لم أستطع حتى تخيّله ، فالزمن الذي فُقد لا بد أنه ترك داخله ، بأي شكلٍ كان ، ندوبًا سوداء غائرة ، لكن لم تُتح لي يومًا فرصة مواجهة حقيقتها ..
ذلك لأن وينتر لم يُرِني سوى جانبه المهذّب والنبيل دائمًا ..
وأنا أيضًا ، إذ كنت أظن أن محاولة تقدير عمق ذلك الظلام بنظرة سطحية لن تكون حتى عزاءً واهيًا ، ركّزتُ فقط على ما أستطيع فعله من أجله في اللحظة الراهنة ..
«يبدو أنه أحبّ هذا الخط الزمني كثيرًا ، إلى حد أنه قرر التخلّص من كل ذلك الظلام السام الذي كان يحمله… ورماه كله عليّ! شقّ ذلك الشرخ الصغير الذي صنعته بالقوة ، وجمع كل ما هو مقزِّز في داخله وقذفه إلى ما وراءه. تمامًا كما يُرمى القمامة!»
نهض أغريسين بصعوبة بالغة ، مستندًا إلى الأرض بركبتيه ، وكان اهتزاز الحاجز يزداد عنفًا شيئًا فشيئًا ..
«صديقي استخدمني كسلة نفايات ، والنتيجة هي ما ترينه أمامكِ الآن ، لأنني ابتلعت كل قذارة وينتر ، استطاع هو أن يكون أمامكِ أليفًا مطيعًا كأفعى أليفة ، أليس ذلك ذكيًا… وقاسيًا في آن واحد؟»
«ثم ماذا؟»
لم أنحنِ ، بل رفعتُ ذقن أغريسين برفق بطرف أصابعي ..
«ماذا تريد مني بهذه الكلمات؟ أن أشفق عليك؟»
تجمّد وجه أغريسين للحظة ..
«كان الأجدر بك ألا تسرق من الأساس ، هل ظننتَ حقًا أنك تستطيع خدش روح غيرك ، ثم تعيش براحة محققًا كل ما تشتهي؟»
«لا، لا… أنتِ تعرفين أن الأمر ليس كذلك ، أليس كذلك؟»
عجزتُ للحظة عن الكلام ، ولو لخّصتُ ما قاله أغريسين ، فالأمر كالتالي:
بسبب اقتطاعه جزءًا من روح وينتر ، نشأ في روح وينتر منفذ—بابٌ يؤدي إلى روح أغريسين
‘وهل يعني هذا أن وينتر استغلّ ذلك الشق ، وألقى عبره كل ظلامه على أغريسين؟’
لم يكن من الصعب تفسير سبب تعمّد وينتر أن يمنح أغريسين المزيد من ذاته بطريقة منطقية قدر الإمكان ..
مونجو!
كنا قد وعدنا الملك بأن نمنحه جسد «تنين».
عندها ، ربما فكّر وينتر أنه عليه أن يشارك جزءًا من نفسه مع أغريسين ، كافيًا لتحويله إلى تنين كامل ..
وإن كان سيعطيه شيئًا ، أفلا يكون من الطبيعي أن يمنحه أقل أجزائه قيمة؟ لا يمكنه أن يعطيه الأفضل ..
خصوصًا إن كان أغريسين بالذات
لكن…
«المشاعر والظلام الذي ألقاه وينتر عبر ذلك الشرخ بات الآن أثقل من كل الوقت الذي عشته أنا كأغريسين.»
عضضتُ شفتي عند هذه الكلمات التي باغتتني ،
وإن كان ما انتقل إلى أغريسين من وينتر قد صار أعظم مما كان يُشكّل أغريسين نفسه ، فذلك الرجل الذي يلهث أمامي الآن ، في هذه الهيئة البائسة ، قد يكون ..
«أنا أيضًا… وينتر أورشيوس.»
انحنى أغريسين وقبّل يدي بخفة ..
«لم يعد الأمر أن جزءًا من وينتر صار جزءًا مني ، بل أصبحتُ أنا نفسي جزءًا من وينتر أورشيوس.»
