الطريق إلى الإمبراطورية الغربية استغرق قرابة أسبوع ..
في الأصل ، كانت مسافةً ينبغي احتساب شهر كامل لها ، لكن بفضل السحر أمكن الوصول خلال أسبوع واحد فقط…
ولحسن الحظ الشديد ، لم تقع خلال تلك الفترة أي أحداث خاصة تُذكر ، باستثناء أمر أغريسين ،
غير أنّ المشكلة – إن جاز تسميتها مشكلة – كانت أنّه لم تتح لي فرصة تُذكر للتحدث مع وينتر على انفراد طوال ذلك الوقت ..
فمن أجل صرف انتباه جوزِيف ومنعه من إبداء اهتمامٍ لا داعي له بعد أن علم بوجود أغريسين ، كان عليّ أن أُغرقه بسيل من الأحاديث التافهة لإشغاله ..
قال جوزيف:
«إيزانا ، أراكِ هذه الأيام كثيرة الكلام ، يبدو أنكِ بصحة جيدة ، هذا مطمئن.»
أجبته بتردد:
«أه ، أحقًا؟ أشعر أنني كعادتي تمامًا؟»
قال مبتسمًا:
«ما رأيكِ أن تتبادلي الحديث أيضًا مع الدوق ، الذي لا يكف عن النظر إلينا بنظرات متلهفة
لجذب انتباهكِ؟»
لم يبدأ جوزيف بإظهار الضجر مني إلا بعد مرور اليوم الرابع ، وعندها فقط شعرت بقليل من الاطمئنان .
وخلال تلك الفترة ، بدا أن وينتر كان مشغولًا بمراقبة أغريسين ، فلم تتح فرصة لأن نبقى وحدنا تقريبًا .
ولأنني لم أكن أعرف ماذا فعل وينتر بأغريسين أو كيف اقتاده ، لم يكن أمامي سوى الانتظار ..
وحين بدأت أشعر ببرودة تسري في معصمي بعد استخدامي لـ لاجيليا للسيطرة على أغريسين ،
انتهى بي الأمر ، مستغلة نوم الجميع ، إلى التسلل قرب عربة النوم الخاصة بوينتر ..
طرَق… طرَق
حتى بعد أن طرقت الباب مرتين ، لم يكن هناك أي مؤشر على أنه سيفتح..
فِـ وينتر في الأصل لا ينام ، ولهذا كانت عربة نومه أكثر الأشياء عديمة الفائدة بين كل ما يرافق القافلة.
وخاصة عندما يسافر بعيدًا معي ، كان يقضي الليل جالسًا في الخارج بلا حراك…
وعدم ظهوره على الإطلاق الآن يعني أنه داخل عربة النوم ، ومن المؤكد أن أغريسين محتجز هناك ..
حدّقت في الباب المغلق بإحكام ، ونفخت خدّيّ متذمرةً وتمتمت:
«آه ، ما أبرد الجو.»
…..
«سأتجمد حتى الموت… وإذا أصبت بنزلة برد ، لا، ربما بالإنفلونزا… لكن لا يمكنني العودة هكذا.»
……
«إن لم تفتح الباب… فسأموت هنا من شدة البرد إذًا… آه ، آه… مخطوبة يُقسى عليها خطيبها، يا لسوء حظي… لكن إن كان هذا هو قدر المتجسدين ، فربما عليّ تقبّله…؟»
وفي اللحظة التي ظننت فيها أنني سمعت زفرةً خفيفة من مكان ما ، صدر صوت قعقعة ، وانفتح الباب ببطء ..
نقر وينتر لسانه بخفة وقال:
«…حتى أعظم ساحر لن يستطيع أن يدعكِ تتجمدين حتى الموت وأنتِ بتلك الهيئة.»
«هيهي.»
لوّحتُ بيديّ المغطّاتين بقفازين ، ثم دسست جسدي بسرعة عبر فتحة الباب ، خوفًا من أن يُغلق ثانية.
وفي اللحظة التي شعرت فيها بقليل من الخجل ، متخيلةً أن مظهري المتثاقل بسبب كثرة الملابس يشبه البطة ، كانت قدماي قد تعثرتا وكدت أسقط ، لولا أن وينتر أمسك بي برشاقة وحملني بين ذراعيه ..
