«لم أستطع الإمساك بها إطلاقًا ، فهي تحت حماية الوحوش المقدسة ، ولا يستطيع أيّ كان الاقتراب منها، ولا يُعرف حتى من أي موطن جاءت.»
وفي ذروة انشغالي بالسهل الأوسط ، تعمّدتُ الابتعاد حتى عن وينتر لإخفاء هويتي ..
فلو غبنا أنا ووينتر في الوقت نفسه ، لساور الشكّ أحدهم لا محالة ..
كما أنه ، مهما كانت علاقتنا خطوبة ، فإن أعمارنا الجسدية ما زالت صغيرة ، ولم يكن في الالتصاق الدائم خيرٌ لنا ..
وأثناء استماعي لكلام جوزيف ، أدركتُ أن قرار الابتعاد كان صائبًا بالفعل ..
قال:
«آنذاك ظننتُ فقط أنها شخص أسرع مني… لكن حين أفكر في الأمر الآن ، أشعر وكأن كل شيء كان يتحرك وفق ما أرادته تلك المرأة ، يشبه ذلك الإحساس الغريب الذي أشعر به تجاه دوقكِ ، فجأة توقفت الوحوش المقدسة عن معاداة البشر ، وبفضل ذلك فُتح السهل ، وفي التوقيت نفسه ظهر من وحّد القبائل الأصلية ، هذا التسلسل كان سلسًا إلى حد غير طبيعي …»
قلتُ متصنعة البراءة:
«همم ، لا أعرف من تكون تلك المرأة إطلاقًا ، هل لها علاقة بالدوق…؟ هل أطلب منه أن يسأل؟ إن كان يعرفها ، فقد يتمكن أخي من لقائها.»
وأملتُ رأسي متظاهرة بالحيرة ..
قال:
«لا ، لا بأس ، دوقكِ مشغول بما فيه الكفاية ، ولا يصح أن أزعجه بفضولي.»
ورسم جوزيف هلالًا عند طرف فمه ..
وأضاف:
«ثم إن لعبة الغميضة لا تكون ممتعة إن فعلنا ذلك.»
«……»
قال متابعًا:
«أتذكر حين كنا نلعب الغميضة جميعًا في الإمبراطورية الغربية؟ مع الأخ بوريس وأوسكار أيضًا ، كان الأمر ممتعًا حقًا… ما رأيكِ أن نقترح أن نلعب الغميضة مرة أخرى حين نعود هذه المرة إلى الإمبراطورية الغربية؟»
لم أجب ، واكتفيتُ بالابتسام بعينيّ مرارًا وأنا أرتشف العصير من الكأس ..
…شعورٌ بأن الحلق جفّ حتى كاد ينسدّ تمامًا ..
—
غدًا سنعود إلى الإمبراطورية الغربية ، تحققتُ للمرة الأخيرة بعناية من أن الأمتعة قد جُهّزت جيدًا ..
لم يتبقَّ الكثير من الوقت للتنقّل بين الإمبراطوريتين الشمالية والغربية ..
فعندما تطفو المحارات في البحر ، ستتعرض القارة لهجوم الوحوش ، وبما أنني لستُ في الإمبراطورية الشمالية الآمنة نسبيًا ، كان عليّ أن أكون في الإمبراطورية الغربية حيث يُختَم الجسد الحقيقي لهويريون ..
فتحتُ غطاء الصندوق الكبير الذي أعددته بنفسي ، ومررتُ أطراف أصابعي على محتوياته.
عندها رفعت لوتي ، التي كانت ترتّب الأمتعة معي بصمت ، رأسها فجأة وسخرت بشخيرٍ خفيف.
«آنستي ، بقدر ما ازددتِ جمالًا خلال سبع سنوات ، تآكل ضميركِ حتى بلي تمامًا.»
«ماذا؟»
قالت:
«أنا من سهرتُ الليل كله لأحوّل ذلك الشيء الذي لا يُعرف أهو عباءة أم خرقة إلى لباس يمكن لإنسان أن يرتديه… أليس من قلة الضمير أن تقولي إنكِ أنتِ من صنعه؟»
آخ! لماذا لا تقول الصواب إلا في مثل هذه اللحظات؟
قلتُ محتجة:
«لقد تحوّل فقط من بطانية يدوية خاصة إلى عباءة.»
