كانت دمية مألوفة ، اعتاد شوران اللعب بها كثيرًا ، يبدو أنه جاء ليأخذها بعدما نسيها في غرفة وينتر ..
قال الإمبراطور:
«حقًا ، من حسن الحظ أن الآنسة هنا ، منذ قدومكِ وكل شيء يسير على ما يرام ، في الحقيقة ، قد لا يكون هذا الكلام مناسبًا في مثل هذا الوقت ، لكن… هل تلقيتِ من وينتر طلب زواج رسميًا حتى الآن؟»
«هاه؟ آه ، نعم……»
ضيّق وينتر عينيه ..
قال الإمبراطور:
«كنتُ أتمنى حقًا أن تتزوجي وينتر خاصتنا ..»
«ماذا؟ آهـاها ، نحن مخطوبان ، لذا في يومٍ ما……؟»
قال الإمبراطور بنبرة مترددة:
«وينتر ، منذ صغره ، كان… صعبًا بعض الشيء من نواحٍ كثيرة ، بالطبع أنتِ جئتِ وأنتِ تعلمين ذلك ، لكن قلوب الناس لا يُعرف متى تتغير.»
حبستُ رغبتي في إسكات الإمبراطور ، وشعرتُ بشفتيّ تجفان تمامًا ..
تابع:
«يبدو لي أن وينتر مطمئن أكثر من اللازم ، وهذا يجعلني أشعر بالأسف تجاهكِ ، قد يبدو كلامي غريبًا قليلًا ، لكن وينتر يشبهني كثيرًا ، النظرات التي عانيتُ منها ، يعانيها هو أيضًا يوميًا ، وعندما يكون المرء شابًا، قد يظن أن من يقف إلى جانبه سيبقى هناك إلى الأبد ، مهما حدث.»
«هاه؟ آه… نعم، هاهاها ، أرجوكم ، لا تقولوا مثل هذا الكلام ، جلالتكم.»
بدأ أعلى رأسي يسخن ، ولوّحتُ بيدي نافيًا ، لكن يبدو أن ذلك زاد من قلق الإمبراطور بدلًا من تهدئته ..
قال بقلقٍ أكبر:
«هل أربكتكِ كثيرًا؟ أم أن الحقيقة أنكِ تشعرين بالخذلان من وينتر منذ مدة ، وربما تفكرين في فسخ الخطوبة سرًا……؟»
«لا، لا أبدًا……»
غطّى الإمبراطور وجهه كما لو كان يائسًا وتمتم:
«هذا مفهوم ، لقد مرّ وقت طويل منذ خُطبتما ، ومع ذلك لم يُقم وينتر مراسم الزواج بعد.»
ثم قال بصوتٍ مهيب لم يُسمع منذ زمن:
«وبدلًا عن أخي الصغير ، الذي يفتقر إلى النضج أمام الحب ، أقدّم لكِ اعتذاري.»
لا، أرجوك توقّف!
«لا تعتذروا ، فقط… لا تفعلوا ذلك……»
«إذًا… هل بدأ قلبكِ يبتعد قليلًا……؟»
وما إن شعرتُ ببرودة تسري في أطراف أصابعي ، حتى رفع الإمبراطور القماش الذي يغطي وجهه بإيماءةٍ عاجزة ..
عـ… عيناه…!
تجمّدتُ من هجومٍ بصري مفاجئ ، ولم أستطع سوى هزّ رأسي بارتباك ..
وسط خصلات الشعر الفضي المنسابة كالشلال ، أشرق وجه جميل كالقمر ، وفي عينيه اللتين انفتحتا بلطف ، ظهر حزنٌ رزين وخبرة لا يمتلكهما وينتر ..
قال:
«أنا آسف ، عندما أنزل هذه المرة إلى الإمبراطورية الغربية ، سأكون قد اتخذتُ تدابير حاسمة ، فهل تتحلين بقليل من السعة وتنتظرين؟ سأقيم لكِ أفخم حفل زفاف في هذا العالم……»
أومأتُ… أومأتُ بلا توقف
وقد أعمتني الملامح الفاتنة ، فلم يعد يدخل إلى أذني شيء مما يقوله الإمبراطور ..