كان فعلًا غير طبيعي إلى حد ما داخل عربة
فالعربات عادة ضيقة جدًا ، بل وأكثر من ذلك ، في عربة مظلمة كالقبر كهذه ، فإن حمل شخص بين الذراعين ليس تصرفًا يُنصح به…
قلت متداركة:
«هممم يمكنك أن تنزلني.»
قال ببرود:
«الأرضية متسخة.»
نادراً ما بدا وينتر متعبًا ، لكن صوته اليوم كان مثقلًا ، مترهلًا كقطن مبتل ، مشبعًا بالإرهاق والكآبة ..
وأضاف بنبرة أقرب من المعتاد:
«إن كنتِ ستعودين بهدوء، فسأنزلكِ.»
حتى أسلوبه الأكثر ودًّا كان دليلًا على حالته
قلت مستغربة:
«الأرضية متسخة؟ ما الذي تقص—»
وفي تلك اللحظة ، لامس أنفي عبير لا يمكن وصفه بالمريح أبدًا
رائحة الدم… رائحة لا يمكن الاعتياد عليها مهما تكررت ..
سألته بصوت خافت:
«وينتر ، لماذا المكان مظلم إلى هذا الحد؟»
«الظلام أمرٌ طيب ، فهو يبلّد الحواس ويمنح الراحة.»
تخبّطتُ بجسدي المثقَل بالملابس بكل ما أوتيت من قوة، لكن وينتر أمسك بي بإحكام ، صلبًا كالصخر ، ولم يتركني ..
«لاجيليا! إن كنتِ هناك فأجيبي!»
طَشْشْ—!
لمع وميضٌ خاطف ، كأن شرارةً تطايرت في مكانٍ ما ، حدّقتُ باتجاه حلقة الضوء التي لفتت انتباهي ..
كانت بعيدة
مع أننا داخل عربة ، إلا أن الضوء كان يبعد أكثر من عشر خطوات…
«يا لكِ من عنيدة حقًا.»
كانت زفرةً تحمل شيئًا من السأم ، وسرعان ما بدأ داخل العربة يزداد إشراقًا تدريجيًا ..
العربة ، التي كان داخلها مشوّهًا بالسحر ، كانت بحجم غرفتي في الإمبراطورية الشمالية تقريبًا ، سرير فاخر ، موقد نار ، وخزانة كتب صغيرة ، لكنها لم تجد طريقها إلى عينيّ ، إذ لم يكن لدي متسع لرؤيتها.
رأيتُ جسدًا شبه ميتٍ ملقى على الأرض ، فتمتمتُ بصوتٍ واهن
«أغريسين…؟»
لم أستطع الجزم إن كان هو أم لا
فقد بدا جسده أصغر حجمًا وأنحل من ذي قبل ، كأنه جسد فتى يافع ..
الشيء الوحيد الذي أكّد لي هويته كان وجود لاجيليا ، التي كانت تقيده ..
رنّ صوت خفيف ، بينما كان وينتر يصب خمرًا قويًا في كأسٍ مليء بالثلج، وقال:
«أغريسين لم يعد موجودًا ، لذا ، حتى لو ناديته بهذا الاسم ، فلن يأتيكِ أي رد.»
تقدّمتُ بخطوات مرتجفة نحو «الفتى» الملقى أرضًا ، كان شعره ، وهو منبطح ، أسود حالكًا كظلمة الليل .
اجتاحني إحساسٌ مفاجئ ، فركعتُ ببطء ، ومددت يدي ألمس برفق الشعر الذي غطّى وجهه.
وفي اللحظة التالية ، تجمّدتُ في مكاني ، كأن دلوًا من الماء المثلج قد سُكب فوقي..
من بين خصلات الشعر التي تشبه ريش جناح الغراب ، ظهر وجه أعرفه جيدًا
«وكما تعلمين ، فإنه سيجيب دائمًا إذا ما ناديته.»
مع كل خطوة كان وينتر يخطوها ، كان يُسمع اصطدام مكعبات الثلج داخل الكأس
رنّ… رنّ…
أنفاسه الباردة لامست أذني ، بينما كنت أحاول جاهدًة تهدئة تنفّسي المتسارع..
