كانت «الهدية» الأولى والأخيرة التي تلقيتها من بوريس قبل سبع سنوات ..
«يبدو أنكِ تعتنين بها كثيرًا.»
«فقط… هكذا اتفق الأمر.»
طوال سبع سنوات ، لم يزر بوريس الإمبراطورية الشمالية ولو مرة واحدة ، ووفقًا لجوزيف ، كان قد قال يومًا إنه يرغب في الالتحاق بمدرسة المبارزة في الشمال ..
حتى لو كان لدى بوريس تلك الرغبة فعلًا ، لما سمحت جوديث له بالذهاب إلى الإمبراطورية الشمالية .
جوزيف هرب بنفسه ، أما بوريس فلم يكن يملك ، على عكس جوزيف ، القدرة على الاستقلال ،
ومع ذلك ، حتى وإن لم يتمكن من المجيء إلى الشمال ، كان من الصعب رؤية شعرة واحدة منه حتى عندما أزور الإمبراطورية الغربية أحيانًا ،
وحتى في اللقاءات النادرة التي تحدث صدفة ، كان يتصرف كمن رأى شبحًا ..
لم يعد يضايقني كما في السابق ، لكن موقفه بات أكثر إزعاجًا من ذي قبل ..
مع أننا لم نكن أصلًا من النوع الذي يفرح لرؤية بعضه البعض ..
ظننتُ أنه سيتحسن قليلًا على الأقل
سواء تعثّرتُ ببوريس مرارًا كحصى عند قدمي أو تجاهلته ، كنتُ مشغولة حدّ الاختناق بأمور لا تحصى ..
وهكذا ، عدنا لنكون غرباء متحفظين
ولم يكن الأمر مقتصرًا عليّ؛ فمنذ وقتٍ ما ، بدأ بوريس أيضًا يتعامل بحذر مع جوزيف ..
نظر جوزيف بصمت إلى المكان الذي كانت فيه دمية العنكبوت ، ثم قال بصوت منخفض:
«هل أُهديكِ دمية في عيد ميلادكِ هذه المرة؟»
«لا داعي ، لديّ واحدة بالفعل.»
«كنتُ أفكر أن أملأها بالعملات الذهبية بدل القطن ، لكن يبدو أنكِ لا تحتاجينها.»
«أليس الأفضل أن يكون لديك أكثر من دمية؟ يمكننا غسلها بالتناوب.»
قلتُ ذلك مازحة ، ثم وضعتُ دمية العنكبوت داخل الأمتعة ..
لم يكن الأمر مقصودًا ، لكن ربما لأنني اعتدتُ النوم وهي بجانبي طوال الوقت ، أصبحتُ لا أستطيع النوم من دونها
«يبدو أننا… هادئان أكثر من اللازم.»
تمتم جوزيف وهو يتمدد على الأريكة بوضعية غير مرتبة، مثل وضعيتي تمامًا ..
«من أي ناحية؟»
«بحسب نبوءة يوبيل ، لم يتبقَّ حتى شهر واحد ، أليس كذلك؟ إلى أن يظهر “الوحش”.»
هذا صحيح
بعد شهر واحد
ستخرج الوحوش من البحر
من الظلام الذي تسرّب عبر الشق الذي انفتح أثناء ختم الأبيلِسك ، تلك المخلوقات المولودة من الظلمة ، والتي لا تزال أطراف الأبيلسك مقيدة ، ستصعد وهي تتلقى أوامره ..
ستصعد لتبيد كل مخلوقاته ..
«لا أستطيع أن أتخيل إطلاقًا كيف ستتطور الأوضاع ، وأنا متأكد أنني لست الوحيد ، ومع ذلك ، ألا تشعرين أن كل شيء يسير على نحوٍ مثالي على نحوٍ غريب؟ كأننا نركّب لغزًا ما ، وهناك من يعرف تمامًا أين توضع كل قطعة.»
سأجنّ ..
العرق البارد يتصبب مني…….
«لسببٍ ما، ومع ارتفاع منسوب البحر ، بدأت أطراف القارة تُغمر بالمياه تدريجيًا ، لكن بسبب وباء ما قبل سبع سنوات ، كانت الدول قد أجْلت سكان السواحل إلى الداخل في وقت مبكر ، لذلك كان الضرر محدودًا ، إلى هنا يمكنني الفهم ، فكل ذلك ، رغم رعبه ، جرى بسلاسة لأن هناك أحداثًا سبقت ومهّدت له.»