كنتُ فقط أومئ برأسي بجدٍّ كما يشاء
كأنني واقعة تحت التنويم المغناطيسي
ويبدو أن ردّة فعلي أرضته ، إذ غطّى وجهه مجددًا بالقماش الأسود في غمضة عين ، وضحك ضحكةً منعشة ..
«هاهاها ، يكفيني فقط أن تعلمي أنني ممتنّ لكِ دائمًا.»
«……»
تمايلتُ وأنا أمسك بعينيّ اللتين احترقتا ، كما لو أنني نظرتُ إلى الشمس مباشرة ..
«أخي ..»
«هم؟ يا للمفاجأة ، أنتَ تزداد شبهًا بوينتر حتى في طريقة كلامك.»
كان شوران ينادي إلامبراطور غلاس بـ«أخي» من تلقاء نفسه ، تمامًا كما يفعل وينتر
وفي الأحوال العادية ، لما كان هذا لِيُغتفر ، لكن بما أن شوران يُنظر إليه على أنه كيانٌ أشبه بالروح استدعاه وينتر ، وليس إنسانًا ، فقد تم التغاضي عن الأمر ..
حدّق شوران في غلاس مطوّلًا ، ثم أخذ يطوف حوله ببطء، دائرةً بعد دائرة ..
«أخي ، أخي… أخي……»
تمتم بها وهو يدير الكلمة في فمه كمن يتذوّقها ، ثم ما لبث أن ترك الإمبراطور واختبأ خلفي بسرعة ..
أطلّ برأسه فقط ، متتبعًا بنظره صورة الإمبراطور وهو يبتعد..
ربّتُّ على رأس شوران بقوة وأنا أقول:
«شوران.»
«ما رأيك أن نتفقد صندوق ألعاب شوران؟ أليس هناك شيء نسيته؟»
«نتفقد صندوق ألعاب شوران.»
كان شوران يكرر كلامي بطلاقة ، ثم مدّ ذراعيه الطويلتين ، وسرعان ما تحولت ذراعاه إلى ما يشبه سيقان النباتات ، فالتقط بهما صندوقًا كبيرًا نسبيًا كان موضوعًا في أعلى العربة وأنزله ..
كان شوران قويًا إلى حد أنه ، إن أراد ، يستطيع إطالة سيقان البطاطا الحلوة وجذورها ليرفع العربة بأكملها ، لذا لم يكن هذا الفعل مستغربًا عليه .
فتح شوران غطاء صندوق الألعاب ، وراح يعبث بالقطع الملونة والدمى وهو يتمتم:
«لوتي ، لينا ، ألبرت…….»
كان شوران يمنح الدمى التي تشبه الأشخاص المحيطين به—مثل لوتي ولينا وألبرت—الأسماء نفسها، ويلعب بها جيدًا
والدمية الوحيدة التي لا يملكها شوران ، على الأرجح ، هي دمية تشبهني أنا ..
كما أنه امتلك في النهاية دمية تشبه وينتر ، لكنه لم يكن يلعب بها بقدر ما يلعب ببقية الدمى ..
«لا توجد.»
وبينما كان يقلب الدمى بعشوائية ، بدا أنه أدرك أخيرًا ما الذي نسيه ، فتزعزعت نظرة عينيه ،
ابتسمت بخفة وأشرت إلى شرفة الطابق الثاني حيث كان وينتر لا يزال متكئًا ..
اتجهت عينا شوران بلون البحيرة نحو وينتر ، الذي كان يهز الدمية الشبيهة به بقليل من الاستفزاز ، في لحظة ، عبس شوران واندفع مسرعًا ليختفي خلف الباب ..
وبعد قليل ، ظهر شوران على شرفة الطابق الثاني ، يندفع بصمت محاولًا انتزاع الدمية من يد وينتر ، بينما كان وينتر يلاعبه متفاديًا السيقان التي تنقض عليه كالسياط ، وأنا ، وأنا أشاهد هذا المشهد ، شددت طرف ثوبي لأحتفظ بتلك الحرارة الصغيرة التي تسللت إلى صدري لأطول وقت ممكن ..