فأجابت:
«بل من خرقة يدوية خاصة إلى عباءة……»
في كل مرة أعود فيها إلى الإمبراطورية الشمالية، كنتُ أُحضّر هدية لإمبراطور الإمبراطورية الغربية
فهو يستطيع أن يحتفل بعيد ميلادي كل عام ، بينما أكون أنا دائمًا في الإمبراطورية الشمالية يوم عيد ميلاده ..
وكان هذا الأمر يلازمني كهمٍّ في قلبي ..
ليتني أستطيع هذا العام أن أقضي عيد الميلاد معه ..
إن انتهى كل شيء على خير ..
أي إن تمكنّا من تحرير هذا العالم العالق في نهاية الكتاب ..
وفجأة خارت قواي تمامًا ، فما زلتُ لا أملك المفتاح الحاسم
في الوقت الراهن ، كان الخيار الأفضل هو أن يسيطر وينتر على هويريون الذي لا بد أن يتحرر من الختم ، وأن أسأله عن معنى وجودي لأفهم كل الملابسات ..
خلال سبع سنوات ، جرى زمن هذا العالم كالماء ،
لكن زمن وينتر وأنا لم يكن كذلك ..
«دوق…»
«حتى هدايا الدوق والدوقة جهزتِها… آنستي حقًا شخص مخيف.»
حين أشارت لوتي ، بنبرة منزعجة ، إلى عدة علب هدايا موضوعة في أسفل الأمتعة ، لم أتمالك نفسي من الابتسام بخفة ..
منذ عامين
اضطررتُ إلى إعادة الزمن بسبب جوديث ..
كلما كبرتُ ، ازددتُ شبهًا جوديث ، أمّا وجه دوق بيرن ، فلم يكن يُشعر المرء بالتشابه ما لم ينتبه إليه عمدًا ..
لكن يبدو أن جوديث كانت قلقة فحسب
استخدمت حيلة ، ونقلت إليّ مرضًا يجعل الوجه يتعفن ، كان مرضًا متوطنًا في منطقة السهل الأوسط ، وبما أنني كنت الوحيدة التي أُصيبت به في القصر ، كان من الواضح أن أحدهم تعمّد نقله إليّ ..
لم يكن ذلك المرض عالي الفتك ، كان فقط يشوّه الإنسان بشكلٍ مروّع ..
المذنبة كانت إحدى الوصيفات المصابات بالمرض نفسه ، وادّعت أنها لم تكن تعلم بإصابتها وأنها نقلته إليّ عن طريق الخطأ ..
لكن الحقيقة أنها تعمّدت غرز ملقطٍ ملوّث بدمها في ملابسي ، ولما وخز إصبعي ، انتقل إليّ المرض مباشرة ..
وبالنظر إلى فترة حضانة المرض ، لم يكن أمامي سوى أن أُجهد نفسي قليلًا وأعيد الزمن ، وحين عثرتُ على تلك الوصيفة ، كان المرض قد بدأ ينتشر ، وكان وجهها يتشوّه بالفعل ..
يبدو أنها لم تكن تنوي النجاة من الأساس ، إذ اختارت الانتحار ، لم تنكر استجوابي لها ، لكنها ظلت صامتة حتى الموت ، دون أن تكشف أي سبب أمسكته جوديث عليها ..
ومنذ ذلك العام ، بعدما أدركت جوديث أن خطتها قد انحرفت ، تغيّر موقفها مني فجأة ..
صارت تُحسن استقبالي وتبالغ في معاملتي كلما ذهبتُ إلى الإمبراطورية الغربية ..
قلتُ حينها:
«ما دامت أمي تعاملني فجأة بلطف ، فلا خيار لدي ، إن لم أسايرها ، سأبدو أنا الابنة السيئة وحدي.»
…لكن ، وبديهيًّا ، لا جدوى من ذلك الآن ..
حتى اليوم ، أفاجئ نفسي أحيانًا بالإسراع إلى المرآة ، خشية أن أكون قد عدتُ إلى ذلك الوجه المشوّه المريع ..
كنتُ أنوي في الأصل أن أكتفي بقطع أطراف جوديث إن لم ترتكب خطأً جسيمًا ، لكن الآن قلبي قد أُغلق تمامًا ..
يا للأمر الغريب ، هل الأدوار تتناوب وتدور هكذا…؟
في العمل الأصلي ، كان من يقود استغلال يوبيل والتلاعب بالنبوءات وجني المكاسب هو جوزيف
لكن هذه المرة ، أخذت جوديث ذلك الدور ..