«هاه…»
ضحكتُ دون وعي ، ثم دفعتُ أغريسين بعيدًا ، متعمدةً أن أضحك بصوت عالٍ ..
«هراء ، كلام لا يُعقل ، أيها الوغد… الآن فقط فهمت ما تريد قوله ، ظننتك تحاول استدرار الشفقة ، وكدتُ أنسى للحظة عشرة آلاف سنة كاملة.»
رفع أغريسين رأسه.
«أنا المرآة التي تعكس وينتر أورشيوس ، وأنا ظله.»
كان وجهه يشبه إلى حدّ مخيف ذلك التعبير الجامد الذي اعتاد وينتر أن يتخذه ، فتراجعتُ خطوة إلى الوراء دون أن أشعر ..
«ظننتِ مظهري مقرفًا ، أليس كذلك؟ لكن إن كنتِ حقًا تعزين وينتر أورشيوس ، وتهتمين لأمره ، وربما… بصدق—»
«اصمت!»
ضيّق أغريسين عينيه عند صرختي ، كنت ألهث ، أردتُ أن أُسكته بأي طريقة ، ومع ذلك لم أستطع.
«…إذًا عليّكِ التعامل معي بالطريقة نفسها.»
ابتسم أغريسين.
«هذا القبح كان أصلًا ملكًا لوينتر أورشيوس ، أنتِ تعرفين ، أليس كذلك؟ لا أحد يمكنه أن يكون جميلًا وطيبًا فقط.»
وفي اللحظة التي التصق فيها ظهري بجدار الحاجز…
تشقق!
كأن حجرًا أُلقي على زجاج ، تحطم الحاجز ذو الشكل القُبَبي إلى مئات القطع ..
«إيزانا!»
تساقطت شظايا الحاجز كالثلج ، ثم تلاشت في الهواء ، رفعتُ رأسي ببطء ..
أول وجه وقع عليه بصري كان وجه جوزيف ..
أما وينتر…
«وينتر، لا تقتله!»
كنتُ أقف أمام أغريسين ..
اندفعتُ لأعترض طريقه ، لكنني ما إن رأيتُ تعبير وينتر—تعبيرًا لم أره من قبل—حتى انكمش جسدي لا إراديًا ..
سعل أغريسين بقوة ، وازدادت رائحة الدم حدّة.
«كحّ… هوو ، عندما أراكِ هكذا ، أشعر بشيء مختلف ، أليس كذلك… يا أنا؟»
«……»
«لا بد أنك غاضب ، أعلم ذلك ، أنت لم تكن تريد أبدًا أن تُريها إياي بهذه الهيئة.»
«أغريسين.»
نطق وينتر اسمه بهدوء ، لكن أغريسين لم يُبدِ أي رد فعل ، كأن ذلك الاسم لا يخصه ..
وبعد صمتٍ قصير ، تابع أغريسين حديثه كما لو أنه لم يسمع شيئًا:
«لم أكن أريد أن ينتهي بي الأمر هكذا ، أنا أعلم أن مظهري قبيح ، ولأجل ذلك تم التخلّي عني ، أليس كذلك؟»
«…أغريسين.»
«لكنني مظلوم أيضًا ، هذه المرة كنتُ أسرع منك…»
لم يستطع أغريسين إكمال كلامه ، فقد أمسك وينتر بذقنه بعنف ، وكأنه سيحطمه ..
اضطررتُ أن أصرخ وأنا أتشبث بذراع وينتر بكل جسدي:
«تمالك نفسك! لقد أمسكنا به بالفعل ، لن يهرب إلى أي مكان!»
وأخيرًا ، تحولت عينا وينتر—اللتان كانتا موجّهتين فقط إلى أغريسين—نحوي ..
«لماذا فعل هذا؟ ماذا سمعتِ منه؟»
«……»
ابتلعتُ ريقي الجاف دون وعي ، أغمض وينتر عينيه ببطء وأخذ نفسًا عميقًا ..