—
وأخيرًا ، بزغ صباح العودة إلى الإمبراطورية الغربية…
«جلالة الإمبراطور ، ومن يكون هذا……؟»
«هذا فارس مرافقة اخترته من أجل الانسة الشابة ، قيل إن هجمات الوحوش ستبدأ قريبًا ، وقد شعرت بالندم لأنني اعتمدت على وينتر وحده وتركتكِ بلا حماية كافية.»
كانت الإمبراطورية الشمالية عامرة بالجميلات والوسيمين ..
حتى إن أبناءها يحتلون مراتب متقدمة بكثرة في دليل وسيمو القارة ، وبعد سبع سنوات من العيش في الشمال ، كلما ظننت أنني اعتدت على الجمال ، يظهر من مكان ما وجه جديد يدهشني ..
والشخص الوسيم الذي أمامي الآن كان من هذا النوع تمامًا ، رجل بشعر أرجواني فاتح وعينين باللون نفسه ، وفي ملامحه شيء يذكّر بإخوة أورشيرس ..
سألته بلا تفكير ، وأنا أشير إليه بإصبعي:
«…المركز الثامن ، صحيح؟»
ما إن أنهيت كلامي حتى ابتلعت لوتي ، التي كانت ملتصقة بي ، ريقها وهمست:
«آنستي ، في النسخة المنقحة الأخيرة صار في المركز السادس… السادس.»
«…ألم تصدر النسخة الأحدث أمس؟»
«؟ نعم، صدرت.»
أرأيتِها بالفعل؟
كتمت توبيخي وثنيت إصبعي الممدود على عجل
كان الرجل الذي أمامي وجهًا أعرفه أنا أيضًا ، ذاك الرجل الذي ظل لسنوات يحتفظ بمركز متقدم في دليل وسيمو القارة ، الذي ألقي عليه نظرة سريعة كلما صدر إصدار جديد ..
«هاس من أورسيون ، في خدمتكِ أيتها الكونتيسة ، ابتداءً من اليوم ، وبأمر من جلالته ، سأكون حارسًا إلى جانبكِ.»
أليس هو الابن الثاني لعائلة أورسيون ، أحد الفروع الجانبية للعائلة الإمبراطورية لأورشيرس؟
لا شك أن أكثر رجلين شعبية في الإمبراطورية الشمالية هما الإمبراطور ووينتر ..
لكن الإمبراطور اختار العزوبة طوعًا ، ووينتر كان مخلصًا تمامًا لدوره في لعبتنا ، لذلك كان كلاهما بالنسبة لعدد لا يحصى من النساء شمسًا وقمرًا لا يمكن الوصول إليهما ..
أما هاس أورسيون ، فلم يكن كذلك ..
صحيح أن مقابلته كانت صعبة بحكم انتمائه لوحدة تابعة مباشرة للإمبراطور ، لكن—
إن حضر حفلة رقص ، يمكن الرقص معه ، ويمكن تبادل الحديث ، ولهذا ، لم يكن غريبًا أن يكون عدد النساء اللواتي يتمنينه زوجًا أكثر حتى من معجبات وينتر والإمبراطور ..
وقيل عنه أيضًا إنه متفوق في المبارزة ، ومتمتع بذائقة فنية ، رجل متعدد المواهب بحق .
«من الجيد أنكِ تعرفين هاس ، فعندما تظهر الوحوش ، سيكون لدى وينتر ما يشغله ، ورأيت أن عليّ أن أشارك قليلًا أكثر في حمايتكِ.»
«أهذا هو… الإجراء الاستثنائي الذي تحدثتم عنه؟»
انحنى الإمبراطور قليلًا وهمس في أذني:
«هاس يتقن كل شيء—الرقص ، الغناء ، السيف
—يصعب أن تجدي ما لا يجيده ، والأهم من ذلك……»
«الأهم من ذلك……؟»
«هاس تطوّع بنفسه ليكون حارس الكونتيسة ، لا بد أنكِ تفهمين ما يعنيه ذلك ، أليس كذلك؟»
التعليقات لهذا الفصل " 168"