«يبدو أنك وجه لم أره من قبل… هل سبق أن التقينا؟»
اقترب جوزيف لوهيا خطوةً من الرجل الذي بدا غريبًا ، لكنه في الوقت نفسه ليس غريبًا تمامًا ،
بشعره الأسود وعينيه السوداوين ، كان من المرجّح أن يكون من الإمبراطورية الشرقية ، وإن كان كذلك فسيصعب أكثر أن يكون لجوزيف معرفة سابقة به ..
ومع ذلك ، لماذا يشعر بهذا الإحساس الغريب بالألفة؟
«……!»
هزّ الرجل رأسه ، ولم يكن واضحًا إن كان ذلك بفعل إرادته هو ، أم بسبب إرادة دوق أورشيوس الذي كان يمسك بذقنه ..
«بما أنه كان يعمل في القصر الإمبراطوري ، فمن الممكن أنك رأيته مرة أو مرتين أثناء مرورك.»
«أحقًا؟»
كان تفسير إيزانا منطقيًا ، ومتناسقًا إلى حدٍّ ما ، ومع ذلك ، ظلّ هناك شيء ما يبعث على عدم الاطمئنان ..
«إن لم تكن ستقتله ، فهل تنوي إرساله هكذا إلى سجن القصر الإمبراطوري؟»
«سأتولى الأمر بنفسي ، فلا حاجة لأن يشغل الأمير نفسه أكثر من ذلك.»
آه… الآن فهمتُ مصدر هذا الشعور بالنفور ..
رفع جوزيف نظره إلى دوق أورشيوس ، الذي كان في كل مرة يرسم خطًا واضحًا لا يملك جوزيف إلا أن يتراجع أمامه ..
ذلك الرجل ذو الشعر الأسود والعينين السوداوين، ودوق أورشيوس أمامه بشعره الفضي اللامع وعينيه الزرقاوين—لم يكن بينهما أي شبه على الإطلاق ..
إلا شيئًا واحدًا
منذ زمن بعيد ، كان جوزيف يشعر بنفور غامض من النظرة التي يوجهها إليه دوق أورشيوس ،
والآن ، وباختلاف الدرجة فقط ، شعر جوزيف بالإحساس نفسه تمامًا قادمًا من الرجل الغامض.
«إيزانا ، لماذا لم تخبريني بوجود مطارد؟ لو كنتُ أعلم ، لكنتُ أكثر حذرًا حتى لا يحدث مثل هذا.»
«لم أرد أن أقلقك بلا داعٍ ، كما أن حوادث مشابهة وقعت مرتين من قبل ، أصبح من المحرج حتى أن أشتكي في كل مرة.»
لوّحت إيزانا بيدها وكأنها تريد الهروب من هذا الموقف في أسرع وقت ، مرددةً مرارًا أنها بخير ،
لكن جوزيف لم يكن بخير .
منذ البداية ، كان دوق أورشيوس يثير لديه شعورًا بعدم الارتياح ، وبما أنه خطيب إيزانا ، لم يتجاوز جوزيف أبدًا الخط الذي رسمه الدوق
لكن هذه المرة ، لم يكن جوزيف في مزاج يسمح له بتقبّل الأمر ..
«إلى متى يجب على إيزانا أن تمرّ بمثل هذه الأمور؟»
لم تكن هذه المرة الأولى التي يشعر فيها بأن إيزانا تخفي عنه شيئًا ، ومع ذلك ، لم يكن جوزيف يحمّلها المسؤولية .
بل كان يعتقد أن السبب في الغالب هو وينتر أورشيوس، خطيبها ..
«إما أن تتخذ إجراءات حازمة بعد أن تعبت في إحضارها ، أو أن تكرار الموقف يعني أن الدوق لا يحسن حمايتها ، أليس كذلك؟»
كان وينتر أورشيوس هو [إيغريو] ، وبالنظر إلى طبعه الكتوم ، فمن المؤكد أنه يملك الكثير من الأسرار ..
