حتى لو حاول تجاهله جاهدًا ، ذلك الشعور بالنفور الذي يعلق في الحلق كشوكة لا يُنسى ..
في النهاية ، قرر وينتر أن يبتعد خطوةً حتى عن غلاس ..
أما غلاس ، فكان يصاب بالإحباط في كل مرة أمام برودة أخيه الأصغر وقسوته غير المفهومة ، رغم رغبته الملحّة في الاعتناء به مهما كان الثمن ..
هكذا ظلّ هذا الخط الزمني يتكرر بلا نهاية ..
وقت أطول بكثير من الأيام التي كانت علاقتهما فيها ودّية ..
تدفقت تلك الأيام مثل الماء ، ثم تجمعت راكدة في مستنقع ..
ولهذا السبب ، بعد وقت قصير بعد وصولي إلى الإمبراطورية الشمالية ، صار الإمبراطور يزورني كلما سنحت له الفرصة ..
تمامًا كما هو الحال الآن ..
«أوه ، يا آنسة ، يبدو أنكِ مشغولة بتجهيز الأمتعة التي ستأخذينها إلى الإمبراطورية الغربية ، تسك ، سيليس متعجّل أكثر من اللازم ، ما زال هناك بعض الوقت حتى عيد ميلادكِ ، ومع ذلك… من الغريب أنه لا يملك أبناءً شرعيين حتى الآن ..»
«آه هاها… ربما لأنني لا أستطيع استخدام بوابة الانتقال الآني ، فجلالته يلحّ عليّ كثيرًا أن أسرع بالمجيء……»
قريبًا ، وكما في كل عام ، سأعود إلى الإمبراطورية الغربية ، وسأضطر إلى ملازمة الإمبراطور سيليس فترة من الزمن ..
كان إمبراطور الغرب قد وضع شرطًا مقابل إرسالي إلى الإمبراطورية الشمالية ، وهو أن أقضي عيد ميلادي حتمًا في الإمبراطورية الغربية ..
كان الشهر الذي يصادف عيد ميلادي قد اقترب ، وكنت قد تلقيت بالفعل رسالة استعجال ، لذلك بدأت بتجهيز أمتعتي ..
وفي أثناء ذلك ، ظهر الإمبراطور غلاس فجأة دون سابق إنذار ، وهو يلتفت حوله على استحياء وهو يشبك يديه خلف ظهره ..
«…همم ، دعيني أرى ، هل أساعدكِ قليلًا؟»
هل الإمبراطور يعرض أن يساعد بنفسه في توضيب أمتعة فتاة؟
نظرتُ إلى أطراف أصابع الإمبراطور غلاس ، التي بدت وكأنها لم تبتل بقطرة ماء في حياته ، وابتسمتُ ابتسامة متكلفة.
«تفضل بالجلوس ، أظن أن لديك ما تودّ قوله بخصوص الدوق الأكبر ، أليس كذلك؟»
«نعم… هذا صحيح ، على الأغلب؟»
قال ذلك وكأنه متردد ، لكنه جلس على الكرسي بسرعة كأنه كان ينتظر هذه الدعوة ..
حضّرتُ الشاي على نحوٍ معتاد ، ثم سكبتُ لكل منا فنجانًا ، وقلت بنبرة جدية نوعًا ما:
«تفضل بالكلام.»
رفع الإمبراطور غلاس الشاي وارتشفه دفعةً واحدة ، رغم أنه كان قد أُعدّ لتوّه ولا بد أنه حارق لسقف فمه، ثم تمهّل قليلًا قبل أن يقول:
«…هذا الصباح ، سألتُ وينتر: “هل نمتَ جيدًا الليلة الماضية؟” لكن إجابته كانت مختلفة تمامًا عن المعتاد.»
«عادةً يجيب: “نعم ، هل نِمت جيدًا أنت أيضًا يا أخي؟” ماذا قال اليوم؟»
«اليوم قال… “نعم ، هل تناولت طعامك؟”!»
«……»
كان الإمبراطور ما يزال يضع القماش الأسود الذي يخفي وجهه بإحكام ، لكنه بدا متأثرًا بعاطفته ، فلفّ القماش إلى الأعلى فجأة وكشف عن وجهه.
