«أنتَ تتصرّف وكأن هذا الكيان وُلد من جمع أكثر أجزائك عديمة الفائدة ، لكن رأيي مختلف..»
كاد القيء أن يعلو إلى حلقي من شدّة الشعور بالذنب ..
ثماني سنوات… ماذا كنتُ أرى خلالها بحقّ؟
«لا أستطيع أن أتخلّص من فكرةٍ تقول إن ما بداخله قد يكون أهم ما في وينتر أورشيوس.»
«ما يحتويه ليس سوى فوضى ..»
«الفوضى أمرٌ طبيعي ، من الطبيعي أن تكونَ مرتبكًا ومتألّمًا!»
من ذا الذي لا يضطرب حين يُقال له إن هذا العالم مجرد كتاب؟
بل إن من كان مصير العالم معلّقًا على كتفيه ، لا بد أن يشعر وكأن كتفيه على وشك الانهيار ..
«ما كان ينبغي أن ادعك تطّلع على أمر الكتاب ، لقد زاد ذلك العبء على كتفيك أكثر ، حين علمت أنك البطل ..»
كم مرّة قلتُ ذلك بنفسي؟
إنه بطل ، وكنتُ أعرف أيضًا أنه بطلٌ يحمل قدرًا من الكمالية القاسية تجاه ذاته ..
«أعتقد أن قلبك يسكن هناك ، بداخله.»
جفّ حلقي ..
«أما صدرك الآن… فهو فارغ.»
لم أتخيّل قط أنه قد يصل إلى حدّ اقتلاع قلبه لأنه يعيق إنقاذ العالم ..
لكن الأكثر إيلامًا هو أنني مررتُ على حالته ، مكتفيةً بالقول إنه يبدو بخير ، فحسب ..
هزّ وينتر كتفيه بخفة بدلًا من أن ينكر ..
«حتى لو كان الأمر كذلك ، فلن يتغيّر شيء.»
«سيتغيّر ، لأنني علمتُ الآن ، وأنا من سيغيّره.»
«نحن بحاجة إليه ، إن لم نُرِد خوض حربٍ مع ملك الوحوش ، فعلينا أن نمنحه ما وعدناه به.»
قبضتُ على قبضتيّ بإحكام ..
«سأجد طريقة ، مهما كانت.»
«لا تنسي هدفنا.»
قال وينتر بنبرةٍ لينة ، كأنه يحاول إقناعي بلطفٍ أشد ..
«علينا أن نُخضع الأوبيليسك لمعرفة العلاقة بين العمل الأصلي وهذا العالم ، وعلينا أن نساعد الناس قدر الإمكان لتقليل الخسائر في موجة الوحوش القادمة ، سوى هذين الأمرين ، لا شيء آخر مهم …»
«وأنتَ غائب عنهما.»
إلى أي حدّ عليك أن تُقدّم نفسك للعالم؟
كنتَ شخصًا طيبًا ، فهل سلامٌ يُنال فقط بعد طحن روح شخصٍ كهذا يُعدّ سلامًا صحيحًا؟
لم أستطع تقبّل ذلك ..
«بعد أن نُسلّم ذلك الجسد لملك الوحوش ونحصل على النتيجة التي نريدها… ماذا سيحدث لك؟»
لم يظهر على وجه وينتر أي اضطراب
لا مبالاة ..
بدا وكأن مصيره الشخصي لا يعنيه في شيء.
حاولتُ أن أستدرّ منه أي ندم ، فاعتصرتُ صوتي بأسى:
«هل يمكن أن تعيش حياة طبيعية بروحٍ منقوصة؟ أنتَ لستَ مثل نوي الذي وُلد توأمًا ،
لستُ ساذجة إلى حدّ تصديق أن شطر روحٍ وُلدت كاملة يمكن أن يمرّ دون عواقب.»
وفجأة ، وسط صمته المخيف ، خطرت لي حقيقةٌ واحدة ..