حين عاد بيرن لوهيا من رحلة الحج التي أُرسل فيها بأمر الإمبراطور سيليس ، بدا أن جوديث أرادت إقصاء بيرن لوهيا تمامًا، والتحكم بعائلة لوهيا بنفسها ..
كانت تهمس ليوبيل الصغير بسوء عن والده الحقيقي ، ففصلت قلبه عن بيرن منذ وقتٍ مبكر.
…ولم تكن تختلق الأكاذيب من فراغ ، فبيرن لوهيا لم يكن رجلًا ذا خُلُق ..
لكنها بلا داعٍ نبشت عيوب الأب أمام طفلٍ صغير بلا رحمة ..
والمشكلة أن القشة التي قصمت الظهر كانت كذبها حين ادّعت أن يوبيل تمتم في نومه بنبوءة سيئة عن بيرن ..
وبذلك ، ما إن عاد بيرن لوهيا إلى المنزل حتى وُسم عنصرًا خطِرًا ، وانتقلت كل مقاليد الأسرة بالكامل إلى يد جوديث ..
وأخيرًا ، وطئتُ ذيل جوديث ..
«وهدايا السيد بوريس والسيد يوبيل أيضًا ، همم ، كل شيء جاهز! يمكننا تحميلها في العربة الآن!»
بعد الانتهاء من تفقد الأمتعة وتحميلها جميعًا في العربة ، لمحتُ مرة أخرى ظلًا مألوفًا يتسكع في الجوار
«همم ، همم.»
«همم ، همم.»
شوران ، الذي كان يلعب بصنع رجل ثلج قربنا ، قلد سعال الإمبراطور المتكلف بلا سبب ..
وحين بدأ يقلده حتى في الالتفات حوله وإلقاء نظرات خفية نحوي ، اضطر الإمبراطور أن يلوّح لي أولًا
«آه ، جئتُ لأطمئن إن كانت صحة الآنسة قد تحسّنت… فكيف حالكِ؟»
«نعم ، بفضلكم ، أنا بخير الآن.»
«همم ، هذا مطمئن حقًا.»
«نعم ، هوهوهو……»
«هاهاها!»
«هوهو.»
«هاها، مطمئن… مطمئن فعلًا……»
راقبتُ الإمبراطور وهو يماطل ، وابتلعتُ ضحكتي ببطء ، ثم سألتُه ، متظاهرةً بفضولٍ شديد
«هل كان العشاء الذي قضيتموه أمس على انفراد مع الدوق على ما يرام؟»
قال الإمبراطور بحماس:
«آه ، لقد قضيتُ أمس وقتًا طيبًا حقًا بفضل الآنسة ، وينتر ، تخيّلي……»
اضطررتُ إلى الاستماع إلى قصة الإمبراطور المتحمس لما يقارب ثلاثين دقيقة كاملة.
قال:
«أتعلمين هذا؟ يُقال إن الأفاعي لا تمتلك حاسة التذوّق ، ووينتر ، لأنه لا يختار طعامه أبدًا ويأكل دائمًا القليل من أقرب الأطباق إليه ، ظننتُ في الحقيقة أنه ربما لا يشعر بالطعم ، لذلك أمس تعمّدتُ أن أملأ طبقه بالخضار ، دفعتُ إليه أطباق الخضار من كل جانب وقلتُ له كُلْ كثيرًا ، فماذا حدث؟ في النهاية صار يجلب بنفسه اللحم والخبز من بعيد! ثم نظر إليّ عابسًا وسألني فجأة لماذا أفعل هذا ، وكان منظره لطيفًا إلى حد لا يُوصف! هاهاها!»
قلتُ مبتسمة:
«يبدو أن الدوق تقبّل مزحة جلالتكم!»
فقال:
«مزحة؟ نعم… يبدو أن كلامكِ صحيح ،
أهذا يُعدّ مزاحًا؟ أن أكون قد مازحتُ وينتر!»
كنتُ أصفّق بحماس وأسايره في حديثه.
…وعندها ، التقت أعيننا
على شرفة الطابق الثاني ، التي بدت كأنها غرفة شوران ، كان يقف الدوق نفسه ، يطلّ علينا من الأعلى ..
التعليقات لهذا الفصل " 167"