نادراً ما يُظهر وجهه… يبدو أنه كان متحمسًا حقًا.
ظهر أمامي وجه يشبه وينتر تمامًا، مع مسحة خفيفة من ملامح منتصف العمر ، فكدتُ أختنق من شدة المفاجأة.
«ارتبكتُ في تلك اللحظة وأجبتُه بصراحة أنني تناولتُ الطعام ، لكن… ربما كان وينتر يقصد أن يدعوني لتناول الفطور معه؟»
«……»
«إن كان الأمر كذلك… فهذا مؤسف حقًا.»
في العادة ، يتبادلان تحية الصباح قبل تناول الطعام ، لكن يبدو أن التحية تأخرت اليوم قليلًا ، لذلك من المرجح أنه سأله عفويًا إن كان قد أكل ،
لكن……
أخذتُ رشفة من الشاي ، ثم ابتسمتُ بهدوء وأجبتُه:
«قد يكون ذلك صحيحًا ، وربما يكون الدوق الأكبر قد شعر بالأسف أيضًا.»
«حقًا؟ إذن لم أكن أتوهم!»
فرح الإمبراطور غلاس لحظةً ، ثم عاد ليغرق في تفكير عميق من جديد ..
«كانت فرصة نادرة لا تأتي كثيرًا……»
راقبتُ الإمبراطور غلاس وهو يحفر لنفسه نفقًا من الأفكار ، وشعرتُ بترددٍ طفيف ..
كان وينتر يرغب في الإبقاء على مسافة نفسية ثابتة بينه وبين غلاس ..
لقد تآكل داخله أكثر من أن يتأثر بعمق أو يمنح قلبه لتلك الأخوّة الطبيعية التي كان غلاس يتوق إليها.
ولأنه يعرف ذلك جيدًا، فهو لا يحاول تقليص المسافة عمدًا.
«حقًا لا أفهم ما الذي يفكر فيه وينتر……»
لكن ، وبعد رؤية هذا الوجه الوسيم ، لم أستطع أن ألوذ بالصمت ، فقد تلقيتُ من الإمبراطور من المعروف والفضل ما يكفي……
نظر إليّ الإمبراطور غلاس بنظرة مبللة بالحنين ، ثم ألقى عليّ نظرة جانبية خفيفة.
همممم!!
بهذا الوجه الشبيه بوينتر ، والمختلف عنه قليلًا… كيف لي أن أقاوم؟
تنهدتُ بهدوء.
«لديّ فكرة جيدة ، ما رأيكم أن نتناول العشاء الليلة معًا، نحن الثلاثة ، في قصرنا المنفصل؟»
«همم؟ عشاء اليوم… حسنًا، لديّ موعد مع الكونت إيسلان ، لكن لا بأس إن طلبتُ منه أن يأتي غدًا……»
أجاب الإمبراطور غلاس وكأنه كان ينتظر هذا الاقتراح ، وأخيرًا ، ابتسم ومدّ يده ليربت على رأسي برفق
«أنتِ حقًا… طفلة ثمينة.»
ثم بدا وكأنه تذكّر أمرًا فجأة ، فسحب يده بسرعة وهو ينقر بلسانه ..
«آه ، صحيح ، لم يعد العمر مناسبًا لمعاملتكِ كطفلة بعد الآن ، الأطفال يكبرون بسرعة… كان وينتر كذلك أيضًا……»
منذ أن جئتُ إلى الإمبراطورية الشمالية لأول مرة ، كان الإمبراطور غلاس يُكنّ لي مودة خاصة
حتى إنه حملني على كتفيه ذات مرة ، وقد تذكّرتُ كيف شعرتُ بالحرج حينها في داخلي.
«منذ مجيئكِ ، يبدو أن كل شيء يسير على ما يرام ، على نحوٍ غريب… كأنكِ كنتِ المفتاح نفسه.»
هممم ، هذا أصابني في الصميم ..
