أتظاهر بالالتزام به ، وباجتهاد أيضًا ..
“ندخل؟”
مدّ جوزيف ذراعه كما لو كان يرافقني ، أرخيت قبضتي المشدودة ، وابتسمت ، وقبلت عرضه بسرور ..
كان داخل المستودع واسعًا إلى حد يبعث على الدوار بمجرد النظر إليه ..
“إيزانا ، لا أعرف أي كتاب تبحثين عنه ، لكن آمل أن تكوني تعرفين عنوانه بدقة …”
حتى جوزيف فتح فمه إعجابًا وهو ينظر إلى صفوف رفوف الكتب التي لا يُرى لها نهاية ..
ومع هذا الإحساس غير الواقعي بالمساحة ، فهمت لماذا أصرّ الإمبراطور على إرسال جوزيف معي تحديدًا ..
“على ما يبدو ، سأحتاج إلى مساعدة أخي للعثور على الكتاب الذي أريده …”
“وما نوع الكتاب الذي تبحثين عنه؟”
“…أبحث عن كتب تتحدث عن الوحوش الروحية ، الوحوش التي تعيش في الغابات عند حدود السهول الوسطى ، وكذلك الكتب التي تتناول الخرافات أو الأساطير المتوارثة في تلك المناطق …”
“هل يمكنني أن أعرف لماذا اهتممتِ فجأة بالوحوش الروحية؟”
“…ليس لأنني فضولية بشأنها بحد ذاتها ، بل لأنني ظننت أنها قد تساعد في أمر يخصّ الدوق الأكبر …”
عندما أجبت إجابة عامة ، لم يُمعن جوزيف في السؤال أكثر ، بل بدأ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحدّق في رفوف الكتب الممتدة ..
وبعدها مباشرة ، بدأ شيء يشبه الدخان الأسود يتصاعد من أطراف أصابعه ..
اندفعت خيوط الدخان بين الرفوف ، وبعد برهة ، سقطت أمامي نحو خمسة كتب ..
“همم.”
نقر جوزيف بلسانه وهو يتفحّص أغلفة الكتب
“اثنان من هذه الكتب الخمسة محظوران …”
وأنا أتفحّص الكتب ، عضضت شفتي بهدوء ..
“التحذير الثاني ، إيزانا ، يوجد في المستودع الإمبراطوري كتب محرّمة ، وهذا أحد أسباب منع الدخول إلا للمصرّح لهم ، أي كتاب يحمل نقشًا أحمر على غلافه ، يُمنع منعًا باتًا قراءته ، ولا حتى فتحه …”
“وإن فُتح…؟”
“لا بد أن يتأثر الشخص الذي فتحه ، ولو كان تأثيرًا حسنًا ، لما أُدرج ضمن المحظورات ، وباستثناء الكتب المرتبطة بالمحرّمات الإمبراطورية ، فإن نوع اللعنة لا يُعرف إلا بعد فتح الكتاب ، لذا لا تفتحيه أصلًا.”
ثم أضاف الإمبراطور وهو يوصيني:
“الإمبراطور السابق بدأ يُظهر أعراض الجنون بعد أن دخل ذلك المستودع وخرج منه بمفرده ،
لذلك ، لا تنظري حتى إلى الكتب التي تحمل نقوشًا حمراء ، أبدًا.”
قال جوزيف وهو يتفحّص كتابين من الكتب المحرّمة ..
“من مجرد النظر أو اللمس ، لا يمكن تخمين أي نوع من السحر كُتب عليهما ، من المؤكد أنها كتب بالغة القِدم ، ولا شك أن من ألّفها كان ساحرًا ذا مستوى عالٍ جدًا …”
لم يكن لأيٍّ من الكتابين المحرّمين عنوان ،
لذلك ، تناولت أولًا كتاب «حكايات الحدود» وكتاب «دليل الوحوش الروحية».
“هل تنوين قراءة الكتب الثلاثة كلها أولًا؟”
“نعم ، آسفة ، قد يستغرق الأمر بعض الوقت.”
“لا بأس ، لديّ أنا أيضًا بعض الكتب التي أود قراءتها.”