«لا… كلامي كان خاطئًا ، الفرضية من الأساس خاطئة…»
غطّيتُ فمي بيدٍ مرتجفة وتمتمت:
«أنتَ لم تكن تملك أصلًا إرادةً للاستمرار في الحياة ، حين ظننتَ للمرة الأولى أن كل شيء قد انتهى ، كنتَ بالتأكيد لا تنوي أن تواصل العيش…»
في نهاية الرواية الأصلية ، ظننتُ أنه نجح ، كما أراد ، في حلّ «الأزمة التي لا يمكن تدوينها».
وسط تصفيق الجميع ، بدا أن وينتر نال نهايةً سعيدة ..
لكن الرجل الذي بَلِيَ حتى آخره ، لم يعد يملك عند تلك النقطة أي دافع لمواصلة الحياة ..
ارتسمت على شفتي وينتر ابتسامةٌ ساخرة ..
«لو استطعتُ فقط معرفة من كتب ذلك الكتاب ، لربما نزعتُ قلبي وقدّمته للشيطان بلا تردّد.»
أفرغ كأس الخمر الذي لن يسكره مهما شربه حتى آخره ..
كان وينتر يحبّ الخمور القوية ..
أما أنا ، فكنت أرتشف فقط تلك الخمور التي يكفي عبيرها ليُذهب بعقلي ..
حتى وإن كان تنينًا…
حتى كونه تنينًا ، كان يقول إن لا شيء يضاهي الخمر القوي في تحفيز لسانٍ تبلّدت حواسه بفعل عوداتٍ زمنية طويلة ..
«في ذلك الوقت ، لم يكن الجديد بالنسبة لي سوى الراحة التامة ، شيءٌ لم أذقه قط.»
أمال وينتر زجاجة الخمر ، ثم نقر لسانه حين أدرك أنها فرغت ..
«وبالطبع… حتى ذلك لم يكن سوى وهم.»
منذ زمنٍ بعيد جدًا
منذ الأيام التي لم يكن يعلم فيها بعدُ أنه قادر على العودة بالزمن—كان وينتر يحب كل ما هو جديد ..
كان يعشق الإثارة والمغامرة، ويملك حماسةً تليق ببطل رواية فانتازيا دموية…
لقد أقسمتُ قبل قليل أن أتوقف عن التفكير في وينتر الرواية الأصلية!
…المهم الآن هو أن وينتر الحالي قد فقد كل ذلك.
أمسك وينتر كتفي بيدٍ صلبة ..
«إيزانا ، لأنني صنعتُ هذا الكيان ، استطعتُ خلال السنوات السبع الماضية أن أكون أكثر راحة ، وبفضله تمكّنت من التركيز على عملنا …»
كان صوته لا يمكن أن يكون أكثر طمأنينة ،
حتى تعابير وجهه لم تهتز قيد أنملة ..
«لم يتغيّر شيء ، سأواصل حمايتكِ ، وسأواصل القيام بما يجب عليّ فعله …»
رفعتُ يدي ببطء شديد ، بحذرٍ يشبه مشي من لا يريد إيقاظ أحد، وضعتها برفق على صدر وينتر.
لم يكن يومًا صاخبًا إلى هذا الحد ، لكنه أيضًا لم يكن صامتًا هكذا… كقلب ميت ..
ابتلعتُ بصعوبة ذلك الثقل الحار العالق في حلقي، وتمتمت:
«سأعيده كما كان ..»
«…»
«قلبك ، وروحك… سأعيدهما إلى حالتهما الأصلية.»
كادت الدموع تنهمر ..
خرجتُ من العربة على حالتي ..
اندفع الهواء البارد فجأة، فسعلتُ بعنفٍ للحظات.
«هل تشعرين بالبرد؟»
رفعتُ رأسي ، فوجدتُ السير هاس واقفًا أمامي ، وملامحه حائرة ، وقد ألقى على كتفيّ معطفًا سميكًا ..
«هل حدث شيء بينكِ وبين الدوق؟ في هذا الوقت المتأخر…»
بما أن هاس أوريشيون ينتمي إلى فرعٍ جانبي من العائلة الإمبراطورية الأورشيوسية ، فقد كان يشبه الإخوة أورشيوس في بعض الملامح ..
