لكن ما قاله بعد ذلك أوضح أنه لم يكن يقصد أنني أنا من أراد رؤيته ..
“غريب… لم أكن أحب أبدًا لون الشعر العشوائي كالحشائش البرية …”
“؟”
“لكنني أردت رؤيتكِ ، آنسة ، والآن… ماذا سنفعل؟”
ما الذي يقوله هذا المجنون بحق الجحيم؟
“ما الذي يقوله هذا المجنون بحق الجحيم……؟”
في ذلك اليوم أنا و”نوي” حاولنا أن نقتحم حلم غريسين فورًا ،
لكن في الحقيقة لم ننجح ..
“ذلك الوغد… لا ينام.”
الإنسان لا بد أن ينام ..
قد تمنعه بعض العقاقير من النوم أيامًا عدة ، أسبوعًا ، أسبوعين ، وربما شهرًا كاملًا ..
لكن ماذا لو تجاوز ثلاثة أشهر؟
أكرر: الإنسان بحاجة إلى النوم ضرورةً ، وهذا لا يتغير حتى في عالم فانتازي كهذا ..
باستثناء شخص واحد فقط ..
“يبدو أن تحوله إلى تنين يتسارع أسرع مما توقعنا.”
أغريسين ، الذي سرق جزءًا من روح وينتر، صار يشبهه أكثر فأكثر …
ومنذ ذلك اليوم فقدنا أثره تمامًا ..
لم يبقَ لنا سوى رسائله التي تصل كل شهر ..
“إذن كان حلمًا ، هه؟”
انشطر الدخان الأرجواني الداكن على هيئة قوس ، وابتسم ببرود …
“ظننت أنكم تراقبونني من بعيد ، لكن تبيّن أنكم تتسللون إلى أحلامي كالقطط السارقة.”
لم يعد أغريسين يضحك كالسابق بضحكته المظلمة “كككك…”.
صار حديثه وضحكه جافَّين ..
لقد بدأ لا يشبه وينتر في مظهره فحسب ، بل في شخصيته أيضًا.
“كيف يكون هذا ممكنًا؟ كانت الدائرة السحرية محجوبة… لا، على حد علمي لا يوجد سحر كهذا ، هممم، آه… نعم، هكذا إذن.”
“إن كنتَ ستثرثر وحدك ، فلا داعي أن يكون ذلك أمامي.”
“إن كنتِ تقولين ذلك… آسف ، لقد كنتُ غير مؤدب.”
ذلك الأسلوب اللطيف المهدئ كان يثير غيظي .
كنت أشعر بجلدي أن ظل وينتر يتداخل مع ملامح أغريسين ..
“لو كانت فرضيتي صحيحة… فلا بد أنكم وجدتم الآخر ، أجل ، كان اسمه [أمبيلوس] ، أليس كذلك؟”
“!”
اختفى بريق عينيه الأرجوانيتين خلف جفونه المنحنية ..
“كنت أعلم منذ لقائنا الأول… إن تعابير وجهكِ شفافة جدًا… ربما أعجبني ذلك…”
بووم!
تلاشى شكل أغريسين فجأة وسط دوي هائل ..
نظرتُ إلى الرسالة المشطورة نصفين ، وإلى الطاولة المكسورة أسفلها بدقة ..
“…إن كان أغريسين قد بدأ يشبهني.”
ابتلعت ريقي وأنا أرمق وينتر الذي أعاد سيفه إلى غمده بوجه وكأنه لم يفعل سوى شيء عابر .
“فقد أظن أنني أعرف أين يكون الآن وما الذي يفعله.”
“وأين تظن أنه يكون؟”
أمر وينتر أتباعه بمراقبة كل الخدم الداخلين والخارجين من القصر ..
“إنه في القصر.”
“ولماذا تظن ذلك؟”
“لأنه يريد مراقبتكِ ، لم يعد يكفيه النظر من بعيد ، أراد الاقتراب ، ولن يردع نفسه عن ذلك.”
للمرة الأخيرة سألتُه:
“…ولماذا تظن ذلك؟”
“لأنه بنفسه قال إنه يشتهيكِ.”
بعد ذلك لم أطرح أي سؤال آخر عن هوس أغريسين بي ، وقررت أن أتوقف عن التفكير فيه بعمق ..
وبعد يومين بالضبط…
وُجد أحد خدم قصر التشريفات مشنوقًا في إحدى غرف القصر الثمانية والتسعين الخالية ..
قيل إنه كان ميتًا منذ ما يقارب الشهر ..
لكنني كنت أتذكر وجهه جيدًا ..
إنه نفس الخادم الذي سلّمني رسالة أغريسين ، والذي قدّم لي الشاي صباح ذلك اليوم ..
—
…لنعد إلى الحاضر ..
“ما السبب الذي دفع أغريسين لتفجير الحفل؟ في النهاية ، حتى لو متنا ستعود بنا الساعة إلى الوراء ، فما الذي يريد الحصول عليه إلى هذا الحد ، لدرجة أن يتجرأ على الاقتراب منا هكذا؟”
أمس ، في احتفال تأسيس الإمبراطورية الشمالية ، وفي خط زمني لم يعد موجودًا، وقع انفجار هائل بفعل السحر ..