طَقّ—
دوّى صوت تحطم عظم فك أغريسين ..
«…سمعتُ أنك هذه المرة أردتَ حقًا أن تبذل كل ما في وسعك.»
شدّدتُ قبضتي حول ذراعه مرة أخرى وصرخت:
«سمعتُ أنك حاولتَ ، حتى وأنت تمزّق نفسك ، أن تجعل هذه المرة هي الأخيرة بأي ثمن!»
نظر وينتر إليّ من جديد ، كان هذا الوجه أيضًا غريبًا عليّ ، دون أن أدري ، غشا الضباب بصري قليلًا ..
«ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟»
في تلك اللحظة ، اخترق صوتٌ مرح هذا الجو الثقيل ، كان جوزيف ، واقفًا خطوة إلى الخلف وذراعاه معقودتان ..
«يبدو أنكما تعرفان ذاك الملطخ بالدماء ، بما أنكِ قلتِ لا تقتلوه ، اكتفيتُ بالمراقبة… لكن فجأة تحوّل الأمر إلى شجار زوجي ، ما هذا المسار الغريب؟»
مسحتُ طرف عيني على عجل ، وتظاهرتُ بالهدوء وأنا أجيبه:
«إنه مطارد كان يتبع الدوق من قبل ، منذ كنا في الإمبراطورية الشمالية.»
«……»
«؟»
اتسعت عينا أغريسين دهشة ، وأنا ، دون أن أرفّ لي جفن ، تابعتُ الكذب بسلاسة:
«كان يترصّد عنقي طوال الوقت ، لكنّه كان ماكرًا لدرجة لم نملك دليلًا ، وحين انفردتُ قليلًا ، لحق بي وحاول قتلي ، يبدو أنه ظنّ أنه إن تخلّص مني—بما أنني خطيبة وينتر—فسيجعل وينتر ينظر إليه.»
هزّ أغريسين رأسه محاولًا الإنكار ، لكن يد وينتر التي لم تكن راغبة تمامًا جعلت رأسه يهتز صعودًا وهبوطًا بحماس ، وكأنه يوافق ..
استمع جوزيف إلى قصتي وهو يقطّب حاجبيه ، ثم هزّ رأسه ببطء ، وكأنه لم يقتنع تمامًا ، لكنه تقبّل الأمر على أي حال ..
«…حسنًا ، لقد حدثت أشياء مشابهة من قبل ..»
«والصنوبر الذي انشطر؟ حصل ذلك أثناء القتال معه ، فقطعه لاجيليا ، والحاجز؟ أقامه لينجو بنفسه.»
«هممم…»
اقترب جوزيف من أغريسين ، ونقر بإصبعه السبّابة بخفة ، فتطايرت شرارة صغيرة من طرفها ..
«فهمتُ الوضع ، إذًا ، نقتله الآن؟»
«لا، لا يجوز!»
قفزتُ هذه المرة أمام جوزيف لأمنعه ، راقب جوزيف أغريسين عن كثب ، ثم عقد حاجبيه باستغراب ..
«لكن هذا الرجل… يبدو أنه يكرهني أكثر منكِ ، لا، ليس كرهًا فحسب—إنه يفيض بنية قتل حقيقية …»
وبنظرة جانبية ، رأيت أن كلامه صحيح ، ففي عيني أغريسين—اللّتين لم تكونا عدوانيتين قبل لحظات—اشتعلت الآن نية قتل زرقاء قاتمة.
والمشكلة أن تلك النظرة لم تكن موجهة نحوي ولا نحو وينتر ، بل كانت مغروسة في جوزيف ..
‘لا تخبرني…’
قال وينتر إن مشاعره السلبية قد تدفقت إلى أغريسين ..
‘كنت أستغرب كيف بدا متصالحًا مع جوزيف طوال سبع سنوات…’
إن كان الأمر كذلك ، فمن المحتمل—لأول مرة في هذا الخط الزمني—أن تكون المشاعر المرتبطة بجوزيف قد انتقلت هي الأخرى إلى أغريسين ..
التعليقات لهذا الفصل " 172"