ذلك الشبه كان مزعجًا لي على نحوٍ غير محتمل الآن، فاستدرتُ عنه بحدّة ..
لكنني خشيت أن أحرجه ، فتابعتُ الحديث:
«…يا سير هاس ، منذ أن وطئتُ أرض الإمبراطورية الشمالية قبل سبع سنوات ،
برأيك… لا، في نظر جميع من في القصر الإمبراطوري ، أيُّ شخص كان الدوق الأكبر؟»
بدا عليه الارتباك من سؤالي المفاجئ ، لكنه سرعان ما بدأ يفكّر بجدية ليجيبني بإخلاص ..
«الدوق الأكبر هو…»
وبعد أن تردّد قليلًا ، أجاب بحذر:
«الدوق الأكبر… يشبه الدخان.»
«يبدو وكأنك تقول إنك لا تعرف أي نوعٍ من الناس هو…»
تمتمتُ ، فضحك السير هاس ..
«هاها، يا للعجب ، كُشِفت ، لكن لا حيلة لي في ذلك ، فنادرًا ما تحادثتُ مع الدوق أصلًا…»
تفحّص وجهي ، ثم بدا أنه التقط جوًّا غير طبيعي ، فمحا ابتسامته سريعًا ..
«يبدو أن شيئًا قد حدث بالفعل بينكما.»
«لا… فقط… الدوق ليس شخصًا سهلًا بالنسبة لي أيضًا، تمامًا كما هو بالنسبة لك وللآخرين.»
دار بعينيه محاولًا مواساتي بأي طريقة ..
لكن مهما يكن ، كان هاس شخصًا ألصقه بي إمبراطور الشمال بحجةٍ واهية هي إثارة غيرة وينتر ، ولم أكن أرغب في إطالة الحديث معه.
«سأدخل الآن.»
«جلالة الإمبراطور قال إن الدوق الأكبر يبدو وكأنه يبتعد أكثر فأكثر ..»
أمسكني السير هاس بتردّد وأنا على وشك الانصراف ، وقال بنبرةٍ متحفّظة وقد عقد حاجبيه:
«جلالته كان دائمًا يتمنى أن يكون أقرب إلى الدوق الأكبر ، لكن في الآونة الأخيرة… قال إن الوقت الذي يقضيانه معًا ازداد ، ومع ذلك يشعر بأن المسافة بينهما أصبحت أبعد مما كانت.»
…كالمتوقع
كان هو الوحيد ..
الوحيد الذي كان يركّز دائمًا على وينتر الذي أمامه
«حاولتُ بطريقتي أن أواسي جلالته ، فقلتُ له إن الدوق كان دائمًا شخصًا باردًا ، وإن خيبة أمله ربما كانت أكبر لأن توقعاته كانت أعلى ، كلما اقترب الجسد توقّع أن يقترب القلب أيضًا ،
لكن بعد ما قلتهِ أنتِ ، أشعر أنني ربما قلتُ كلامًا في غير موضعه.»
قال السير هاس وهو يحكّ رأسه بأسف .
«صحيح أنني لا أعرف الدوق جيدًا ، كان يجدر بي أن ألوذ بالصمت.»
«وأنا كذلك.»
«…ماذا؟»
«أنا أيضًا أشعر أنه كان ينبغي لي ألا أدّعي المعرفة.»
عضضتُ على شفتي بقوة ، وأدرتُ ظهري ، تاركةً السير هاس يحدّق بعينين ضيّقتين ، محاولًا فهم معنى ابتسامتي المريرة ..
— مونجو!
دار صوت ملك الوحوش اللطيف ، على نحوٍ مرعب ، حول أذني ..
كان عليّ أن أجد طريقةً لنقض العقد معه ..
ولكي أفعل ذلك ، كان لا بدّ أن أعرف أكثر: ما هو ملك الوحوش ، في حقيقته؟
التعليقات لهذا الفصل " 177"