كان من فعل أغريسين بلا شك ..
لكننا لم نفهم لماذا أقدم على ذلك ..
أن يفعل ذلك وهو يعلم بوجودي هناك يعني أنه كان واثقًا من موتي ..
بكلمات أخرى: لقد استهدف موتي تحديدًا .
“قد يكون ما حدث بالأمس هو النقطة التي يجب أن يُثبَّت عندها مسار العودة بالزمن.”
“لا يمكننا السماح لأغريسين بالعبث أكثر ، يجب أن ننصب له فخًا ونصطاده.”
لكن أي فخ؟ لأغريسين أرواح لا نهائية!
“إن استمر الأمر هكذا فقد يظهر علنًا يومًا ما ، لذا من الأفضل أن نسبقه نحن بخطوة.”
“تسبقوه؟! تقصد… نصدر نبوءة؟”
النبوءة ..
بفضل نبوءات [ماتيريا] نجا العالم من كوارث كثيرة خلال السنوات السبع الماضية …
فيضانات ، حرائق كبرى ، جرائم جماعية…
آه ، طبعًا لم أكن أنا من تنبأ بها ..
[ماتيريا] شخص واحد ، لكنه في الوقت نفسه موجود بشخصين الآن ..
فالنسخة الرسمية من [ماتيريا] كانت يوبيل لوهيا الابن الثالث لدوق لوهيا من الإمبراطورية الغربية ..
“إن أعلنا نبوءة عن ظهور تنين مزيف ، فلن يجرؤ أغريسين على التحرك بسهولة ، وسيُقبض عليه فور ظهوره.”
وهكذا بدأنا باستغلال “نوي” لإيصال “نبوءات” إلى يوبيل في أحلامه ..
وبما أن يوبيل ، الذي كان يُبجل منذ طفولته بوصفه [ماتيريا]، بدأ يروي أحلامه ويرسمها، شاع أن أحلامه تحمل نبوءات ..
تلك الرسوم كانت في الواقع صورًا كنا نظهرها له في الأحلام ..
وبذلك كنا نصنع “نبوءة للنبوءة”، وننقذ الناس ..
طَرقٌ خفيف على الباب قطع حديثنا ..
انفتح الباب ، ودخل شخص مألوف جعلني ووينتر نصمت على الفور كما لو كان بيننا اتفاق …
“مرحبًا، إيزانا.”
وقف عند المدخل جوزيف بوجه شاحب قليلًا ..
“مرحبًا ، أخي جوزيف!”
ابتسمتُ ابتسامة مبالغًا فيها لأخفي توتري ، وأسرعت نحوه.
ضغط جوزيف بمنديله على شفتيه بهدوء، ثم قبض عليه مبتسمًا.
“ما الأمر؟ ظننت أنني لن أراك قبل أسبوع على الأقل بسبب حفل التخرج ، لكنك عدت أسرع مما توقعت!”
ذلك الوجه الوسيم المبتسم بفتور كان لجوزيف لوهيا ، الأخ الأكبر غير الرسمي لي ، والشرير الخفي في القصة الأصلية.
بعد انتقالي إلى الإمبراطورية الشمالية، التحق جوزيف في العام التالي بأكاديمية السحر هناك متصدرًا لائحتي القبول ..
طبعًا قامت عائلتنا الدنيا ولم تقعد ، بالأخص أمي التي ثارت غضبًا ..
لكن بما أنه دخل بمرتبة الأول ، أُعفي من كل الرسوم ، ولهذا ، حتى مع تهديد والدتنا بقطع كل الدعم ، تمكن جوزيف من تنفيذ “هروبه”.
في القصة الأصلية، كان جوزيف يخفي عبقريته السحرية كورقة رابحة ، لكن هذه المرة لم يحدث ذلك ..
فقد انقطع عنه الدعم العائلي ، فاضطر للحفاظ على المنحة كاملة عبر التفوق المستمر ..
وكان يكفيه درجات جيدة فحسب ، لكن جوزيف بعبقريته لم يعرف الحلول الوسط ..
فتألق كالنجم المشتعل ، وتنافس الأساتذة على أخذه حتى وصل بهم الأمر إلى مبارزات شرف ..
بل إن أحد أساتذة قسم السحر النقي ضرب زميله البالغ صداقة ثلاثين عامًا وأدخله المستشفى ليتبنى جوزيف!
هكذا تخرج جوزيف مبكرًا وصار أشبه بباحث دراسات عليا.
لكن حتى تلك الحياة انتهت اليوم ..
فقد اجتاز مقررًا يستغرق عادة خمسة عشر عامًا في خمسة فقط.
وفي النهاية ، تحدى أستاذه المباشر في مبارزة شرف ، وأصابه إصابة بالغة أبعدته عن التدريس خمسة عشر أسبوعًا ..
يُقال إن الأستاذ طار عشرة أمتار في الهواء! لا أعلم إن كان هذا “مسموحًا”، لكن يبدو أن قوانين هذا العالم سمحت به ..
التعليقات لهذا الفصل " 161"