وما إن قال ذلك ، حتى تصاعد الدخان الأسود مجددًا من أطراف أصابع جوزيف ،
وسرعان ما سقطت عدة كتب أمامه…
«تاريخ التنانين»، «أساطير التنانين»، «بيئة التنانين»……«الخطر الذي لا يمكن تدوينه»
كنت أحدّق في عناوين الكتب بتركيز ، فابتسم جوزيف لي ابتسامة خفيفة .
“الكمية كبيرة قليلًا ، لكنني أقرأ بسرعة ، لذا لن أجعلكِ تنتظرين.”
أومأت برأسي وأنا أحاول جاهدًا ضبط تعابير وجهي ..
“بما أن هذا المكان لا يتأثر بالزمن ، ألا يمكننا القراءة على مهل مهما استغرق الأمر؟”
“كان ينبغي أن نحضر معنا بعض الحلوى والشاي ، أليس كذلك؟”
“لا… مهما كان ، لا يمكننا التراخي إلى هذا الحد.”
أدرت وجهي بعيدًا عن جوزيف الذي كان يتحدث بلا اكتراث ، وبدأت أولًا بقراءة «دليل الوحوش الروحية».
وكما يوحي العنوان ، كان الكتاب بمثابة موسوعة توثّق أنواع الوحوش الروحية التي لاحظها السحرة حتى الآن ، مع أنماط حياتها ..
‘إنه ذلك الذئب الذي رأيته حينها!’
وبما أن الوحوش الروحية لم تكن ودودة تجاه البشر في معظم الحالات ، جاءت الأوصاف عمومًا على هذا النحو:
عند لمس ساقيه ، قام بدفعنا بعيدًا ، لكن عند لمس رأسه عضّ حجرًا وقذفه. يُستنتج أنه يكره لمس رأسه بشدة ..
عند التقاء النظرات ، يطلق زمجرة ، وكلما اقتربنا خطوة ، اشتدت الزمجرة ، يبدو أنه يكره البشر فحسب ..
لا يُظهر أي اهتمام بالحيوانات الأخرى مثل الأبقار أو الدجاج أو الخنازير ، يُرجّح أن غذاءه الأساسي من الأعشاب البرية ، ما يوحي بأنه عاشب ، لكنه حاول العض عند الاقتراب منه ، يبدو أنه يكره البشر فحسب ..
كانت الشروحات الخاصة بكل وحش مدعومة بمراجع لا بأس بها ..
إذ جُمعت تواريخ المشاهدات والروايات المرتبطة بها، وفي بعض الحالات كان الفارق بين آخر مشاهدة وسابقتها يقارب مئتي عام ..
‘وعلى العكس ، هناك وحوش لم تُسجَّل لها سوى مشاهدة واحدة فقط …’
في مثل هذه الحالات ، كان الوصف يقتصر على أن وحشًا بروحيًا ذا هيئة كذا وكذا قد وُجد ، لا أكثر ..
وكان هناك قاسم مشترك بين جميع الوحوش الروحية:
من المؤكد أنها تفهم معنى كلام البشر ، لكنها نادرًا ما تستخدم اللغة البشرية نفسها ..
‘ها هو.’
ملك الوحوش الروحية ..
استُخدم في الكتاب مصطلح ملك الوحوش الروحية صراحة ، لكن عند الإشارة إلى الكيان الذي يُفترض أنه زعيم الوحوش ، استُخدم لفظ «الرسول» ..
لوحظ وجود نمط موحّد في تصرفات الوحوش الروحية عند الطوارئ ، وبالاستناد إلى وجود قادة ضمن مجموعات الوحوش الصغيرة ، يُستنتج وجود كيان أعلى يصدر الأوامر النهائية ..
من أجل كشف وجود «الرسول»، توجّه الساحر الأعظم من الفئة الثامنة هازئيل إلى غابة الوحوش الروحية ، ثم فُقد أثره تمامًا..
…وبمجرد قراءتي لهذه الجملة ، لم يكن من الصعب عليّ أن أستنتج أن الساحر الأعظم هازئيل قد تعرّض لـ«مونجو» ..
التعليقات لهذا الفصل " 179"