لم أستطع كبح الغثيان الذي اندفع فجأة ، فغطّيت فمي وأنا أحدّق في «وينتر أورشيوس» ذي الشعر الأسود ..
إيذاءٌ للذات.
إن كان هذا حقًا هو وينتر أورشيوس ، فما يفعله وينتر لا يختلف عن إيذاء نفسه ..
«هذا… لا يجوز يا وينتر ، هذا… ليس صحيحًا.»
«إيزانا ، أحيانًا ، من أجل الامتلاء ، لا بدّ من الإفراغ.»
كان وجهه الأبيض المنعكس في ضوء القمر يشعّ ببرودةٍ مخيفة ..
وجهٌ لا يحمل سوى جمالٍ كاملٍ حدّ القسوة ، فارتجفتُ لا إراديًا ..
«ربما ، في هذا الخط الزمني ، أستطيع حلّ كل شيء ، لأنكِ هنا ، أنتِ القادمة من عالمٍ آخر.»
منذ أن علمتُ أن العالم ليس سوى كتاب ، كنت أظنّ طوال سبع سنوات أن وينتر صار أكثر استقرارًا مع مرور الوقت ، وأحيانًا كان ذلك يبدو لي غير طبيعي ..
لأن مشاعر بديهية كانت مفقودة ..
ألم يكن عليه ، مثل نوي أن يبكي؟ أن ينهار أكثر؟ أن ينتهي به الأمر إلى فراغٍ قاتل؟
أليس هذا هو الطبيعي؟
«لطالما تمنّيتُ ، لوقتٍ طويل جدًا ، أن أعرف لماذا أعيش على هذه الهيئة ، لكنني في النهاية وصلتُ إلى قناعة بسيطة: لقد كنتُ فقط سيّئ الحظ ، يُقال إنني مُخلِّص ، لكنني أضعتُ سنواتٍ لا تُحصى دون أن أُنقذ شيئًا ، حتى صار لقب المُخلِّص نفسه وهمًا ، وحين اعتبرتُ أن كل شيء كان مجرد سوء حظ ، وأن هذا العالم انحدر إلى ما هو عليه بسبب تعاسةٍ عابرة… عندها فقط وجدتُ السلام.»
بدت كلمات وينتر لي يائسة
أي أنه ، في وقتٍ ما ، كان فارغًا ومتألمًا بالفعل
فالإنسان ، حين يُستنزف ، قد يتوقف مؤقتًا عن التفكير ، وعن الإحساس ..
كنت أظن أن برود وينتر، وعقله الحاد كالنصل المصقول، نابعان من ذلك وحده ..
لكنني كنت مخطئة ..
لقد استأصل ذلك مع جزءٍ من ذاته ..
كما يفعل جنديّ في ساحة الحرب حين يقطع ذراعًا أصيبت بجراح لا يمكن تحمّلها، شطر وينتر روحه ، وترك المشاعر الثقيلة تنزف بعيدًا ..
«لكن حين ظهرتِ أنتِ… روحٌ قادمة من عالمٍ آخر وجودكِ بحد ذاته يثبت تدبير هويريون ، وهذا يعني أنني لم أصبح على هذه الهيئة بلا سبب ، وأن ثمة طريقة ما ، في مكانٍ ما، لإنقاذ هذا العالم من جديد ، أستطيع أن أؤمن بذلك مرة أخرى.»
ابتسم وينتر …
كرهتُ تلك الابتسامة ..
حتى هو… مهما كان قد بَلِيَ وتآكل ، كان له الحق أن يحزن حين يحزن ، وأن يبكي حين يبكي ..
لكنه تخلّى عن ذلك ..
«هل تعرفين ماذا يُسمّى ذلك؟»
«…الأمل ، يُسمّى أملًا.»
«صحيح، أنتِ أملي ، قد تكونين أمل العالم أيضًا ، لكن قبل كل شيء ، أنتِ أملي أنا ..»
كانت عيناه ، وهو ينظر إليّ ، جافتين ..
كأن المشاعر قد صَدِئَت ، وهو لا يفعل سوى تقليدها بتلمّس آثارها في المواضع التي انتُزعت منها بعنف ..
«لكن يا إيزانا ، برأيكِ كم مرّة اختبرتُ هذا النوع من الأمل؟»
لم يمنحني وقتًا للإجابة ، بل هزّ كتفيه واستدار
«لم أعد أتذكر. منذ البداية لم يكن شيئًا يمكن عَدّه.»
كنتُ ما أزال راكعة ، أحدّق في «وينتر أورشيوس» ذي الشعر الأسود ، وفي اللحظة التي التقت فيها أعيننا، شعرت وكأن أنفاسي توقفت.
«الشيء المؤكد الوحيد هو أن كل أمل شعرتُ به انتهى في النهاية إلى يأس ، لذلك قررتُ أن أُحطّم الأمل كلما ظهر …»
بيدٍ مرتجفة ، أزحتُ قليلًا الشعر الذي يشبه ريش الغراب عن وجهه
«ذلك هو الشخص الذي كنتُ عليه حين التقينا للمرة الأولى …»
كان وجه وينتر كما كان في أول لقاء لنا تمامًا ،
وجهٌ لا يزال يحتفظ بمسحةٍ من حداثة الشباب.
الكيان الذي وُلد بعد أن ابتلع كل ظلام وينتر ، كان يحمل – من بين كل الوجوه – وجه وينتر في تلك اللحظة تحديدًا ..
«الأمل أبقاني حيًا ذات يوم ، لكنه لم يعد كذلك ، الآن صار سخريةً لا تنتهي ، شيئًا يدفعني إلى الجنون ، كأنه سنّ نبتت في غير موضعها.»
«……»
«إنكار الأشياء وتحطيمها أسهل من الإيمان بها ، وحتى بعد لقائي بكِ ، لم أستطع أن أتغير.»
كنت قد سمعتُ أن «وينتر أورشيوس» ما يزال في طور تكوين شخصيته ، لذا فهو ليس كيانًا مكتملًا بعد …
«عندما فتح عينيه قبل قليل…»
ترددتُ في إكمال جملتي ، خائفةً من أن أوقظه مجددًا ، ومترددةً في كيفية مناداته ..
التعليقات لهذا الفصل " 176"