ولأن كل ما يتعلق بوينتر أورشيوس قد يكون حساسًا ، كان جوزيف أحيانًا يتجاوز شعوره بعدم الارتياح تجاه إيزانا ..
مقنعًا نفسه بأنها لا تُخفي شيئًا ، بل إن وينتر أورشيوس هو من يفعل ، وهكذا ابتلع الكثير من الشكوك على مضض ..
«كفى.»
«…إيزانا ، مهما نظرتِ إلى الأمر ، فالوضع غير طبيعي ، وإذا تذكرتِ ما حدث لخطيبات إمبراطور الشمال السابقات—»
«الأمر بخير الآن ، لقد أمسكنا بذلك الرجل ، لذا كل شيء سيكون على ما يرام.»
بدت إيزانا متضايقة للحظة ، ثم مسحت ذلك التعبير سريعًا ، واضعةً يدها على كتفه وكأنها تطمئنه
«لن يكون هناك ما يدعو لقلقك بعد الآن.»
حدّق جوزيف في إيزانا، التي كانت ترفض تدخله بهدوء ..
«إيزانا… هل تثقين بي؟»
«…لماذا هذا السؤال فجأة؟»
«أسألكِ إن كنتِ تثقين بي حقًا.»
تأخر الجواب لحظة واحدة قبل أن يأتي ..
«بالطبع.»
توقفت عينا إيزانا اللتان كانتا تهتزان بعنف ، وعاد إليهما الوضوح ، شعر جوزيف بيقينٍ راسخ ، وبعد صمتٍ قصير تنفّس بعمق وأومأ برأسه ..
«حسنًا.»
كان الإيمان ، بالنسبة إلى جوزيف ، أهم قيمة على الإطلاق ..
وأول من علّمه ذلك كانت إيزانا نفسها ..
«أنا أيضًا أثق بكِ ، لذلك سأصدق قولكِ إن كل شيء سيكون بخير.»
«لنعد الآن إلى العربة.»
راقب جوزيف بصمتٍ وينتر وهو يمسك بياقة الرجل الغامض ويجرّه معه ، لم تلحق إيزانا بوينتر ، بل تشابكت بذراع جوزيف ..
ولوهلة ، شعر أن هذا التشابك يشبه قيدًا يمنعه من القيام بأي تصرّف ..
عندها ، وقع بصر جوزيف على شيءٍ ما.
«إيزانا ، انتظري قليلًا.»
اقترب جوزيف من الرجل الغامض وأمسك بقوة بياقة ثوبه قرب عنقه ..
توقفت خطوات وينتر تلقائيًا، وتوجّهت نظرة باردة نحو جوزيف ، وقبل أن يسأله وينتر شيئًا، تراجع جوزيف خطوةً إلى الوراء بهدوء، وهزّ كتفيه بلا مبالاة ..
«ظننته حشرةً ستصعد إلى يد الدوق ، فتوقفتُ لكنها لم تكن كذلك …»
حدّق وينتر فيه وكأنه يخترقه بنظره
كان جوزيف يدرك جيدًا أنه على هذه المسافة ، لا يمكن إخفاء أي شيء عن تنين: دقات القلب ، ارتجاف الحدقتين ، وحتى العرق البارد ..
المكان الذي مرّت عليه نظرة وينتر أورشيوس بدا وكأنه مُزِّق بوحشية بمئات الأشواك ..
«جوزيف لوهيا ، أنا لا أثق بك.»
«…بدأتُ أتساءل حقًا لماذا تكرهني إلى
هذا الحد.»
«لأنك لا تعرف الخوف ..»
«لا أفهم ما تقصده بذلك ، يا دوق أورشيوس.»
لم يُعجبه ذلك التصرف ، وكأنه يعرفه معرفةً تامة. وفجأة تذكّر وقتًا قديمًا ، حين اجتمع جميع من في هذا المكان معًا لفترةٍ وجيزة ..
