«أظنكِ تقللين من شأن هذا الشعور قليلًا ، هل تظنين أنني سأتخبط إلى هذا الحد بسبب
مجرد ألفة؟»
كرك—
صدر من لاجيليا التي كانت تطوّق أغريسين صوت يشبه احتكاك الجلد المشدود ، وفي الوقت نفسه بدأ جسده ينتفخ ..
«هذا الشعور معقّد جدًا ، بلا شك هو أعقد ما واجهته في حياتي كلها. شعور يكشف طبيعة صديقي بأقصى درجات الشفافية… لو كنت مكانه لما ترددت لحظة ، لكن صديقي يملك موهبة جعل السهل معقدًا ، ومع ذلك ، فهو شخص مزعج بحق.»
تسلل إلى صوت أغريسين ألم لم يستطع كبحه ، وفي اللحظة نفسها بدأت القشور ترتفع ببطء على عنقه ووجهه اللذين كانا نقيين ..
شعرت بالغثيان ، لكن لم يكن بوسعي أن أتغاضى عن مغالطاته. فحدّقت ببرود في عينيه اللتين تحوّلتا إلى شقّين عموديين كعيني زاحف ..
«لا تخطئ الفهم ، ذلك الشعور ليس لك ، لقد سرقته ، وليس لك أي حق في التلفظ بما اغتصبته.»
هزّ أغريسين رأسه وهو يطلق ضحكة تشبه الأنين
«صحيح ، لقد سرقته ، لكن إن كنت قد استخدمته طويلًا وبشكل جيد ، أفلا يحق لي أن أعدّه ملكي الآن؟»
اهتز جسد أغريسين مرة واحدة.
في زمن بعيد ، حين كان هذا العالم ملكًا للتنانين ، وُجد ما يُسمّى بالبوليمورف ، كانت التنانين تمتلك شكل الإنسان وشكل التنين معًا، والانتقال بينهما هو البوليمورف ..
كنت أرى وينتر يتحول كثيرًا ، لذلك أدركت فورًا أن أغريسين يحاول القيام بالبوليمورف.
لكن تحوّل أغريسين كان مختلفًا تمامًا عن تحوّل وينتر ..
بوليمورف وينتر كان باردًا كعاصفة ثلجية ، وكانت قشوره البيضاء تلمع كبلورات الثلج
أما بوليمورف أغريسين فكان ناقصًا إلى حدّ مخيف ..
طَق—
بدأ الدم يتجمع قطرة قطرة على كامل جسده ،
وسرعان ما راحت قشور ممتلئة بالدم ، لا منتظمة ولا براقة ، تشقّ الجلد وتبرز ..
هل كان يحاول الهرب بهذه الطريقة؟
«…توقف.»
«……»
«لن تخبرني إنك تنوي الادعاء بأنك تنين وأنت على هذه الحال ، أليس كذلك؟»
كان بوليمورف وينتر مقدسًا وجميلًا ، كأنه نعمة ،
أما بوليمورف أغريسين فكان بائسًا إلى حد يمكن وصفه بعقاب إلهي ..
قشور وينتر كانت لطيفة وناعمة.
أما قشور أغريسين فكانت كالسكاكين الملطخة بالدم ، تتخبط في صراع يائس للخروج من جسده ..
«قلت لك توقف!»
في عينيه المحتقنتين بالدم ، تماوج ظلام يشبه آخر قبضة ماء راكدة في قاع بئر جافة.
لوى أغريسين شفتيه المرتجفتين من الألم وابتسم قسرًا ..
«مقرف؟ تشعرين بالاشمئزاز؟»
«وكيف لا؟»
«لو سمع صديقي ، الذي يبذل كل ما في وسعه خارج حاجزي الآن لكسره ، هذا الكلام ، فسيحزن كثيرًا.»
دوم!
اهتزّ الحاجز الذي يحيط بي وبأغريسين بقوة ،
لم أرَ بعيني سوى الثلج المتراكم فوقه ، لكن لا بد أن ذلك كان وهمًا صنعه الحاجز ..
كان وينتر في الخارج ، يبذل كل قوته لتحطيمه ،
كنت قد تأخرت عنه بفارق ضئيل فقط لأنني ركزت للحظة على شوران ، لكن لا بد أنه وصل تحت شجرة الصنوبر في اللحظة نفسها التي تكوّن فيها الحاجز ..
«أن تتحدث وكأن ما آلت إليه حالك هو خطأ وينتر… ألا تشعر بالخجل وأنت تقول هذا؟ أليس ما أصابك عقابًا لأنك سرقت ما ليس لك؟ أم أن مهارتك لم تكن كما تظن ، فحدث خطأ ما في منتصف الطريق؟»
«أنتِ مخطئة ، بل العكس تمامًا.»
«أنا—»
«تجربتي كانت مثالية ، مثالية إلى حد أنني انتهيت إلى هذه الحال. ويمكنكِ أن تقولي إن شدة هوس صديقي بالنقاء ، أكثر مما توقعت ، كانت سببًا في ذلك أيضًا.»
«لا أفهم عمّ تتحدث إطلاقًا.»
كراك!
دوّى من ظهر أغريسين صوت مكتوم ، كأن عظمًا قد انكسر ، وفي تلك اللحظة دوّى زئير هائل داخل الحاجز ..
[أيها القذر… كيف تجرؤ على تقليد من؟!]