«لذا ، أسرعي وناديه باسمه.»
وكأنني واقعة تحت تأثير تعويذة ، تمتمتُ بلا وعي:
«وين…تر……؟»
في اللحظة ذاتها التي خرج فيها الاسم من شفتيّ بصوتٍ مرتجف وغير واثق—
انفتحت الجفون المغلقة ببطء ، من بين خصلات الشعر السوداء الحالكة
الوجود الذي كان يُدعى أغريسين لم يبقَ منه شيء سوى الشعر الأسود والعينين السوداوين ..
الذي بقي هناك لم يكن سوى وينتر أورشيوس
نظرتُ إلى ذلك الكيان ، الذي يحمل وجه وينتر وجسده لكن بملامح أكثر حداثةً وشبابًا من وينتر الواقف أمامي الآن ، وتلاقى نظرنا ، فنسيتُ حتى كيف أتنفّس.
«لكي نُحوِّل أغريسين إلى تنينٍ كامل ، كان لا بد له في النهاية أن يصبح ‘وينتر أورشيوس’.»
كان «وينتر أورشيوس» يحدّق بي بصمت ، بدا عليه الارتباك ، بل والألم أيضًا .
«لم يكن كافيًا أبدًا أن أشاركه جوهري فحسب ليقلّد التنين ، ملكُ الوحوش الأسطورية كان يريد هذا الجسد منذ البداية ، العودة بالزمن ليست حلًا لكل شيء ، وكان علينا إرضاؤه من المحاولة الأولى قدر الإمكان ..»
راح وينتر يشرح ، وهو يمرّر نظره على الغرفة المليئة بالسوائل اللزجة ورائحة الدم ، ممسكًا بالكأس في يده ..
«ولهذا ، حطّمتُ شخصية أغريسين بالكامل ، حتى آخر شظية.»
كان جسد «وينتر أورشيوس» الملطخ بالدماء هو النتيجة النهائية لكل تلك العملية ..
«عندها فقط ، ستتمكن الأجزاء التي أرسلتها من ذاتي عبر شقوق الروح من تشكيل شخصيةٍ كاملة لـ‘وينتر أورشيوس’.»
أغمضتُ عينيّ بإحكام
كان وينتر قد استغلّ سرقة أغريسين إلى أقصى حد ، ولم يُبدِ أي قدر من الرحمة ، ونتيجةً لذلك ، تحطّم روح أغريسين ووعيه بالكامل وهو ما يزال حيًّا ..
لم يكن أغريسين ليتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد عندما سرق روح وينتر ، ولو كان قد توقّع ذلك، لما تجرأ حتى على التفكير في الأمر من الأساس .
حقًا، لقد بالغ في الثقة بعشرة آلاف عامٍ من عمره، وقلّل من شأن زمن وينتر
وكان ذلك خطئي أنا أيضًا
«…كنتَ تعرف أين كان أغريسين طوال السنوات السبع الماضية ، أليس كذلك؟»
صار صوت وينتر ألطف بكثير
«لا أستطيع أن أزعم أن كل شيء بقي ضمن حساباتي دون أي انحراف ، فلو كان الأمر كذلك ، لما حدثت تلك المصادفة المؤسفة التي جعلته يظهر أمام عينيكِ قبل أن يكتمل استعداده ، ومع ذلك ، كنتُ أشعر على نحوٍ تقريبي بمكان وجوده.»
«ومع هذا لم تُمسكه ، لأنك كنتَ بحاجة إلى وقتٍ كافٍ لتحويل أغريسين إلى ‘وينتر أورشيوس’.»
«ولأن كل ذلك كان لا بد أن يجري في مكانٍ لا تعلمين عنه شيئًا.»
قال وينتر ذلك ، وهو يُطبق جفني «ذاته» الممددة أرضًا والملطخة بالدماء بلطفٍ بكلتا يديه ..
«هذا نتاجُ شرّي ، وخلاصةُ كل ظلامي ، نحن بحاجة إليه حتمًا ، لكن ليس من الضروري أن تضطري لرؤية هذا المشهد القذر بعينيكِ …»
التعليقات لهذا الفصل " 175"