ومن دون انتظار رد ، استدرتُ فورًا وبدأتُ أخطو بخطوات واسعة ، أترك آثار أقدامي خلفي ..
ثم صادفتُ شجرة صنوبر عملاقة ، رفعتُ رأسي أنظر إليها بصمت ، كانت ضخمة كأنها عملاق ، ثم التفتُّ من جديد نحو جهة الموكب ..
تذكّرتُ ما قاله وينتر ..
«سيكون في القصر الإمبراطوري.»
«لماذا تظن ذلك؟»
«…لأنه يريد مراقبتكِ ، لن يرضى أبدًا بالاكتفاء بالمشاهدة من بعيد ، وسيحاول حتمًا الاقتراب ، لن يكبح اندفاعه ، ولا ينوي فعل ذلك أصلًا.»
كان سبب تعثّر وينتر طوال عام كامل في تتبّع آثار أغريسين واضحًا ..
فهذا بحدّ ذاته دليل على أن طريقة تفكير أغريسين وسلوكه صارا يتغيّران ليشبها وينتر تمامًا ..
كان الأمر أشبه بمحاولة الإمساك بانعكاس المرء في الماء ..
لن يبلغه أبدًا ، كمنحنى يقترب بلا نهاية من الصفر دون أن يلامسه…
…وينتر لن يتمكّن من الإمساك بأغريسين ..
كنتُ أفكّر بذلك دون وعي ، ولم يخطر لي حتى أن وينتر قد يجهل هذه الحقيقة ..
ومع ذلك ، فإن سبب اكتفاء وينتر بملاحقة أغريسين بدل استدعائه أو جره إلى الظهور ، لم يكن إلا لأجل حمايتي ..
ولهذا تحديدًا ، لم يكن وينتر قادرًا على الإمساك به ..
ولهذا… كان عليّ أنا أن أفعل ذلك ..
«لاجيليا …»
رفعتُ بصري إلى شجرة الصنوبر التي يكفي حجمها لسحق إنسان واحد على الأقل بسهولة ، وهمستُ إلى السوار في معصمي ..
[…]
أضاء لاجيليا بهدوء ..
لم يعد يتكلّم ، لكنه ما دام خاضعًا لي ، فإنه لا يزال ينفّذ أوامري ..
«اقسم تلك الشجرة إلى نصفين ، واجعلها تسقط فوقي ..»
أضاء السوار من دون كلمة
وفجأة شعرتُ بأن معصمي قد خلا من شيء ، ثم لمع وميضان أمام عيني ..
وبعدها سُمِع صوت تشقّق الخشب ، «كراك—»،
ورأيتُ فروع الصنوبر السميكة — كل واحد منها أعرض من جذعي — تهوي فوق رأسي ، وكأن المشهد يُعرض بالحركة البطيئة ..
لم أحاول الهرب ، ولم أرمش حتى ..
ثم… هبّت نسمة من الريح ..
كانت الإمبراطورية الشمالية تعيش وسط العواصف الثلجية طوال العام ، والرياح لم تكن أمرًا غريبًا
لكن هذه الريح… كانت مختلفة.
تُنغ—
كأن حاجزًا هائلًا غير مرئي أحاط بي ، فارتدّت فجأة بقايا الصنوبر التي كانت تسقط عليّ
«آه—!»
وبفعل الارتداد ، سقطتُ جالسة في مكاني ،
وفي المقابل ، تراكم الثلج العالق بالأغصان فوق ذلك الحاجز المستدير ، مطوّقًا إيّاي ..
تكوّن حولي فضاء يشبه الإيغلو ، وكأنه شُيّد لي وحدي ، ونشأت حدود مغطّاة بالثلج بيني وبين العالم ..
لكنني لم أكن وحدي في داخله ..
«…مرّ وقت طويل ، أليس كذلك؟»
إذًا هذه المرة تنكّر في هيئة فارس حارس وتسلّل.
رفعتُ بصري إلى الرجل الذي بدا غريب الملامح ، لكنه كان يرتدي زيّ الإمبراطورية الشمالية ، وابتسمتُ ابتسامة خفيفة ..
«كنتُ أظن أن هاس قد يكون أنت ، لكن يبدو أنني أخطأت….»
تحت قناع الجسد الذي يحمل شعرًا أحمر وعينين حمراوين ، بدا الرجل مذهولًا حقًا ..
كانت عيناه ترتجفان بعنف ، وكأنه لم يستعد هدوءه بعد ..
عندها… انفجرتُ ضاحكةً بصوت عالٍ
.
«آهاها… يبدو أنك تسأل: ما كل هذا الجنون؟»
ظلّ الرجل صامتًا برهة ، ثم فتح فمه أخيرًا.
«كما قلتِ تمامًا.»
في تلك اللحظة ، سرت قشعريرة حادّة في جسدي .
أغريسين في الأصل لم يكن قريبًا أبدًا من هذا النوع من التعابير الجافة أو نبرة الصوت هذه ، كان من المفترض أن يبتسم ابتسامة قاتمة ، أو أن تفيض عيناه برغبة قاسية ووحشية ..
لكن… ما هذا الوجه إذًا؟
«هممم……»
حتى حركة المشاعر التي انسحبت بسرعة وكأنها تهرب—
كلّها ، وبشكل مرعب ، كانت مطابقة لأدق عادات وينتر..
وقد شعرتُ باشمئزاز خانق ، فتمتمتُ وكأنني أطحن الكلمات بين أسناني:
«…على أي حال ، يجب أن أفعل ما يجب فعله ، لاجيليا ، أمسكه …»
انطلق لاجيليا بسرعة ، ثم انقسم إلى عدة قيود ، شدّت أطراف الرجل وعنقه بقسوة ..