وفي الوقت نفسه تقيأ أغريسين دمًا غزيرًا ، القشور التي كانت تنتصب كأشواك القنفذ بدأت تختفي في لحظة ..
انفجر نور أبيض من لاجيليا ، وعاد جسد أغريسين المنتفخ إلى حالته السابقة بسرعة
ومضت لاجيليا وهي تشد أطراف أغريسين بقسوة حتى ازرقت ..
«لاجيليا…!»
صرخت بفرح وأنا أسمع ذلك الصوت بعد غياب طويل ..
[……]
لكن لاجيليا ، التي لم تُسمِعني سوى صوتهـا للحظة ، راحت تثور بجنون وكأنها غاضبة من وجود أغريسين ، من دون أن ترد عليّ ..
رفع أغريسين رأسه وهو يلهث ، ممددًا على الأرض ، ونظر إليّ ..
«كح… مؤسف ، لم أكن أحاول الهرب ، ظننت فقط أن عليّ أن أريكِ ذلك.»
«وما الفائدة من أن تريني نفسك على هذه الحال؟ لا تقل لي إنك تحاول استدرار شفقتي.»
«الشخص الذي يجب أن ينال شفقتكِ ليس أنا ، بل صديقي هناك في الخارج ، الذي يتوق لقتلي في هذه اللحظة.»
نظرتُ مرة أخرى إلى الحاجز الذي كان يهتز بعنف ..
«لا أفهم ما الذي تقصده ، ولا أعلم إن كان هذا حديثًا يجب عليّ سماعه أصلًا.»
«بل هو حديث لا بد أن تسمعيه ، إن كنتِ تريدين معرفة المزيد عن صديقي …»
انقطعت نبرة الضحك الخافتة من صوت أغريسين ، وقد محا ابتسامته ، وأخذ يحدّق بي بعينين سوداويتين كأنهما تسحبانني إليهما ..
«كما تعلمين ، لقد سرقتُ جزءًا من روح وينتر ، هل فكرتِ يومًا فيما يعنيه ذلك تحديدًا؟»
لسبب ما ، شعرت في تلك اللحظة وكأن أغريسين عاد إلى صورته المألوفة ، ذلك الساحر المظلم المريب ..
ولما لم أستطع الإجابة ، أومأ برأسه بخفة وكأن الأمر بديهي ..
«تنينكِ الحقيقي لم يشرح لكِ أيضًا ما يعنيه ذلك بالضبط ، أليس كذلك؟ كل ما سمعتِه هو أنني سرقتُ جزءًا من روحه ، لا أكثر.»
…كان كلامه صحيحًا
عند التفكير جيدًا ، ومنذ أن سمعت قبل سبع سنوات أن أغريسين سرق جزءًا من روح وينتر وأصبح عائدًا بالزمن ، لم أناقش أنا ووينتر قط كيف تمّ ذلك بالضبط ، ولا ما النتائج التي قد تترتب عليه مستقبلًا ..
ابتسم أغريسين ابتسامة خفيفة ..
«آنستي ، فكري بالأمر منطقيًا… إن كنتُ قد سرقتُ جزءًا من روح وينتر أورشيوس ، فكيف تظنين أن حال روحه الآن؟»
لم أكن أعرف الكثير عن الأرواح
وذلك طبيعي ، فحتى عند تعلم السحر ، كان المساس بالروح من المحرّمات…
الروح كانت مقدسة ، ولا أحد يخوض في تفاصيلها إلا مجنون كساحر مهووس مثل أغريسين ..
كان وينتر يتصرف وكأن سرقة جزء من روحه لم تكن أمرًا ذا بال ..
«هل ظننتِ حقًا أن روحه ستبقى سليمة كما كانت بعد أن تُقسّم بهذا الشكل؟ إن كنتِ تعتقدين ذلك، فالأرجح أنه هو من دفعكِ للتفكير على هذا النحو ، لكن… لماذا فعل ذلك؟»
«…ماذا حدث لروح وينتر إذن؟»
«انفتح فيها ثقب صغير جدًا ، أصغر من ظفر الإصبع ، بل أقرب إلى شقّ رفيع منه إلى ثقب ، كان ضئيلًا إلى حد أنه ، حتى لقائي به مجددًا بعد عشرة آلاف عام ، لم يلحظه هو نفسه.»
«لكن يبدو أنك تقول إن الأمر لم يعد مجرد عيب صغير.»
على كلماتي ، اشتعل في عيني أغريسين شعور غريب لا يليق به كثيرًا—غضب محترق اسودّ حتى التفحم ..
«مجرد ذلك العيب لا يمكنه أن يغيّر إنسانًا إلى هذا الحد ، الروح ليست بهذه الهشاشة ، فكري بالأمر: أنا استطعت العودة بالزمن كما أردت ، ومع ذلك فالأمر غير مستقر ويحتاج إلى شروط كثيرة كيف لجزء من روح بحجم ظفر أن يحولني إلى تنين؟ هذا مستحيل.»
إذن…؟
لم أكن ما زلت أفهم تمامًا ما الذي يريد قوله في النهاية ، وحين لاحظ ارتباكي ، صرخ أغريسين فجأة:
«أما زلتِ لا تفهمين؟ كل هذا من فعله هو! لقد عاد بالزمن مئات الآلاف من السنين ، العشرة آلاف التي عشتُها لا تُذكر أمام ذلك ، برأيكِ ، كم من الظلام لا بد أنه تراكم في داخله؟»
التعليقات لهذا الفصل " 171"