كنتُ أستمع إلى جوزيف وأومئ برأسي مرارًا دون أن أنبس ببنت شفة ، بينما كان ذهني في الداخل يتحول إلى صفحة بيضاء
كان وينتر وأنا نملك “ورقة الإجابة” لما سيحدث مستقبلًا ..
لذلك كنا نتصرف بتكييف تلك المعرفة مع الواقع، لكن القيام بهذا النوع من “الغش” دون أن يكتشفه أحد ، ودون ترك ثغرات ، لم يكن سهلًا كما يبدو ،
فغلطة واحدة قد تدمّر حياة شخصٍ ما دون أن ندري ، ولهذا كان الأمر يتطلب حذرًا شديدًا ،
وأفضل ما أستطيع فعله هو التحرك مع إخفاء هويتي ..
«الأمر الغريب بدأ بعد ذلك ، أثناء الهجرة الكبرى ، أراد الكثيرون الانتقال قدر الإمكان إلى المناطق الداخلية ، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأراضي في كل الدول ، وفي النهاية ، قرر عدد كبير من الناس التوجه إلى السهول الوسطى… وكما تعلمين ، للوصول إلى السهول الوسطى يجب المرور عبر “تلك الغابات”. سواء من الإمبراطورية الشرقية أو الغربية أو الشمالية أو الجنوبية، لا بد من عبور الغابات.»
كانت هذه القارة تضم إمبراطورية واحدة في كل اتجاه من الاتجاهات الأربعة ، تتمركز حول السهول الوسطى ..
وكانت الحدود بين كل إمبراطورية وتلك السهول محاطة بغابات كثيفة ..
وقبل سبع سنوات ، حين ذهبنا بحثًا عن الأثر المقدس لنوي روستين ، كان المكان الذي قصدناه هو الغابة التي يسكنها هوزن روستين ..
«حتى السحرة يجدون صعوبة في عبور تلك الغابة بمفردهم ، لأن وحوشًا أسطورية تسكنها ، لكن في مرحلةٍ ما ، هدأت تلك الوحوش فجأة ، وأصبح عامة الناس قادرين على اجتياز الغابة ، وهكذا حُلّت كل المشكلات.»
كنتُ أعرف تمامًا من هو الملك الذي يحكم تلك الوحوش الأسطورية التي يتحدث عنها جوزيف ،
ملك الوحوش كان صغيرًا ، أبيض اللون ، ذا فروٍ ناعمٍ ومنفوش ..
— مونجو!
وكان يطالبك ، في كل حين ودون مناسبة ، بأن تقدّمي له جسدك الطريّ الغضّ ..
— مونـجـو ، مونـجـو!
— يبدو أن السكان الأصليين الذين يعيشون فيما تسمّونه السهول الوسطى ، تختلط في أسلافهم دماء وحوشٍ سحرية ، لذلك يمتلكون مقاومةً فطرية للسحر ..
— مونجوجوجو!
— ولهذا ، إن حاول إنسان من خارج السهول إيذاء أحفاد الوحوش السحرية ، فسوف يقتلونه جميعًا ، وبرأي هذا العم ، أليس من الأفضل ألّا نقترب منهم أصلًا؟ رغم أنني أبدو كأنني على علاقة طيبة مع هذه الكُرة الزغبية ، إلا أنني في الحقيقة محتجز عنده ، فإذا غضب هذا الوغد ، فلن يكون بوسعي فعل شيء…….
كانت السهول تحت حماية ملك الوحوش السحرية الذي يعيش في ظلّ الغابة
وذلك الملك ، رغم أنه يبدو لطيفًا للغاية ، صغير الحجم ، وكأنه لقمة سهلة لا قيمة لها…
إلا أنه في الحقيقة كائن مرعب إلى درجة أنك لو تجرأت على الاستهانة به ، فلن يكون لك أي حق في الشكوى حتى لو مزّقك حيًّا
«ثم في أحد الأيام ، ظهرت الشمس والقمر معًا في السماء ، ومنذ ذلك الحين بدأت الزلازل تتكرر حول البحر المجاور للإمبراطورية الغربية ، لكن دوقكِ منع أي شخص من الاقتراب من هناك ، وما إن أبدى إمبراطور الغرب اعتراضه حتى أصدر يوبيل نبوءة تقول — تمامًا كما قال الدوق — إنه لا ينبغي الاقتراب من بحر الإمبراطورية الغربية.»