كانت لعبةً بأداة سحرية صغيرة تركها جده الذي قُتل بيده؛ فإذا كذب أحد ، تحوّلت إلى الشيء الذي يخافه أكثر من غيره …
كان يظن يومًا ما أن لها فائدة كبيرة ، لكن الاداة ذابت واختفت بسبب جوزيف …
ذلك لأن جوزيف ، الذي كذب ، لم يكن يملك شيئًا يخافه أصلًا ، ففقدت الاداة سبب وجودها واختارت الفناء ..
أيمكن أن يكون… بسبب ما حدث آنذاك؟
لو كان الأمر كذلك ، لكان سخيفًا إلى حدٍّ لا يُصدق…
«ولهذا ، لن تستطيع فهم أيّ أحد ، ولن ينالك الفهم من أحد …»
«ولهذا أيضًا لا أفهم حقًا ما الذي تريد قوله…»
كشف جوزيف ، بنبرةٍ لا تخلو من الحيرة ، عن شعوره بالنفور دون تردّد ..
«يبدو لي وكأن الدوق… يخاف مني ، أنا الذي لا أخاف شيئًا.»
ارتفعت زاوية فم وينتر أورشيوس قليلًا
كانت تلك أول ابتسامة يراها جوزيف منه—وإن كانت ابتسامةً باردة إلى أقصى حد ..
«خطأ.»
«المعنى أنك لا تحتاج إلى أن تبذل كل
هذا الجهد …»
لم يفهم جوزيف شيئًا ، وبينما كان ينظر إلى ظهر الدوق وهو يجرّ الرجل الغامض مبتعدًا ، تمتم:
«إيزانا ، هل يعقل أنني فعلتُ شيئًا خاطئًا بحق الدوق؟»
«…لا، يا أخي ، لا داعي لأن تفكّر بعمق.»
بدت إيزانا شاحبة على نحوٍ غير مألوف ..
«لأن كلمته الأخيرة… كانت موجهة إليّ …»
قبض جوزيف بصمتٍ على يده اليسرى التي كان قد أمسك بها بياقة الرجل قبل قليل ..
لامس شيئًا حادًا ، كقطعةٍ مسنّنة ..
لم يكن جوزيف يفهم معظم الكلمات العدائية التي وجّهها إليه وينتر أورشيوس، لكنه كان قادرًا على الاعتراف بشيءٍ واحد:
أن قرار الدوق بعدم الوثوق به كان قرارًا ينطوي على قدرٍ لا بأس به من البصيرة ..
شعر جوزيف فجأةً بأنه بارع في الكذب أكثر مما ظنّ ..
لماذا خرجت الحراشف من ذلك الرجل؟
كان قد أمسك بياقته لأن شيئًا علق بها لفت انتباهه في لحظة ..
في البداية ظنّ أنه أخطأ الرؤية ، لكن أن تكون حراشف فعلًا… لم يكن يتوقع ذلك …
فالحراشف تكون عادةً للأسماك أو الزواحف ، لا للبشر.
باستثناء شخصٍ واحد فقط.
سبق لجوزيف أن رأى حراشف بالملمس واللون نفسيهما عدة مرات من قبل ..
والدوق لم يستخدم التحوّل اليوم
قبض جوزيف بقوة على الحرشفة التي كانت توخز كفّه بحدّتها، ثم التفت إلى إيزانا
«إيزانا ، ذلك الرجل…»
«هم؟»
كان جوزيف على وشك أن يسأل عن الحرشفة ، لكنه أغلق فمه من جديد ..
«ما به ذلك الرجل؟»
«…لا شيء.»
لسببٍ ما، كان جوزيف قد توقّع هذا الجواب ،
وكان واثقًا تمامًا أن ذلك لم يكن الجواب الصحيح ..
ترجمة ، فتافيت
التعليقات لهذا الفصل " 173"