بللتُ شفتيّ الجافتين قليلًا وأدرتُ عينيّ ، فعندما يقول الإمبراطور مثل هذا الكلام ، كانت لديّ جملة جاهزة أرددها تلقائيًا كآلة تسجيل:
«أنا فقط أمتلك سحرًا جنونيًا جعل الدوق الأكبر يقع في حبي من النظرة الأولى ، شكلي لا بأس به ، كما تعلم …»
«أفكّر فعلًا أنكِ مجنونة ، وبأكثر من معنى ، هاهاها.»
في النهاية ، كنتُ أتمسك بقوة بحجة: “لقد وقعنا في حب بعضنا من النظرة الأولى فحسب.”
غالبًا ما كان ذلك كافيًا لإقناع الآخرين ، وحتى إن سألوا أكثر ، كان يمنحني عذرًا مناسبًا للتهرب
توقف الإمبراطور عن الضحك ، ثم ابتسم بلطف.
«أنا ممتن لوجودكِ ، أعتقد أن الحاكم أرسلكِ من أجل وينتر ومن أجلي.»
آه ، حقًا…
كان الإمبراطور غلاس متديّنًا أكثر مما ينبغي ، أن يراه يواظب على الصلاة يوميًا دون أن يعلم أن الحاكم قد سقط… كان أمرًا يوجع القلب ..
مؤلم ، نعم ، لكن منظره وهو يصلي بهيئة جميلة كان مقدسًا إلى حد لا يوصف ، لذا تركته وشأنه.
فما الضرر؟ أيمكنني أن أفسد على نفسي منظر إنسان جميل يتعبد في خشوع كل يوم، وأخاطر بإثارة كراهيته فقط لأقول له إن ذلك الحاكم قد فسد ولم يعد موجودًا؟
ثم إن الحقيقة هي أن ذلك الحاكم أرسلني فعلًا، فليس في كلامه خطأ تمامًا ..
«وينتر… يحمل الكثير من الأسرار ، لا يمكنني ألا ألاحظ ذلك ، وأعلم أيضًا أنه يشارككِ معظم تلك الأسرار.»
أنزل الإمبراطور القماش الأسود ببطء ، فغطّى وجهه من جديد ..
«وأحيانًا أفكر أنكِ قد تكونين أنتِ نفسكِ أكبر أسراره.»
اعتاد الإمبراطور غلاس ، منذ أن صار يتجول مرتديًا ذلك القماش الأسود ، أن يُخفي كل جوانب ضعفه خلفه ..
ترددتُ قليلًا، ثم قلت:
«ثق بي ، لولا وجودك ، لما استطاع الدوق الأكبر أن يكون كما هو عليه الآن ، بهذه الرزانة.»
«…هل تظنين ذلك حقًا؟»
«ألم تقل بأنني ربما أكون أكبر أسرار الدوق الأكبر؟»
وضعتُ سبابتي على شفتيّ وخفّضتُ صوتي
«سأخبرك سرًا الآن ، لولا وجودك ، جلالتك… لما وُجد الدوق الأكبر كما نعرفه اليوم …»
ابتسم الإمبراطور غلاس ابتسامة رضا.
«يا لهذا… لم أكن أتصور أنني سأحسد سيليس يومًا ما ، يا آنسة ، إن رُزق إمبراطور الغرب بابنٍ شرعي ولو متأخرًا ، فتعالي إليّ فورًا دون أن تلتفتي خلفكِ ..»
تجمّدت ابتسامتي وأنا أبتسم معه ..
ابنٌ شرعي لإمبراطور الغرب ..
عضضتُ شفتي ، ورسمتُ في ذهني وجهًا خانقًا أعرفه جيدًا.
«على ذكر ذلك ، ما زلتِ تحتفظين بتلك الدمية، أليس كذلك؟»
كان من المفترض أن أتناول العشاء مع الإمبراطور ووينتر ، لكنني اعتذرتُ بحجة المرض وتغيبّتُ وحدي …
حرصتُ أيضًا على تضمين كلامي إيحاءً ذكيًا بألا يزعجاني لأنني متعبة ، لذا لن يأتي الاثنان ليطرقَا بابي قلقين على صحتي .
التعليقات لهذا الفصل " 164"