كان جوزيف من النوع الذي لا يهدأ له بال حتى ينبش كل ما يثير فضوله
ولهذا حاولتُ أن أُلهيه وأدفعه بهدوء ليصبح طالب دراسات عليا، لكن… هل كان لديه متّسع للتفكير في أمور أخرى حتى أثناء الدراسة؟
«كل التوقيتات مثالية أكثر من اللازم ، يا إيزانا.»
كثيرون كانوا يفكّرون بالطريقة نفسها التي يفكّر بها جوزيف ..
أن كل شيء يجري بسلاسة مريبة ، كالماء
لكنهم نسبوا الفضل في ذلك إلى وينتر ويوبيل ، ولم يشكّوا بعمق ..
كنتُ آمل أن ينجرف جوزيف معهم في هذا التيار، فقلتُ بنبرة خفيفة:
«فهم حراس أرسلهم الحاكم ليحمي شعبه ، من الطبيعي أن تكون هناك أمور لا نفهمها.»
إيمانٌ مطلق
غرس مثل هذا الشيء في جوزيف كان أشبه بمحاولة تعليم رضيعٍ معنى الصبر ..
.
فهو من النوع الذي ، إن لم يصبح مؤمنًا ركيكًا ، فسيحاول أن يصبح حاكماً بنفسه ..
تظاهرتُ بالتفاؤل الساذج ورفعتُ كتفيّ بلا مبالاة.
«أليس الأفضل أن نعتبر أن الخير خيرٌ فحسب؟»
حدّق جوزيف بي طويلًا.
أما أنا ، فكلما زاد تحديقه ، ازددتُ تظاهرًا باللامبالاة، أواصل حشر الطعام في فمي
«…في الفترة التي بدأت فيها الهجرة الواسعة إلى السهول الوسطى، اكتشفتُ أمرًا مثيرًا للاهتمام.»
تسك ..
وضعتُ حبّة عنب في فمي وحرّكتها بلا اهتمام ، ثم بصقتُ النواة بدقة ..
«اكتشفتُ أن شخصًا ما وزّع أراضي السهول على المهاجرين بثمنٍ بخس ، بدا الأمر وكأن السكان الأصليين تعاونوا مع الدول المختلفة طوعًا ، لكن الحقيقة لم تكن كذلك ، قيل إن امرأةً ما ظهرت فجأة من العدم ، وكأنها كانت تعلم أن كل هذا سيحدث ، وبدأت منذ سنواتٍ عدة تُحكم سيطرتها على المنطقة تدريجيًا ، حتى الوحوش السحرية في الغابة كانت ، على غير العادة ، مطيعة لها.»
«وكيف عرفتَ كل ذلك يا أخي؟»
«عندما قطعت والدتي كل دعمها لي قبل سبع سنوات ، أدركتُ أنه عليّ أن أستعدّ لمستقبلي بنفسي ، ولو إلى حدٍّ ما.»
قبل سبع سنوات
في ذلك الوقت ، لم يكن جوزيف سوى طفلٍ في الثانية عشرة.
«كما قلتُ لكِ من قبل ، الابن الثاني عليه أن ينجو بنفسه ، وإلا فسينتهي به الأمر دميةً في يد أحدهم ، تمامًا كما فعل جدي بي.»
وكما قال جوزيف ، بعد حادثة الوباء قبل سبع سنوات ، اضطرت الدول كافة إلى نقل سكان الأقاليم الساحلية إلى الداخل ..
لكن لم تكن أي دولة تعرف أين يجب أن تضع “الخطّ الأخير”، فعمّت الفوضى
أنا ووينتر ، لأننا كنا نعرف أن السواحل ستغرق ، وضعنا ذلك الحدّ بأخذ المستقبل بعين الاعتبار، وبصورة صارمة نسبيًا ..
ونتيجة لذلك ، ظهر عدد من المهاجرين يفوق ما تستطيع الدول استيعابه بمرونة.
ولهذا ، قررنا منذ وقتٍ مبكر استخدام السهول الوسطى لاستيعابهم ..
حتى وينتر في خط الزمن السابق لم يكن غافلًا تمامًا عن فكرة استخدام السهول الوسطى ..
لكن ..
كان عليه أن يتخلى عن الفكرة بسبب كُرة زغبية صغيرة ولطيفة
التعليقات لهذا الفصل " 165"