سقط الرجل—أغريسين—على الأرض من دون مقاومة تُذكر ..
تقدّمتُ نحوه ببطء .
«في اليوم الذي قلتَ فيه إنك اشتقتَ إلي ، بصراحة ، كان ذلك أكثر لحظة مرعبة ومقزّزة في حياتي كلّها ، لم أكن أريد أن أتذكّر عينيك وأنت تقول ذلك ، لكنني اضطررت لأن أستعيدها مرارًا وتكرارًا ، لأنني شككت كثيرًا في أنك كنتَ جادًا فعلًا.»
في عيني أغريسين ، وهو ينظر إليّ بطرفه ، لم يكن هناك أي عداء—حتى لو بحثتُ عنه جيدًا
وكان ذلك مزعجًا ..
كنت أعرف تلك النظرة من قبل
لكن… لماذا تحملها أنت ، وهي ليست لك؟
«وكم تمنّيتُ ألا يكون الأمر كذلك ، لكنني أدركتُ أنك فعلًا بدأتَ تحبّني إلى حدٍّ ما ..»
شدَدتُ ملابسه العلوية بخشونة .
وحينها رأيتُ جسدًا نبتت عليه قشور بيضاء كثيفة ..
بدأ وجه أغريسين يتغيّر .
تحوّل إلى رجل يشبه الصورة التي أعرفها: شعر أسود ، وعينان سوداوان ..
الرجل الذي التقيته قبل سبع سنوات في السجن تحت الأرض—كان وجهه آنذاك مشوّهًا بشدّة ، أما الآن فكان ناعمًا ، وكأن شيئًا لم يحدث قط ..
حتى في هيئته السابقة كنتُ قد فكّرتُ أن ملامحه مقبولة على نحو ما ، لكن وجهه الحالي كان حسنًا إلى درجة لا يمكن معها التوفيق بينه وبين نبرة كلامه المقزّزة القديمة ..
«حتى ذلك الحين ، كان ذلك مجرّد عبء مزعج بالنسبة لي ، لم أرد الاعتراف به أصلًا ، وكل ما خطر لي هو: وماذا بعد؟ لم أرد حتى التفكير في الأمر.»
تأكّد أغريسين من القشور ، ثم راقبني بإصرار وأنا أبتعد عنه خطوتين ..
حرّكتُ جسدي قليلًا ، كأنني أختبر نظره ، فكان يتبع كل حركة بعينيه من دون أن يفوت خطوة واحدة ..
أدركتُ حينها أن أغريسين الذي كنتُ أعرفه لم يعد موجودًا هنا ..
«ثم في أحد الأيام ، تسبّبتَ بانفجار في مكان كنتُ أنا ووينتر فيه معًا …»
حادثة الانفجار في احتفال تأسيس الإمبراطورية الشمالية ..
منذ ذلك اليوم ، كنت أعرف ..
«…لقد قتلتَ لوتّي خاصتي ، وقتلتني أنا أيضًا.»
بدل أن ينكر ، رسم أغريسين ابتسامة ساخرة على شفتيه ..
وبدا للحظة كأنه مرهق حتى العظم ..
لولا ذلك الانفجار ، لما أدركتُ أنا ووينتر أن أغريسين كان يقترب بنفسه ، ويدور حولنا على مسافة قريبة للغاية ..
لقد قام بعمل لا يبدو أنه سيجلب له أي فائدة ، سوى كشف موقعه ..
«لكن بعد العودة بالزمن ، لسببٍ ما لم تُعد تكرار الانفجار ، بل اختفيتَ كما أنت ، أدقّ تعبير هو أنك كنت تتخفّى في هيئة أشخاص آخرين من حولي، وتدور كجرذ ، ومع ذلك ، لم تُعد تسبّب انفجارًا ، لماذا؟ فكّرتُ في احتمالات كثيرة ، ثم خطر لي فجأة أن السبب قد يكون بسيطًا جدًا.»
«أغريسين ، لا بدّ أنك ارتبكتَ كثيرًا حين بدأتَ تشعر فجأة أنني مألوفة وقريبة منك ، من الواضح أنك غير معتاد على هذا النوع من المشاعر ، وربما فكّرتَ هكذا: هل أجرّب فقط أن أقتلها؟ كانت مشاعرك تزداد تعقيدًا ، وأردتَ أن تختبر الأمر ، أردتَ أن ترى بعينيك ماهية هذا الاضطراب ، فقرّرتَ التخلّص من سببه—مني أنا ، على أي حال ، أنا سأكرهك للأبد ، وأنت وأنا لسنا ممن يملكون حياة واحدة فقط ، أليس كذلك؟»
«……»
«لكن بعد أن تصرّفتَ باندفاع ، وفي اللحظة التي شهدتَ فيها موتي ، صُدمتَ أكثر مما توقّعتَ ، ولهذا ، حين عاد الزمن ، هربتَ فورًا ، أليس كذلك؟»
كان وينتر كذلك تمامًا
عندما أُصاب بأذى جسيم ، كان يتحوّل إلى شخص دفاعي بشكل مفرط ..
ولهذا خطر لي أن أغريسين… ربما كان مثله ..
«وحين امتلكتُ يقينًا بلا أساس إلا إحساسي ، عرفتُ الحقيقة …»
انحنيتُ قليلًا لأكون على مستوى نظر أغريسين ، الذي فقد تمامًا إرادته في القتال ، وابتسمتُ ابتسامة خفيفة…
التعليقات لهذا الفصل " 170"